العلاقة بين الشرق الإسلامي والغرب كانت على الدوام مبنية على عناصر صراع وإخضاع وتأثر متبادلة، وتجلى ذلك في التاريخ المتشابك بينهما والدلائل هنا كثيرة، على سبيل الذكر: الحملات الصليبية والفتوحات الإسلامية في الديار الأوروبية. عموما هو موضوع أعقد بكثير من أن نتناوله في بضعة أسطر، ولا ندعي ذلك، لكننا سنعرج على إشارات قليلة دالة، نعتقد أن لها علاقة بموضوعنا.
تاريخيا، تميزت هذه العلاقة بتدافع بينهما وعرفت مدا وجزرا من الطرفين، وفي حقب تاريخية مختلفة كانت الغلبة فيها تميل كفتها للشرق الإسلامي. غير أن رياح الغرب ستهب تدريجيا وتزداد قوة ونشاطا مع كل تخاذل أو خيانة أو تقاعس شرقي، وهكذا ستنهار الخلافة الإسلامية خلال القرن الماضي بعدما ظلت طويلا تعاند وتكابر لركوب سفينة زمن يتسلل من بين ظهرانيها. كان ذلك إعلانا صريحا عن بزوغ شمس عهد الغرب من جديد وما يحمله من قيم وثقافة مختلفة، سيحاول عولمتها تدريجا خلال النصف الثاني من القرن العشرين وبداية القرن الحالي. وهذا من سنن الوجود ولا بد منه من أجل تقدم البشرية في شتى العلوم المادية وغيرها.
بيد أن الترف يؤدي أحيانا إلى الضياع كما في قوله عز وجل: “وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ”. وهذا ما أكدته أيضا الثقافة الغربية على لسان فيلسوفها كانط عندما اعتبر الحروب وسيلة حتمية لإعادة التوازن للمجتمع والتخلص مما أصابه من ترهل أخلاقي وغلو في الشهوات وغيرها من مظاهر الترف الطاعنة في التطرف.
لقد بشر نيتشه بوجوديته المفضية إلى سمو الجسد على الروح، فانساق هذا الغرب المنتشي بفتوحاته العلمية واكتشافاته الفضائية وقوته المادية نحو انهيار أخلاقي تحت غطاء الحريات الفردية، وهو ما أكدته الأبحاث في العلوم الإنسانية والتاريخية وغيرها؛ ما من قرية وصلت إلى مرحلة الترف الفاحش إلا وظهرت فيها ممارسات مجتمعية مريضة، تتعفف النفس البشرية السليمة عن الخوض فيها، إذا لم يكن هناك رادع أخلاقي لها.
في حين يمكن للشرق الإسلامي أن يحافظ -على الأقل نظريا وفي الحد الأدنى- على قيمه المجتمعية المتأصلة بفضل الدين الإسلامي مما يجعله مؤهلا لمقاومة هذا المد الأخلاقي المضاد للطبيعة، لو أعد العدة وأعاد صياغة علاقته مع الغرب وفق منظور الفاعل المؤثر والمستقل الذي يغربل ما يأتيه وينتقي ما يفيده، وليس المتفاعل المنهزم الخاضع والمتأثر ببريق المادية الجافة الساطعة في سماء الدنيا، والمتجرع لكل ما يستورده بدون تفكير ولا نقد.
حاليا هناك إعادة تموقع عالمية جديدة ومحاولة إحياء تحالفات قديمة وخلق أخرى، في زمن خفت فيه وهج نظريات النهايات (نهاية السرديات…). باتت الدول تسارع الزمن للاستفادة ما أمكن من حالة الاضطراب التي يمر منها العالم، وبدا ذلك جليا بعد جائحة كورونا. الديمقراطيات الكبرى تعاني من تآكل أنظمتها وفلسفة حكمها وعجزها عن استيعاب المتغيرات المتسارعة مما وضعها أمام تناقض صارخ مع قيم البدايات التي قامت عليها نهضتها. لننظر مثلا إلى واقعة قانون التقاعد بفرنسا وكيفية تمريره على طريقة دول الشمولية، ولنلقي نظرة على تدخل السلطة الأمنية العنيف في مواجهة متظاهرين فرنسيين عزل بعد مقتل مراهق على يد أحد عناصر الشرطة ولائحة تطول.
نحن إذن أمام حالة تشكل عالمية جديدة مفعمة بالمفاجآت، على مستويات عديدة من بينها الأخلاقي، وما نراه من نقد لاذع من داخل المجتمعات الغربية نفسها لخطاب الحريات الفردية إلا تجل رمزي لمظاهر هذا التحول. حسبنا أن تيار التغيير لا فضل فيه لأحد على آخر إلا بالعمل وإرادة الانعتاق من براثن الجهل والتخلف الذي انغمسنا فيه حتى حسبناه قدرا.
الشرق الإسلامي قادر على خدمة الإنسانية والمساهمة في خلخلة الفكر النمطي الذي طوق به الغرب العالم، وما نموذج كأس العالم بقطر عنا ببعيد، ولو على المستوى الرمزي، حيث شاهد العالم كيف اضطر دعاة الشذوذ للامتثال لرغبة البلد المضيف. التاريخ يمنح فرصا للقادر على اقتناصها ولا ينتظر المترددين. عندما يتباطأ سيره لحدث ما ويغير اتجاهه، على المتأخر أن يلتحق بالركب في الحال. الطبيعة نفسها ترفض الفراغ، فلا وجود للثبات بدون تقدم.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.