توظيف الدين للنضال في المواطنين

توظيف الدين للنضال في المواطنين
الأربعاء 10 ماي 2017 - 18:03

ما أثار انتباهي عبر مسار طويل من نضال حزب العدالة والتنمية، سواء قبل تجربته الحكومية أو خلالها، كثرة الحديث عن الوطنية، ومحاربة الفساد، والتحكم، خاصة أثناء الحديث لوسائل الإعلام أو خلال التجمعات الحزبية، وكأن مفهوم الوطنية حكر على هذا الحزب دون غيره من الأحزاب المتبقية، ودون اعتبار لما يبذله باقي المواطنين الشرفاء في قطاعات عديدة؛ فالأستاذ والطبيب والفلاح والعامل… بإخلاصهم في عملهم، وتفانيهم في أداء واجبهم، يشكلون أساس ترسيخ المواطنة الحقة ونواتها في المجتمع، وليست حكرا على من سمح له موقعه بتوظيفها أمام أضواء الكاميرات. فالمسؤول السياسي من المفروض فيه أن يكون وطنيا؛ لأنه مؤتمن على مصالح المجتمع، لا يحتاج إلى أن يلوكها ويتبجح بها بغير مناسبة، وكأنها حكر عليه.

صحيح أن التاريخ يسجل كل الأحداث والوقائع التي تصدر هنا وهناك، فليس هذا هو المهم، بل الأهم أن نرجع إليه لاستقرائه، واستخلاص العبر والدروس منه، إنصافا لمن يهمه الإنصاف، وكشف من كان ضروريا كشفه، من قبيل توظيفه المشترك الديني بخطاب يدغدغ عواطف الناس، ويجيشهم لخدمة أغراض دنيوية مقيتة لا علاقة لها بالإصلاح المزعوم، ومشاكل المواطنين عموما.

وفي هذا السياق، يحق لنا أن نتساءل عن حصيلة حزب العدالة والتنمية، في شخص رئيس الحكومة المقال عبد الإله بنكيران، وهل سبق لهذا الحزب أن تقدم ولو مرة واحدة بمسودة تهم الإصلاحات الدستورية والسياسية لما تشكله هذه الإصلاحات من تقوية دور المؤسسات وتعزيز الإستقرار الذي تنعم به البلاد؟

لا يمكن لحزب خرج من رحم صناع القرار في مرحلة سالفة أن تكون له هذه الثقافة، التي ماهي إلا استمرار لظروف تأسيسه، وما نسمعه هنا وهناك عن التحكم لا يخرج عن فرضيتين اثنتين؛ إما إنه يحاول التخلص من القذارة التي ظلت تلازم مساره منذ التأسيس إلى اليوم، والتي كانت انتخابات 2002 أحد أبرز صورها عندما قبل التحكم بتغطيته 50% فقط من الدوائرالإنتخابية، وإما إنه كان يمارس التقية كعقيدة راسخة، وقناعة مذهبية، إلى أن سمحت الظروف في نظر رئيس الحكومة، السيد عبد الإله بنكيران، لإظهار الخلفية الحقيقية لهذا التوجه المرتبط بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وهذا أخطر وأصعب من الفرضية الأولى، وهو ما ينم عن النية المبيتة في تقويض أسس الإستقرار التي يظهر أنها عائق حقيقي أمام هذا التنظيم.

وفي كلتا الحاتين، هذا هو المسار النضالي لحزب العدالة والتنمية، الذي لم يقدم للبلاد خلال تجربته الحكومية أية قيمة مضافة، لغياب الإنسجام بين تصورين مختلفين؛ تصور يقوده عاهل البلاد في تعزيز موقع المغرب التفاوضي قاريا ودوليا، انسجاما مع التعاقب الثقافي والحضاري الذي طبع هويته بالإنفتاح والإعتدال على مر العصور، وتصور يسعى بنكيران إلى أن يجعل منه أداة التفاف حول ما يسميه “احترام الإرادة الشعبية” التي يعتبرها قاعدة خلفية لعرقلة الإنفتاح، والدفع بالوطن، على غرار جيراننا، نحو الإنكماش والعزلة، مما جعل منها حكومة ضيقة الأفق، تغلب المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية، عنوانها البارز: التراجع المسجل في معدل النمو، وتضخم مؤشرات المديونية، والإنصياع التام لتوجيهات صندوق النقد الدولي، مما كان له انعكاس واضح على المجالات الاجتماعية، كالتشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية، وما ينتج عن هذه السياسة من ظواهر مشينة تنضاف للإرث السابق، كلها شروط موضوعية تجعل بقاء هذا الحزب في الصدارة حتمية تاريخية لا بديل عنها.

