"تيويزي" .. تقليد تضامني عريق يعيد الحياة إلى القرى المعزولة في المغرب

"تيويزي" .. تقليد تضامني عريق يعيد الحياة إلى القرى المعزولة في المغرب
صور: هسبريس
السبت 9 غشت 2025 - 19:00

بالرغم من التحولات الاجتماعية العميقة التي مست البنية التقليدية للمجتمع المغربي، لا تزال ممارسات التضامن الجماعي، أو ما يعرف بـ”تيويزي”، محافظة على حضورها الرمزي والوظيفي داخل عدد من القرى والمناطق، خاصة في جنوب المغرب، على غرار المبادرة التي أطلقها مؤخرا سكان دوار “إيدودير” بمنطقة “آيت براييم” في إقليم تيزنيت لتعبيد الطريق المؤدية إلى الدوار بمجهودات ذاتية، ما يعكس قيم التعاون والعمل الجماعي والتآزر التي ما زالت تميز هذه المجتمعات.

وتعرف عدد من قرى ودواوير الجنوب المغربي دينامية اجتماعية ملحوظة خلال فصل الصيف الذي يتزامن مع عودة المهاجرين القرويين وأبناء الجالية المغربية المقيمين بالخارج إلى مواطنهم الأصلية لقضاء العطلة بين ذويهم، وهو ما يساهم في إحياء هذه الممارسة الجماعية الراسخة في الثقافة المحلية، من خلال عدد من المبادرات التي تعزز البنية التحتية القروية وتكسر عزلة عدد من المناطق التي تعاني من التهميش، على غرار تشييد المسالك وإصلاح الطرقات والسواقي.

تقاليد واستثمار

خالد التوزاني، أستاذ جامعي رئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، قال إن “عودة أنماط التضامن التقليدي مثل تيويزي في القرى المغربية، رغم تفكك شبكات التضامن المجتمعي عالميا، تعكس تشبث المغاربة بأصالة تقاليدهم العريقة، وقدرتهم على حماية ثقافتهم الوطنية المرتبطة بالهوية، ومنها هذه العادة التي تنتشر في القرى المغربية على امتداد ربوع المملكة”.

وأضاف التوزاني أن “هذه العودة تعكس رغبة في تعويض بعض الاستلاب الذي يعيشه المغاربة في المدن الكبرى، حيث يصبح الصيف فرصة لاستعادة الهوية والجذور من خلال زيارة العائلة والمشاركة في إحياء تقاليد عريقة تمنح المغاربة فرصة التعاون والتضامن والتعبير عن قيم الوحدة، وحسن الجوار، والتآخي بين أهل القرية. وهذا يعني أن التضامن أو تيويزي يُوظَّف كأداة للحفاظ على الهوية، وخاصة مع تهديد العولمة للثقافات المحلية، ووسيلة لترسيخ التماسك المجتمعي ونقل القيم إلى الأجيال الجديدة”.

وتابع المتحدث لهسبريس بأن “التقاليد العريقة في المغرب لا تموت، والعادات الجماعية لا تنقرض، بل تتحول لتستمر بأشكال تناسب العصر. والتضامن التقليدي لم ينقطع تماما، بل تغير شكله.

حتى في المدن نرى أشكالا جديدة منه، مثل ما تقوم به بعض الجمعيات من أعمال البر والتعاون والتضامن، ومثل ما تقوم به العديد من الزوايا المغربية من أعمال إنسانية وتضامنية”.

وأكد أن “للرموز الثقافية والدينية دورا محوريا في تحفيز الانخراط في تيويزي، حيث تعمل هذه الرموز كأدوات تحفيز معنوي تضفي شرعية على الممارسة وتعزز التزام الأفراد بها. فعلى المستوى الديني، تُقدَّم تيويزي غالبا على أنها عمل خيري، مما يربطها بالصدقة الجارية وجلب البركة. أما على المستوى الاجتماعي، فتحاط تيويزي بطقوس مثل الذبيحة الجماعية واستخدام الأهازيج الأمازيغية أثناء العمل، مما يحوِّلها من عمل شاق إلى مناسبة فرح وطقس جماعي للعمل بمتعة وفائدة”.

وأوضح أن “ضمان استدامة ممارسات التضامن التقليدي مثل تيويزي، في ظل تحديات الهجرة الداخلية والعولمة الثقافية، يتطلب مقاربة تكاملية وتوفيقية تربط بين الأصالة والحداثة، وأيضا وعيا بالتحديات، من خلال توظيف تقنيات العصر، ومنها إنشاء منصات إلكترونية لتنسيق مبادرات تيويزي ودعمها ماليا أو لوجستيا في مشاريع تهم القرية أو المدينة، وإطلاق برامج حكومية موجهة من خلال تخصيص دعم مادي رمزي من الجماعات المحلية، مثل توفير آلات أو مواد بناء لهذه المبادرات”.

وشدّد الأستاذ الجامعي ذاته على “أهمية تحويل التضامن إلى استثمار مجتمعي يربط تيويزي بالبعد الاقتصادي المستدام، مثل الاقتصاد التضامني، من خلال مشاريع السياحة القروية التضامنية، وكذا العمل على إدخال ثقافة التويزي في المدرسة، والابتكار في أشكال التضامن، وجعله يشمل مجالات أخرى عبر مبادرات يقودها الشباب المغربي من القرى والمدن، لتتحول هذه العادة التضامنية إلى عامل من عوامل الوحدة والتواصل والإسهام في التنمية وحماية القيم”.

نموذج وتطورات

اعتبر الحسين العمري، باحث في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا، أن “التضامن الجماعي، أو ما يعرف بتيويزي في مجتمعات الجنوب المغربي، هو واحد من أرقى وأقدم النماذج التعاونية الجماعية التي تعكس روح التآزر والتكافل بين أفراد القبيلة أو القرية، وإن كانت قد تطورت وتهيكلت في شكل مبادرات لجمعيات المجتمع المدني”، مضيفا أن “هذا النمط من التعاون يقوم أساسا على قيم العطاء والعمل المشترك دون انتظار أي مقابل”.

وأضاف العمري، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أنه “رغم التحولات التي لحقت المجتمعات المحلية في جنوب المملكة، إلا أن التعاون بين أفراد المجتمع من أجل المصالح المشتركة ما زال قائما، وإن كان يتخذ طابعا موسميا، سواء خلال فترة الصيف أو العطل”، مبرزا أن “السكان المحليين في هذه المجتمعات دأبوا منذ القدم على اتخاذ مبادرات تضامنية، سواء من خلال التعاون لجني المحاصيل أو مساعدة المرضى أو المقبلين على الزواج أو بناء الطرق والمساجد وبعض المشاريع التي تحقق المنفعة المشتركة”.

وسجّل الباحث ذاته أن “استمرار هذه الممارسات الاجتماعية المتجذرة في ثقافة مجتمعات الجنوب المغربي يأتي إيمانا بعجز الفرد عن تحقيق حاجياته وكينونته بعيدا عن الجماعة، وضرورة الانتماء إليها، وهي ممارسات اجتماعية طوعية ساهمت في تبديد الفوارق الاجتماعية داخل المجتمعات؛ إذ تعرف تيويزي انخراط كل مكونات وطبقات المجتمع من الغني إلى الفقير، ما يعزز قيم التماسك والتلاحم الاجتماعيين”.

وتابع بأن “هذا النسق السلوكي المجتمعي حاضر وبقوة، خاصة في أوساط السكان المحليين في المناطق المعزولة أو النائية التي لم تَلقَ بعد نصيبها من التنمية الترابية وتعاني من التهميش في السياسات العمومية؛ إذ تلجأ الساكنة إلى بعضها البعض وتعتمد على مجهوداتها الذاتية من أجل القيام بأعمال معينة، كتعبيد المسالك، وإصلاح المقابر، أو إصلاح الأضرار الناجمة عن الكوارث الطبيعية، على غرار ما شاهدناه في زلزال الحوز الأخير”.

وخلص الباحث في الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا إلى أن “تراجع هذه الممارسات التكافلية والتضامنية يساهم في انتشار النزعة الفردانية وعدم الاكتراث لشؤون الجماعة، خاصة في ظل التطورات التي باتت تهدد هذا النمط التعاوني الفريد، على غرار الهجرة القروية التي تفقد قرى الجنوب شبابها الذين يُعدّون عماد هذه المبادرات، إلى جانب ضعف الاهتمام بتيويزي واعتبارها ممارسة متجاوزة أو مرتبطة بالفقر والهشاشة”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

16
  • امازيغي
    السبت 9 غشت 2025 - 19:08

    هذه عادة سيئة يقوم بها الامازيغ يقومون بإنشاء وإصلاح المنشآت والطرقات من مالهم الخاص ومن جهدهم. بينما في أماكن أخرى يقوم الناس بالضغط على الدولة لتنفيد هذه المشاريع من المال العام ومن ضرائبهم لان هذه البنيات هي من مسؤولية الدولة

  • اسير
    السبت 9 غشت 2025 - 19:14

    هذا راه سميتو سي اخنوش احتفظ بأموال الفقراء حتى يتلاقا معاهم امام الله تعالى

  • قارئ
    السبت 9 غشت 2025 - 19:16

    تصرف جد غبي حتى ما يقوم به المدعو فيسبوكي حر عمل جيد في ظاهره لكن باطنه استغلال وسينال جزاءه في الدنيا كما أراد.
    الدولة همشت الأمازيغ في كل مصاب تجد الأمازيغ في محنة دون تعليم ذي جودة ولا قطار تنموي يتحرك رغم ذلك لا ينادون بالانفصال ولا بالحكم الذاتي.

  • محمد الأمين
    السبت 9 غشت 2025 - 19:20

    أين الدولة ؟ مع الأسف مال دافع الضرائب ذهب للمهرجانات و ملاعب كرة القدم.

  • هي التويزة، وكفى..
    السبت 9 غشت 2025 - 19:24

    هي ليست تويزك ولا تويزي أنا، هي التويزة وكفى، وتتجلى في مشاركة الجيران تضامنا في عمل لفائدة شخص معين دون أجرة ، بل فقط مقابل الطعام في الوقت العادي، كما يمكن للشخص المستفيد مساعدة أي شخص في الجماعة عند الحاجة، وفي البوادي غالبا ما يكون ذلك في مسألة الحصاد عموما..

  • akhnouch
    السبت 9 غشت 2025 - 19:25

    Ce genre de travail devrait être pris en charge par le gouvernement, et non pas par le pauvre peuple qui se retrouve à devoir gérer des situations qui le dépassent. C’est inadmissible de faire peser ce fardeau sur ceux qui sont déjà au bout du rouleau. Au lieu de donner des solutions absurdes, il serait grand temps que ceux qui sont censés gérer ces problèmes assument leurs responsabilités ! Un peu de sérieux et de justice sociale ne ferait pas de mal.

  • عميق
    السبت 9 غشت 2025 - 19:29

    وماذا يفعل المنتخبين ان لم يعبدوا الطريق لهاته الدواوير المنعزلة ثم لماذا لا تتوفر هاته الدواوير على طريق معبدة تخرجهم من العزلة وتربطهم بالمرافيق العمومية اي تقليد هذا يزيد على كاهل المواطن المثقل بغلاء الاسعار وانعدام العمل بهاته المناطق ان التضامن لا يتجلى في تعبيد طريق من مال الفقراء بل التضامن الذي عرفناه لا يتعدى جمع مبلغ من المال لعلاج محتاج لبناء منزل منهدم التضامن يكون من المواطن والى المواطن لا من المواطن الى تخصص الجماعات المحلية

  • abdou
    السبت 9 غشت 2025 - 19:30

    المغرب بسرعتين ، مغرب يمشي بالمال العام و المشاريع الكبرى ، و المغرب يمشي بتويزي. بغض النظر عن ٱستحسان البعد المجتمعي الراسخ في هذه الجهات التي لا بديل لها غير هذا عن التهميش من المركز . و يستحسن تنميتها و تشجيعها أكثر لإخراج تلك المناطق من العزلة و خاصة الطرق مادام الوزارة مع الجهات تتقادف المسؤولية.

  • امازيغي
    السبت 9 غشت 2025 - 19:36

    بعض الواقفين على مثل هذه المشاريع يقومون بإرغام الناس الفقراء من الدوار على دفع جزء من المال لتمويل هذه المشاريع التي هي أصلا من مسؤولية الدولة. هناك من يدفع وهناك من لم يقدر وهؤلاء المساكين يحسون بالاحراج لعدم قدرتهم على دفع المال. والاموال التي يجب ان تخصص لمثل هذه المشاريع تستفيد منها مناطق أخرى او تهرب الى الخارج

  • الا من رحم ربك .
    السبت 9 غشت 2025 - 19:45

    مرحئ لمن من الله عليه بفعل الخيرات في حياته قبل الممات فليس من السهل وفي ظل المشاكل اليومية والصخب والدرج وكثير من القلاقل مما يجعل من المستحيل ان يهدي الله عبده حتئ في التفكير الئ فعل او عمل او التضحية بوقته من اجل االقيام بعمل جليل ذون التفكير في مصلحته اولا ومن اجل الاخرين الا من رحم ربك رغم ان الخالق سبحانه وحده من يجيرنا فان لم يكن في الاولئ فحتما سيكون في الاخرة ونعمة الاجر والتواب اللدي لايساوي الا الجنان من رب العز والملك والملكوت فسبحانه لا الاه الا الله سبحانه .

  • samy
    السبت 9 غشت 2025 - 19:47

    هذا يذكرني بطريق جهوية في احد الجماعات القروية التي لا اريد ذكر اسمها، و كان في هذه التريق مكان في حالة يرثى لها لدرجة ان السيارات كان يصعب عليها المرور من هذا المكان. و رغم شكايات المواطنين إلا ان الجماعه لم تبالي حتى قام احد المحسنين بإصلاح ذلك المكان بالرمل و الإسمنت. وهناك استفات الجماعة و السلطة و تم استدعاؤه من طرف القايد على اساس انه تدخل فيما لا يعنيه..!

  • اتريخت رشيد
    السبت 9 غشت 2025 - 19:47

    الاسف تويزة كانت بزاف في البوادي المغرب ولكن شفت بعيني رجعت الاوربا خاصتا هولندا جمعية فيها اساتدة دكاترة طلبة كيعمل تويزة غالبا في السبت كينقوا الحديقة شي عاجوز او عاجوزة اومريض

  • من الساكنة
    السبت 9 غشت 2025 - 19:48

    يبدو ان تويوزي في صالح الدولة و الحكومة و المنتخبين المحليين الذين لا تهمهم الفضيحة الاعلامية. في الوقت الذي تعاني فيه الكثير من الدواوير من العطش و الطرق المهترئة و ضعف التغطية الاسلكية فإن الدولة تخصص تخصص ميزانيات ضخمة للمهرجانات الصيفية. المهم الشعب انشط هانيا العام زين.

  • مغربي
    السبت 9 غشت 2025 - 20:26

    طريقة قديمة و لكن لسان حالها يقول : عندما تعجز الحكومات في فك العزلة عن العالم القروي ….

  • متساءل
    السبت 9 غشت 2025 - 20:45

    لقد سمعنا جميعا بالتجنيد الإجباري.
    واظن انه فكرة مهمة لتحسيس الشباب بمعنى المواطنة والمشاركة (و الافضل لو كان هنالك أيضا واجب وطني تطوعي مفتوح للجميع بالموازات)، واظن ان أبرز تجليات هذا الامر لو راينا مبادرات مبنية بسواعد المجندين كمثال شق طرق يترك فيها اسم اللواء الذي ساهم في هذا الامر و اسماء الجنود، كذلك اقامة حواجز و اصلاح مداخل بحار عديدة صعبة الولوج وكذلك محميات… وهنا عدة أرباح بحجر واحد، تنمية اقتصادية للمناطق المختلفة، التربية على العطاء وتخطي الصعوبات، ودرس في اللوجيستك الشديد الأهمية ايام الحرب وعند نقل العتاد ولما لا تعدي هذا الامر إلى حفر خنادق ومخازن…
    ومن ناحية الواجب الوطني التطوعي تخيلوا معي فقط كل الشباب في مدينة ما من الساعة الثامنة صباحا إلى 12 كمثال فقط بمكنسة و بلاستيك قمامة، تنظيف الشوارع حول السكن كل اول يوم احد في الشهر… لنظف اليه الشواطء المختلفة للغيورين على مدنهم…
    اكيد ان المغرب الانظف سيعجبنا جميعا بدل سرد السلبيات والاستلام للواقع…ولقد نجح هذا الامر في عدة أحياء شعبية وجعلها جميلة للجميع

  • مواطن غيور
    السبت 9 غشت 2025 - 21:39

    حدث يجب على المنتخب والمسؤول أن يعلق عليه
    في تقديري ما أنجز بهذا (الدوار) لو أنجز من طرف جهة أخرى لكانت الفاتورة مضروبة في 100

صوت وصورة
بوتين يستقبل المنصوري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:36 4

بوتين يستقبل المنصوري

صوت وصورة
مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 20:00

مستحضرات التجميل الطبيعية كيف تُصنع؟

صوت وصورة
الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 18:01 4

الأمازيغية ورهان الاستمرارية الثقافية

صوت وصورة
متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:51 1

متقاعدو "ليديك" ينتظرون الإنصاف

صوت وصورة
افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 17:30 1

افتتاح السنة الدراسية بالمعهد البحري

صوت وصورة
المنصوري تصل إلى موسكو
الأربعاء 28 أكتوبر 2026 - 15:21 16

المنصوري تصل إلى موسكو