تقديم
تمت ولله الحمد والشكر مناقشة رسالة الدكتوراه لعبد ربه يومه الجمعة فاتح دجنبر 2023 بالمعهد الوطني للتهيئة والتعمير بالرباط تحت عنوان:” بناء صورة جديدة للمدينة من طرف الفاعلين المحليين: نموذج شفشاون مدينة وسيطية بالريف الغربي”. وأشرف على هذه الأطروحة دكاترة أجلاء وهم: السيد عزيز عراقي؛ السيد محمد تميم؛ السيد طارق حرود. وشارك في تقييم هذا العمل ومناقشته كل من الدكاترة: السيد محمد علي بلمين من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان؛ السيد هشام مولودي، من مدرسة الهندسة المعمارية بالرباط، السيد محمد بندير، من معهد الوطني للتهيئة والتعمير بالرباط. وترأس أشغال المناقشة الدكتور عبد العزيز عديدي، المدير السابق للمعهد الوطني للتهيئة والتعمير، بالرباط، والأستاذ الباحث بالمعهد نفسه إلى اليوم.
وأغتنم الفرصة لأجدد الشكر الجزيل لجميع أعضاء اللجنة، مشرفين، ومقررين، على ما بذلوه من جهد وما قدموه من ملاحظات في سبيل الارتقاء بالمناقشة لتعم الفائدة نظرا لزئبقية موضوع “صورة المدينة” ولانشطاره بين تخصصات شتى. وأجدد الشكر لفعاليات مدينة شفشاون وفي مقدمتهم السيد الرئيس السيد محمد السفياني، فهذا العمل من المدينة ومن أجلها، عربون وفاء لها ولساكنتها الأعزاء، الكرماء والأصفياء.
وأقدم جزيل الشكر لزملائي بالوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، ولأصدقائي الأساتذة بجامعة عبد المالك السعدي بتطوان، قسم الجغرافيا على الدعم والمساندة، ولأساتذتي بتور بفرنسا، وبجامعة مونتريال و”إيكام UQAM” بكندا، كل التقدير والاحترام لكم اليوم وغدا. وأعترف بأن هذا العمل وصل لبر الأمان بفضل أياد خفية لأفراد عائلتي الكبيرة والصغيرة؛ أقول لهم شكرا جزيلا، ولمن رحلوا حبا كثيرا… متمنيا لهم ولجميع أساتذتي والأصدقاء الصحة والعافية وتحقيق أغلى الأماني.
ترك هذا العمل ارتياحا ولله الحمد وكانت التوصية بطبعه (بعد إجراء بعض التعديلات)، فرحة أزالت تعب السنين لأن الهدف الأسمى ظل ولا يزال هو الوفاء لشغف البحث. هذا العمل هو عبارة على “خبزة” متواضعة تخرج اليوم من وسط اللهيب ليأكل منها الجميع. اختمرت وكتب لها أن ترى النور هنا بالمغرب وسط “الحرايفية” أساتذتنا الأجلاء الكرام البررة حفظهم الله تعالى.
فكرة الأطروحة نزلت ليلا…
في الغسق الأخير من الليل استيقظت لأرتوي. توجهت للمطبخ فشربت رشفتين أو ثلاثة، ثم أخذت قلما وكتبت على جانب صفحة من كراسة خاصة بوصفات الحلويات: ((…الصورة…. التسويق الترابي…. الهامش… المدينة))، وكأنني بصدد وضع مقادير حلوة مغربية “شباكية”، عبارة عن خربشات بين الحلم واليقظة. عدت للنوم وعند الصباح أعدت تدوين ما كتبته ليلا على مذكرة الهاتف الخلوي وأضفت هذه المرة أفكاراً مشتتة أخرى استقيتها من تجارب متفرقة ومن محاضرات من مونتريال، من تور، ومن فاس، والرباط. المشرف الدكتور عزيز عراقي لا تعجبه استعمالات الكلمات المنمقة في غير موضعها، يطلب من الطالب الباحث كيفما كان سنه أن يأتيه مسكونا بمشروع ما في مجال التخصص وهو “الحكامة الترابية”، وفي كل وقت يذكر بهذه المقولة: “على الطالب أن يكون أولا مسكونا بالموضوع” وإذا عشعش الموضوع داخل عقل الطالب تخرج من جوفه فورا اهتمامات أخرى ثانوية أو غير مهمة.
يقول لي الأستاذ والصديق سي أحمد الشعرة من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، شعبة الجغرافيا: “نزلت لقعر البئر يا أخي ولا خروج لك من غياهب الجب إلا بمناقشة في المستوى… لن يأتي أحد لمساعدتك ونجدتك”. هي جزئية بسيطة بين “الجب” و”الحب” لكنها فاصلة… نضحك كثيرا لكن الأطروحة هي مسيرة على الطالب الباحث أن يقطعها مثل البذرة من السلة للحقل حتى تصبح جاهزة للهضم وتصير مغذية…. لكن المرور عبر الفرن لا مفر منه…. اختراق واحتراق…. مع الوضع في الحسبان لعواصف الخريف والشتاء. المصيبة العظمى وسط مسلسل نمو الأفكار ينحبس فجأة المطر… وفي انتظار الغيث يأتي اليأس متربصا…. وتلك قصة أخرى شبيهة بانقطاع “الوحي”. تتحول مدينة شفشاون لمختبر والذات المتعلمة لمراقب باحثة عن أدوات منهجية …. عليها أن تتسلح حتى لا ينسلخ جلدها بساحة الوطا الحمام…. في المطبخ وجدت الكثير من الحلول تقرب الفهم من عدة مدارس فلسفية وتيارات متعددة: الظاهراتية، البنيوية، ما بعد الحداثة، البنائية، النسقية… وجدت تشابها بين فن وطريقة إعداد حلوة “الشباكية” والتواءاتها وموضوع الأطروحة، ما قد ينير الطريق لأكثر من متسائل. هذا ما وقع حقا…. إننا اشتغلنا على “صورة المدينة” ككينونة: من هو الفاعل؟ كيف فعل؟ لماذا؟ مع من؟ ولمن؟ ولماذا هنا والآن؟
كنت خلال إعداد مقترح موضوع البحث أستحضر فن إعداد “الشباكية”، ويحضرني الهامش بقوة، تحضرني التجارب الفلسفية لجاك دريدا، مارتن هيدغر، مشيل فوكو، ولدوسيسير، وغيرهم، وكأني مقبل على تدريب فريق لكرة القدم منتم إلى قسم الهواة؛ له تاريخ كبير لكنه يعاني رغم بريق الماضي. إعداد الأطروحة يتطلب بعض الاستعدادات ومنها الانسجام مع الموضوع قلبا وقالبا، فيتولد الكوناتوس، الرغبة، الشغف، والهيام، وتفتح الأبواب بلقاء كبار المبدعين وعامة الناس وتلتمس مساعدتهم. الباحث هنا يريد أن يعرف ماذا يجري في الميدان لكنه لن يستوعب ما يجري بسهولة.
وأشير إلى أني كنت قاب قوسين أو أدنى أن أشتغل على موضوع صورة المدينة بين تجربتي شفشاون “القديسة” ووزان” دار الضمانة”، لكن نظرا لتفرع الإشكالات اخترت “القديسة”؛ هما مدينتان بحمولة كبيرة جدا وبأسرار لا يمكن إماطة اللثام عنها بجرة قلم. أتذكر جيدا قول السيد مندوب التعليم السابق بشفشاون عند لقائي به بالقرب من وزارة التربية والتعليم بالرباط -أواسط التسعينات من القرن الماضي- :”أبهرتني مدينة شفشاون بمستواها الثقافي الفريد.” إن البحث داخل النسيج الاجتماعي لأي تجمع سكاني هو سفر ليس كباقي الأسفار؛ شاق وممتع. عوض أن أركب إشكالية بين مدينتين، كان علي أن أجد نظرية أو نظريات تسمح بفتح أبواب “القديسة “التي ظلت مؤصدة في وجه الآخر.
كنت مطالبا بالتوفيق بين الموضوعية العلمية والذاتية في مجال ترابي جغرافي تطغى عليه الأحلام، والذكريات، والإدراكات التي لا تدركها الحواس ولا الحدس العقلي. وتطلب مني هذا الرهان قراءة عدة مؤلفات ومقالات متعددة، والإنصات الجيد لأساتذتي الكرام ولفعاليات محلية، ومن بينهم شعراء ورسامون تشكيليون وفلاسفة، ولا أخفيكم أن بعض الكتب أو اللقاءات كانت بعيدة كل البعد عن مجال التخصص، غير أن هذه الأمور الهامشية البعيدة هي التي تنير المسلك. فالاشتغال على “الهامش” هو في حد ذاته اتباع لمسلك التخلي والتحلي…. وإن غاب الانسجام أغلقت شفشاون أبوابها في وجه الفضوليين. والحقيقة استمتعت بهذا البحث، ولا أنكر بأن دروب المدينة أتعبتني ومنحتني في الوقت نفسه متعة لا توصف. فهمت لماذا تسلل الأمير محمد بن مولاي علي بن راشد وخرج حفاظا عليها متوجها لوجهة أخرى (قاصدا المدينة المنورة عبر حصن ترغة) على إثر حصار المدينة من طرف جيوش محمد الغالب بالله. هنا حدثت القطيعة الأولى، وسررت كثيرا عندما وجدت ذلك عند دكتورنا عبد الله العروي وهو يتحدث عن بروز الدولة القومية مع قدوم السعديين، في سياق عام وطني!!!
ورمتني هذه الملاحظة وغيرها لعدة ميادين في عالم السياسة والتاريخ والفنون؛ التقيت الشاعر السيد عبد الكريم الطبال في حديث صوفي من زمن مولاي عبد السلام بن مشيش وتلميذه أبي الحسن الشاذلي. كما استقبلني الفنان التشكيلي سي محمد لخزوم على إيقاع الألوان والأنوار والظلال. وجاء اللقاء مع كبير المرشدين السياحيين سي أحمد برؤية سحرية من عوالم شفشاون العميقة.
أهمية “الوسائط” في متابعة الظواهر السوسيو-مجالية
هكذا هي الأطروحة الجامعية تختمر لتطبخ على نار هادئة. تصبح جاهزة البناء نظريا وإمبريقيا، ربيعا بعد ليالي ممطرة وباردة… وقلق معرفي وحتى وجودي لأن الأمر يتعلق ببحث حول “الكينونة”. كان لزاما علينا متابعة التحول بالوصف والتحليل تارة…. والتحايل كذلك!!! وبتركيز لاستيعاب ما يجري ولتفكيك بعض الألغاز… العمل الإبداعي يبدو كصيحة، كما يقول بول كلي عن اللوحة الفنية.. أما التحايل هنا هو تحايل على الموضوعية على طبيعة العمل النقدي، أملته هنا حضور الذات التي يحركها شغف الفهم أكثر من وصف الظاهرة في صيرورتها وتطورها. فطن لهذه الذاتية أساتذتنا الكرام. قال أستاذي الدكتور السيد محمد تميم: “هذه الأطروحة هي عبارة عن سردية محلية”؛ نعم هي محاولة للتعبير عن التربة والانتماء إليها بنزعة كونية وبذات مؤمنة بأهمية المحلي. الدكتور المقرر السيد مولودي طالبني بالبوح بسر الشغف في سن الستين…. السر هنا يتجاوز الموضوعية يرمي بنا في مسالك ومنعرجات وجدانية. الدكتور المقرر السيد بلمين عبر عن المخفي بالقول: “كتبت هذه الأطروحة بالقلب….”.
فعلا يتعلق الأمر بزحف هادئ من الأعماق يمنح الشعور بالهوية الشخصية، الترابية والاجتماعية في وسط محلي متحرك يحاول التأقلم مع المتغيرات بكسب مواقع جديدة متقدمة، وتحركه رغبة نزع الاعتراف. لهذا فالعودة لأعمال فردناند دوسيسير حول اللغة ما هي إلا محاولة للفهم تشكيل التمثلات من داخل النص، حتى ولو كان موضوع الأطروحة هو “صورة المدينة”. ولهذا فزئبقية الموضوع تطلبت منا الابتعاد عن مجال التعمير والجغرافيا الحضرية، أو على الأقل مراعاة وجود حقل التعمير في ملتقى التخصصات. ويمكن القول إن الفن التشكيلي ساعدني كثيرا، والشعر، والرواية كذلك….. وأعترف بأن المفاتيح توجد في العلوم الرياضيات والفيزياء، والكيمياء والبيولوجيا، فالمكون الطبيعي حاضر بقوة في علاقة الإنسان به. أعرف أن موضوع التمثلات والرموز سيرمي بنا إلى البنيوية.. ولا سبيل لفك التناقضات بين الكلمات والأشياء -كما يقول مشيل فوكو- إلا بالكشف عن مقاربات نسقية علائقية. الدكتوراه معركة حربية حقيقية، صدقوني، فالعدو لا يرى بالعين المجردة!!!
نحن نعرف أن متابعة التحول محليا ليس بالشيء الهين لأنه يتطلب أولا فهم السياق العام دوليا، وثانيا معرفة ماذا يقع محليا، وثالثا تجنب التأويل المتسرع لأن المتغيرات كثيرة ومتداخلة مخافة الوقوع في إصدار أحكام قيمة لا طائل من وراء كتابتها غير الإكثار من اللغو. نحن نعرف أن المدخل حاليا لا يكون إلا عن طرق “وسيط”medium لأن الظاهرة الاجتماعية مركبة، والوسيط في هذه الحالة على شكل علامة بصرية، استخدمتها المدينة كحيلة أو وسيلة للتعبير عن وجودها بأقل تكلفة ممكنة. وما يهمني شخصيا هنا كباحث مبتدئ هي العمليات السرية الجوانية، الباطنية وراء تبلور ((الكينونة)) أي وراء قرار ((كن؟)) الذي استعملته مبادرة دار الضمانة على فكرة ((كن وزاني؟؟؟))، لكن لم يشتغل المحرك لعدة أسباب. هذا السؤال حاضر بقوة عند متابعي لمسلسل بناء صورة المدينة: لماذا تحركت الدينامية بـ “القديسة”، أو بمدينة الصويرة ولم تنجح بمدن أخرى؟؟؟ ما يهم الباحث هو تتبع خروج الورقة من الفرع، والفرع من الغصن، والأزهار من كل الشجرة…. والثمار تحصيل المحصول، دون إغفال ربط المحلي بما يقع على المستوى الجهوي، والوطني، والدولي.
ردد أستاذي المشرف سي عزيز عراقي كلمة “وسيط “مشيرا إلى نوع من الحكامة عن طريق لعب دور الوسيط بين أطراف كثيرة، هذا الدور تلعبه الدولة وتلعبه أطراف محلية سياسية كما يشير لذلك الباحثان في مجال العلوم السياسية كل من السيدة بيتريس هيبو والسيد محمد الطوزي في كتابهما الهام ((نسج الزمن السياسي بالمغرب؛ 2021)). هذه العمليات شبيهة بما وقع للفريق الوطني وهو يقارع الكبار بكأس العالم، أو مثل ما عبره عنه المغرب وهو يواجه فيروس كورونا بواسطة آليات فيها إشارات لمغرب كإمبراطورية واسعة الأطراف… تعبيرات أو فن من فنون الحضور في ظل المنافسة؛ قد تكون استراتيجية للمدينة، وللأفراد كذلك في زمن العولمة لنزع الاعتراف وبناء تصور على الحق في الاختلاف (أي التأسيس لعلامة خاصة)، وذلك بإبراز الخصوصيات المحلية لأن زمن السرديات الكبرى ولى كما يقول فرانسوا ليوتار.
المحلي يفرض نفسه فقط عندما يكون التحدي كونيا، والبحث يمر عبر فهم دواخل الذات المحلية وتاريخها المنسي… وعندما تصف ما يقع بصدق تأتي المتون وتأتي الاعترافات. ولهذا فبعض المدن الصغيرة الحجم لا يمكن أن تموت أو تبتلعها المدن العملاقة لأسباب مرتبطة بكينونة المقاومة التي تشكلت عبر قرون. تعبر عنها اللوحة الفنية والأبيات الشعرية، بتعبيرات داخلية عميقة، وبكثير من العشق حتى مع وجود الصراع والنقاشات الجانبية……. ولهذا يأتي الزوار، لهذه الأسباب وأخرى نجهلها، من مختلف البقاع للتبرك بـ ((القديسة)).
المدينة والمخيال….
إن تحقيق التنمية الحضرية يمر كذلك عبر تعبئة المخيال الجمعي. تبدو هذه الخلاصة مستعصية على الهضم ومبهمة، ومستفزة في زمن النيوليبرالية والتحديث والرقمة….!!! إلا أن المتخيل هو تلك القوة المحركة التي تجعل الشغف بالانتماء للتربة أقوى، مغذ وإن غاب تحولت المدينة لتجمع من الإسمنت بدون روح. نأتي به في هذه الورقة كلحمة اجتماعية، وكمحفز عند صناع القرار، وكمنهج لفهم الظواهر المعقدة….
عندما استرسلت في الحديث مع شاعرنا الكبير سي عبد الكريم الطبال عن موضوع ((الشعر والمدينة)) صيف 2019، وعن علاقته الوجدانية بشفشاون، عرف القصد من البحث فاختصر المسافة علي وعليه، وحكى لي حكاية اختزلت تطور مناهج الدراسات البشرية والاجتماعية في الغرب التي تستحضر سجل المخيال وليس التقنية وحدها. فقال لي ساعة المقابلة: “… قدمتْ لمقابلتي باحثة أمريكية من جامعة معروفة. تعلمت بداية لهجة منطقة جبالة طيلة سنتين. واحتكت خلال هذه الفترة بنساء المنطقة وبعاداتهن عند الفرح والقرح. أي عاشت بينهن تحني الأيادي وتقوم بتمليس حيطان البيت بالطين. كان الهدف من بحثها هو معرفة ما يطلبن في السر عند زيارتهن لضريح مولاي عبد السلام بن مشيش…
“أي أنا مزاوݣة فيك أمولاي عبسام ….”. بالنسبة للباحثين في المراكز الغربية فهذا البوح لوحده كفيل بأن يساعد على معرفة حقائق كثيرة عن المجتمع، تغني عن الاعتماد على مناهج أكدت محدوديتها ومنها المناهج الكمية الإحصائية، الوظيفية التي انساقت مع التكميم والتقنين دون تقديم جواهر المعنى… فكيف لبلد كأمريكا التي تشكل حديثا كدولة أن يبني القرار على المخيال؟ حتى إن افتقده كمشترك جمعي فهو يقوم بالتأسيس له عبر الأفلام، والإبداع عامة، بل على مستوى البحث يعتبر مفتاحا مساعدا على الفهم. لهذا فالسردية المحلية حول ((بناء صورة المدينة)) ما هي إلا استحضار المخيال الجمعي المغذي للهوية المحلية وللفاعلين، فبواسطته يتحركون ويناضلون، مهتمون هم بالموروث الثقافي الطبيعي، المادي واللامادي، يهمهم حتى وإن كانوا خارج المدار الحضري وفي أقصى بقاع المعمورة…. وحتى وإن كان مفبركا أو في صيغة سردية خرافية، فهو لحمة ولمة….. وديناميت بالتعبير النيتشوي…. هو الكوناتوس بصيغة سبيوزا…
ملحوظة: لقطة عابرة من داخل ميترو الأنفاق بمونتريال في بداية الألفية الثالثة، الكنديات والكنديون الركاب مشغولات ومشغولون بقراءة روايات هاري بوتر… هل هذا المجتمع مل الواقعية وعاد للأسطورة والخرافة…؟؟؟ تم الانتباه لهذا المعطى منذ البداية لفهم ماذا يقع في مكان معين. وعاد المشرف الدكتور عزيز عراقي مشيرا إلى أهمية المخيال الجمعي في علاقته بالسياسي ودوره في توجيهه للفعل على الأرض.
وأكدت دراسات أخرى بالشمال الأمريكي سنة 2022 على هذه العلاقة المفارقة، التي تدخل في صلب اهتمام الفيلسوف الكندي أنطونيو كالكانيو “Antonio Calcango”؛ أي اعتبار البدائل المتخيلة هي التي تدفع الفاعل للفعل… بتعبير ابن بلدة مقريصات الدكتور عبد الحي مودن -عند تحليله لأعمال أنطونيو- ما هي في الحقيقة إلا نوع من الانسجام مع الذات…. التي أكدت عليه فلسفة الرواقيين وعاد إليها أنطونيو كالكانيو جامعا مكوناتها الثلاثة ((الخيال، والأحاسيس، والأحكام)).
الانتصار للأحاسيس كمنهج!
بعد انتشار المناهج الكمية بشكل غير مسبوق خلال القرن العشرين في سياق الحداثة وتكميم السلوك البشري بمعادلات إحصائية حسابية، تسلحت العلوم الإنسانية والاجتماعية بآليات كمية باعتبارها الوسيلة الناجعة لفك شيفرة العلاقات المبهمة عبر مساءلة المتغيرات للكشف عن السببية. هذا الرهان على الكم ما هو إلا انعكاس للثورة الصناعية وتأثيراتها على كل الأصعدة، بحيث ستكون العلوم الإنسانية والاجتماعية -منذ نهاية القرن 19- مطالبة بخدمة المعمل، مع ترتيب التبريرات من أجل غزو الأسواق. عدة تخصصات ستظهر للوجود انطلاقا من نهاية القرن 19 والهدف منها خدمة المعمل وصاحبه. إلا أن الأزمات المتكررة للنظام الرأسمالي في جانبه المالي، وانهيار البورصة في أكثر من مناسبة ستعيد مسألة المنهج للتداول من جديد خصوصا مع أزمة 1929، مع استحضار مخلفات الحرب العالمية الثانية وما خلفته من دمار، واقتتال بين الشعوب الأوروبية، وما سبق ذلك من طموح الأنظمة الشمولية للسيطرة على العالم. إن هذه المآسي عمقتها أزمة المحروقات لسنوات 1970، وتوالت الانحدارات مع الأزمة المالية الأخيرة (القروض العقارية السكنية) 2008. كل هذه العوامل وأخرى كشفت عن عيوب النظام الوظيفي، ومحدودية المنهج الكمي، وظهرت الدعوة للاعتماد على مناهج جديدة تحترم خصوصية الأشخاص “كأحرار وأنداد”، كما يقول جون راولز -فيلسوف السياسة الأمريكي، مما عجل بسؤال كيف نحن عوض كم نحن؟ مع العلم بأن الفرد -بالمفهوم راوزلي- هو في علاقة مع الجماعة. الليبرالية المتوحشة تخلت هنا عن مبادئها الأخلاقية كالحرية، والعقل، والمساواة…. والأنوار…. لتغتال الفرد والجماعة معا!!!
وبالتالي فالمنعرج الفلسفي الوجداني الذي قاده هنري برغسون وآخرون أشر عن هذا التغيير، وهو بالتالي التحول نفسه، الذي عبرت عنه اللوحة الفنية بانتقالها من الواقعية للتجريد باعتبار أن المظاهر التي تُرى أمام العين ليست هي الحقيقة، ولا بد من الإنصات للآخر بشكل كاف للوصول للعمق… ومنح مساحة للذات للتعبير عن الموضوع من تلقاء دواخلها وبحرية…..
وكما يقال فسيرة الحياة الشخصية الموجودة في قاعدة البيانات لا تعبر عن صاحبها مهما كان. وبالتالي فكل الآليات الكمية هي وسائل ورثناها عن الغرب بعدما تركها هذا الأخير ولجأ لأمور أخرى قد نعثر عليها بالزوايا بالمغرب أو في أوراش الدرازة. وهكذا أعلن الغرب عن احتضار المنهج الكمي… وعندما أفل نجمه هنالك تبنيناه عندنا وبشكل مبالغ فيه، دون أن نتساءل ولو مرة واحدة عن السياق العام.
فأوروبا الزمن الراهن اقتنعت بأن المنهج الكمي الذي صنعته الديكارتية والإيجابية، وكُرس باسم الموضوعية، وأريد له أن يتحكم في الطبيعة فهو ليس مفتاحها، بل هو جزء بسيط من آليات الفهم المعقدة والمتشعبة، لأن الإحساس المرهف المحرك لا يقاس بأرقام. ونحن هنا لا نعتبر المنهج الكمي متجاوزا بالمرة، فحسب طبيعة الظواهر المدروسة، يمكن الجمع بينه وبين المقابلات، مع أهمية الملاحظة الميدانية التي تتطلب إدراك ما يقع من داخل ميدان البحث وعلى أطول فترة ممكنة. وكما يقال فلغة واحدة لم تعد تكفي مما يستدعي الجمع بين بيان الجاحظ، وفصاحة موليير، وبلاغة شكسبير. مسألة المنهج في قضايا محلية دقيقة، تفرض على الباحث الانفتاح على الجامعات الأنغلوساكسونية، في الوقت الراهن، التي لا يمكن متابعة جديد بحوثها إلا بامتلاك لغة شكسبير. ولا يمكن الرهان على الترجمة بالفرنسية والعربية التي تصل إلينا بعد 30 سنة على الأقل من التداول فيها.
السؤال الجوهري وإشكالية البحث
في البحث نحاول أن نعثر على السؤال المركزي، ولا نجده بسهولة، مخفي، وعندما نقوم بصياغته يبدو بسيطا وعاديا للقارئ والمتتبع، لكنه ليس كذلك، ونمضي للإجابة عليه، إلا أن الأجوبة النهائية غير مضمونة، والكتابة عملية صعبة محفوفة بمخاطر كثيرة. الجواب يتطلب التمسك بالمنهج الملائم وبفرضيات؛ ومن دون فرضيات فالتفكير يتوقف…. لا بد من خريطة طريق في الاتجاه الأقرب للمنطق…، في حين الإقدام على وضع العناوين مسبقا يشكل تهديدا لمشروع البحث، وإصابته في المقتل وهو جنين مازالت بنيته لم تكتمل بعد! المطلوب إذن، التسلح بالمنهج، لكن عن أي منهج نتكلم وسط تشعبات المسالك؟ نعرف أن الطريق بها منعرجات متوالية، ضباب كثيف. نحن أمام متاهات ملتوية، ومسالك غير معبدة بالمرة، حفر كثيرة وخنادق، ومطبات. يتوقف الباحث فجأة عن السير، ولا يعرف السبب، الخوف من نشر المعلومة؟ من السقوط في الحفر؟ من مخلفات العياء؟ أم فقدان البوصلة؟ حتى الخرائط الموجهة عقاربها للشمال في بعض الأحيان لا تصلح لدراسة إشكاليات الجنوب؟ مع العلم أن الاعتماد على زمن الشريف الإدريسي لا يجدي الآن بفعل التجاوز! تهمنا خريطة الإدريسي “المقلوبة”، مع احترامنا الكبير للشريف الإدريسي، لابن رشد، لابن خلدون، لابن باجة، ابن حيان الوحيدي، ومن تبعهم من العلماء لأنهم ساهموا في تطور حقول المعرفة معرضين أنفسهم للمخاطر والهجرة، وتحمل أوجاع السؤال والبحث.
نقول وعقارب الخريطة موجهة للشمال بأن مساهماتهم موجودة في متون الفلسفة والفكر الغربي عند طوماس الإكويني، ديكارت، سبينوزا، وكانط، وفوكو…. وغيرهم… عندما نعتمد على الفكر الغربي فهذا لا يشكل تناقضا لأنه فكر بشري فقط…. حتى هم حوربوا تهمتهم أنهم بحثوا ويبحثون….. هنالك إذن من له مصلحة في إخفاء مكونات السؤال المركزي للأطروحة؟ فما بالك بالإجابة عليه؟ بعض الباحثين وأمام المنع يتحايلون للتخلص من السؤال المركزي بالانتقال بسرعة لوضع الفرضيات. لكن الأمور لا تستقيم بكتابة بضع فقرات منمقة وبدون أخطاء لغوية، فالهدف عند إعداد الرسالة الجامعية ليس هو عرض الحلول والتوصيات، بل يكمن في وضع السؤال المركزي والتأسيس الصحيح له من أجل الفهم… عملية شبيهة باختراق المتزلج للأمواج العاتية…..
فسؤال الأطروحة مختلف عن الأسئلة التي تواجه حتى الخبراء وهم بصدد معالجة قضايا مهنية بالمصنع. إذا كان الرفع من المداخيل وتخفيض التكاليف هو حجر الزاوية عند رب المعمل، فالعثور مثلا على عنق الزجاجة بسلسلة الإنتاج ليس واضحا لكل العمال ولكل مدراء الإنتاج، غالبا السبب يوجد عند حلقات إنتاجية يغفلها الجميع أو لا ترى بسهولة تتطلب ملاحظات مستمرة ومقابلات مع العمال ومع الزبناء أو الشركاء….
سؤال الأطروحة هو استشكال من نوع آخر مختلف عن إشكاليات المعمل لأن الغرض منه ليس هو تحسين الأداء، سؤال الأطروحة هو قبل كل شيء من أجل فهم الظاهرة المدروسة في كينونتها وتطورها دون مراعاة للرفع من الإنتاج بتحسين الذوق أو تلميع الشكل. الفعالية لا تجدي هي لغة موجهة من رب المعمل للعمال الكادحين بلسان الخبير والمخبر مقابل عمولات وأموال كثيرة….. البحث الجامعي هو وضع علامات الاستفهام الملائمة والسعي ميدانيا للإجابة عليها…. وليس البحث عن وسائل ناجعة لجلب السياح للمدينة!!!
لهذا فالمشرف على الأطروحة لا يهمه أن تأتي إليه مرتديا لباسا أنيقا بربطة عنق، فهو لا يعترف بجودة العطر المرشوش على ثيابك. بسهولة يتوصل لكل المناورات التي قد تقوم بها لاستقطابه ولنيل عطفه…. فهو متشبث بضرورة إنجاز بحث بمقاييس علمية مضبوطة ومستوفية لكل الشروط…. وحذاري ثم حذاري أن يعتقد الطالب الباحث بأن الدكتور المشرف سيكتب مكانه سؤال البحث أو تقديم الإجابة بالنيابة عنه…. هذا عذاب الطالب الباحث لوحده وضريبة لاختياراته وإقدامه على تمزيق الحجاب، فاختراق حجاب الجهل مغامرة مجهولة العواقب….
صرامة الإشراف
جل الطلبة المسجلين في سلك الدكتوراه (إناثا وذكورا) الذين تم اختيارهم فرحوا لكن فرحتهم لا تعني أي شيء، هي انطلاقة نحو ولوج عالم المعاناة… بداية، فلغة الإحصاء تقول بأن نسبة ٪40 هي التي تصل لمحطة المناقشة، نسبة تختلف بحسب الدول والتخصصات لظروف قد نعود للوقوف عليها بناء على بعض التجارب، إلا أن الحصول على الشهادة ليست إلا بداية لتجربة جديدة… وهي بعبارة أوضح الاعتراف بأن الباحث يعرف أنه لا يعرف شيئا…. فلا يتسرع ولا يصدر أحكاما قيمة ويعمم. قبل أن يحاصرك المشرف وفاء للصرامة والدقة العلمية، فالموضوع في حد ذاته قنبلة لا تنفجر إلا في يد حاملها. والأستاذ المشرف يوجه بمقدار تقدم الطالب الباحث بخطوات إلى الأمام…. ولا يمكن أن ينزل عند الطالب الباحث إلا بمقدار اجتهاده والجهد المبذول لتحقيق الصعود. فالأستاذ المشرف مطالب بالتأطير حقا لكن الإشراف لا يؤسس على فعل الخير بمقدار الجهد المبذول والخطوات المنجزة على الأرض. أنا هنا ليس بصدد الاختيار بين العدل والخير. إن الطالب (ة) الباحث (ة) في بداية الرحلة ينتظر أن يأتيه “الوحي” فجأة، لكن ذلك “الوحي” لن ينزل إلا بعد جهد جهيد وقراءات لساعات طويلة في مصادر متعددة ومراجع مختلفة، والقيام بإنجاز عمل ميداني؛ فحتى الحصول على عنوانين الكتب المنيرة هي من صميم البحث. كتب لا توضع على الرفوف بل للقراءة بسرعة وبتركيز عال.
ما أود قوله بأن الصعود من البئر لا يكون إلا على درجات التحصيل اليومي والدائم حتى تقترب يد الطالب الباحث من يد المشرف فينتشله قبل أن يضيع…. الصياح لا يجدي يمتص فقط الطاقة…. الشكوى هي الأخرى لا تفيد…. العمل المتواصل في صمت دون ضجيج….. كلما تداول الطالب الموضوع في محيطه حرم من تداوله في اليوم الموعود، وتضيع بالتالي المجهودات دون تحقيق أي تقدم…. مع العلم أن الطالب (ة) الباحث (ة) يواجه إكراهات كثيرة لأنه متقلب في محيط أكثر تقلبا وغموضا…. التوفيق بين العمل، والبيت والدراسة عملية تكاد تكون مستحيلة يعمقها المرض، وعدم تفهم بعض المقربين لملابسات مشروع الأطروحة.
قال الباحث في السوسيولوجيا مشيل برادلي يوما للطالبة وفاء بعدما سافرت لفرنسا للقائه باعتباره مشرفا ثانيا على أطروحتها: “… يمكنك اغتنام فرصة وجودك بفرنسا للقيام بالتبضع وزيارة المولات، فالحياة كما ترين حلوة وجميلة. يمكن لك أن تستمتعي بوقتك، أما إعداد الرسالة الجامعية فهو عمل جدي، رجاء لا تنتظري مني شفقة أو أن أقوم بالعمل مكانك”. خرجت من مكتبه بمدينة مرساي منكسرة الخاطر، متعثرة في ثيابها، وطالبها بلهجة صارمة بالعودة للميدان بالمغرب لتوسيع هامش البحث للإحاطة بأمور أخرى…. وما كان للسيدة وفاء إلا العودة والامتثال لتوجيه المشرف، في وقت كانت قد شرعت في تحرير الأطروحة معتقدة أن العمل الميداني خلصت منه. أما الكتابة فهي الأخرى عملية مستنزفة، وكما يقول أستاذي سي تميم بعد تشطيبه على فقرات من بعض الفصول: “… التصحيح الذي ترى هو موجه للنص وليس لصاحبه.” فتشتعل الحرب على الرداءة، على غموض المعنى، على الحشو، وعلى الإطناب، دون هوادة، وبقوة يضرب المشرفون على صفحات بأكملها فينبهون لواجب الإحالة على المصادر حتى تعود الحقوق لأصحابها….
إن المشرف هنا مطالب بالعدل…. وليس بفعل الخير، مطالب بأن يكون أكثر حرصا على مصداقية القول- شكلا ومضمونا- دون السماح للطالب الباحث بإصدار أحكام قيمة، والإقدام على القول دون الاستناد للمعطيات الميدانية المبنية على سلامة العينة المختارة وفق المنهج الصحيح الملائم لحقل التخصص.
خاتمة
إن تجارب إنجاز الأطروحات الجامعية مهما اختلفت فهي اختبارات واختيارات؛ أولا لقياس درجة التحمل وثانيا لتجاوز الصعوبات. حضور الألم والفرحة متلازمان… إحساس قوي ومتشابك، وجب في تقديري المتواضع العزف على إيقاعهما معا بمقدار التحمل وبدرجة تسمح بتحقيق النشوة والاستمتاع خلال القيام بالجهد وبعده…… الشهادة للصابرات والصابرين والمجتهدات والمجتهدين…. ولا يسعني في هذا الباب إلا أن أقدم دلائل لإبداعات عالمية بشرية كُتبت في الكهوف وفي الخلوات، وجاء الإبداع في زمن الأوبئة والمجاعات بعطاءات خارقة، مثل ما وقع مع شكسبير، أبي العلاء المعري، ابن خلدون…. واللائحة طويلة تشمل جل المبدعين وقياديي العالم صانعي التاريخ ورواد الأدب والعلم والسياسة…
لماذا هذه الشهادات؟ لأن الرسالة الجامعية على تواضع محتواها تفرض على الطالب الباحث السجن الاختياري، وتدخله في جدال مع الموضوع، بشخصياته، في عملية تشبه نوع من الهذيان أو الاضطراب…. وقد يخلف إعدادها آثارا جانبية مثل الطلاق، ومشاكل صحية، وضياع فرص للترقية الإدارية. وأدت الأطروحة بالبعض للاستقالة من العمل من أجل التفرغ التام…. وولدت الإحساس بالوحدة والفراغ عند الجميع….
الشرط الأساسي لخوض المغامرة كما يقول أستاذي سي عزيز عراقي هو أن يكون الطالبة (ة) مسكونا (ة) بموضوع البحث… يحمل الطالب الموضوع على الأكتاف وفي كيانه…. إلا أن الاهتمام وحده لا يكفي، تقتضي المغامرة الكفاءة والمعرفة بدرجة تسمح للطالب الباحث أن يكون على مشارف الدكتوراه طارقا أبوابها وحاملا زادها الفكري والمعنوي وعلى استعداد للذهاب لحرث الحقل المعرفي، وضبط حدوده، وتخصيص الآليات والأدوات المناسبة والملائمة المساعدة على الحفر والحرث…. والمتابعة قبل الحصاد. البحث عن المعلومة هي عملية أركيولوجية صرفة، تستوجب الاعتماد على أمهات الكتب والمراجع، والاستناد للأطاريح التي تناولت مواضيع مشابهة، ويتطلب الأمر النزول للميدان للإنصات لشهادات الممارسين والفاعلين…. كيف نعرفهم؟ وكيف نأتي إليهم؟ وعن ماذا نسألهم؟ وهل سيقبلون بسهولة؟ ومن نكون حتى نحرجهم؟ فالمساعدة قد تأتي في أي وقت لكن المعرفة والكفاءة شرط لا يعلى عليه…. وعلى هذا الأساس تتم الاختيارات….. فاللجنة المشرفة على اختيار طلبة الدكتوراه تستحضر هذه المعطيات وأخرى نجهلها وعلى رأسها تجاربهم الشخصية، ومصير الأفواج السابقة من المسجلين، وفي كل مرة يحاولون أن يعثروا على بروفايل من الطلبة القادرين على التحمل والتكيف مع كل الأطوار الغامضة لمشروع البحث…
فلجنة الانتقاء تعرف، بحكم التجربة وبناء على الإحصائيات، بأن العنصر النسوي يملك مقومات مساعدة تميزه وتجعله قادرا على القيام بالبحث والتنقيب وبالخصوص التحرير باللغتين العربية والفرنسية وحتى الإنجليزية، لأن المناقشة لا تصح إلا بإصدار مقالات في مجلات مغربية أو أجنبية محكمة… وقد تصبح الدكتوراه قنطرة عبور لولوج عالم التدريس الجامعي والبحث، وبالتالي تُخرج حاملها من الإدارة لعالم جديد…. يقول صديق مازحا: “…. وجب التخلص من ربطة العنق… لتحرير اشتغال العقل…”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.