ولذلك كان نضاله في المواطنين، من خلال استهداف جيوبهم، واستصدار القرارات الجائرة في حقهم، فكان لا بد، للتستر على هذا التراجع المهول والفشل الذريع، من استدعاء جهاز مفاهيمي مبهم يعكس عمقه الفكري والنفسي، عنوانه عدم الوضوح، مثل: التحكم، ومحاربة العفاريت والتماسيح، والظهور بخطاب المظلومية، وتوظيف الدين لأغراض خاصة. وهنا أستحضر مقولة الفيلسوف ابن رشد: “التجارة بالأديان هي التجارة الرابحة في المجتمعات التي ينتشر فيها الجهل… وإذا أردت أن تتحكم في جاهل، فعليك أن تغلف كل باطل بغلاف ديني”!!

لذلك من أولية الأولويات: ضرورة النضال لاسترجاع ديننا الذي سرق منا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • عبد الرحيم فتح الخير
    الأربعاء 10 ماي 2017 - 19:40

    اذا أردت أن تبيد معارضة سلمها زمام الأمور وسترى كبف تتهاوى من تلقاء نفسها وكيف سينقلب خطابها الثوري القوي الى سراب وكيف ستلوذ بكل أشكال الاكراهات الذاتية والمادية لتبرير الفشل نهاية الأمر سيصبح خطابها من خشب . وستضطر صاغرا أن تستمع للأكاذيب كسابق عهدك حتى ليخيل لك أن الحكومة تهذي وهي لا تهذي .
    مع أول انتقال حقيقي تعهد الاشتراكيون ببيضاء بلا صفيح في أفق 2010 الغريب أن اللوحات الاشهارية عمرت أكثر من كاتبيها .
    حزب العدالة توعد الكبار بالويل والثبور جاء بزعم محاربة الريع والعلاج للجميع فلا هو حارب ولا هو وفر الدواء .
    سئل السياسي المخضرم السيد أحرضان مرة بعد اعتزاله المجال ألا تفكر سيدي في العودة فأجاب بعفوية غير مسبوقة بعد خمسين سنة من الكذب آن أن أستريح كفاني كذبا .

  • med
    الأربعاء 10 ماي 2017 - 20:45

    سئل السياسي المخضرم السيد أحرضان مرة بعد اعتزاله المجال ألا تفكر سيدي في العودة فأجاب بعفوية غير مسبوقة بعد خمسين سنة من الكذب آن أن أستريح كفاني كذبا .

  • kader
    الجمعة 12 ماي 2017 - 09:29

    c vrai ce parti s'est servi de la religion et tt le monde sait qu'ils ne sont qu'une bande d'opportunistes et ils ont fait passer des décisions ,contre le peuple,que jamais un gouvernement n'a fait et pourtant bcp de naifs sont toujours en train de les soutenir et soutenir leur leader comme s'il est Chee Guivara. A vrai dire tt est pourri aucun parti n'a ces gens patriotes ,compétent ,charismatiques,probes ;des opprtunistes corrompusqui cherchent des intérêts immédiats ils ne sont jamais satisfaits ils cherchent à s'enrichir au détriment des pauvres qui les ont élus.c vraiment catastrophique quand notre pays n'a que cette élite et qu'il n'a pas de gens capables de le faire sortir de cette anarchie ;corruption manque d'institutions,pas de justice,pas d'établissement ;hôpitaux,écoles…AVEC une élite instruite courageuse compétente on peut être comme ts les pays européens ,on a les moyens de le devenir ,

  • Momo
    الجمعة 12 ماي 2017 - 10:44

    تجار الدين يعدون العامة بالاخرة لينسوهم انهم فقدوا الدنيا

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام