تذكرة عودة
قصدتها اليوم وفي نيتي أن أقتني بعضا من فحمها، الذي شرعت فرنسا الاستعمارية في نهبه بدءا من سنة 1928؛ لتصنع به مجدها الصناعي، وتحرك آلتها العسكرية الضاربة للضعفاء فقط وخصوصا الأفارقة.
بدل البحث لدى تجار التقسيط على هامش القانون، وللضرورة أحكام، في منطقة لا أبرد منها سوى قلوب شباب بدون أمل في البديل الاقتصادي الحقيقي، اخترت ملاحقة “ساندريات” هاربة في الغابة وتحت الأرض.
حينما لاحت لي إحداها، وحولها شباب سود وإن كانوا بيضا، وهم في هذا أبناء محيطهم على كل حال، نسيت قصدي من هول المأساة.
سألت عن العمق الذي تكابده عضلات شباب الباطن، فقيل لي: أزيد من عشرين مترا.
يا ويلتَى كيف أتى الزمن على “مفاحم الشمال الإفريقي”، التي كانت مناجمها تتشعب عبر عشرات الكيلومترات تحت الأرض؛ لتصبح اليوم مجرد سراديب يُهرِّب إليها الشباب يأسَهم؟
هكذا أنساني استغوارُ التاريخ الأسود لجرادة في ما جئت من أجله.
هنا جرادة، قدم فرنسا السوداء، فرنسا الاستعمارية التي عاودتها أحلامها الكولونيالية وعاودها بالخصوص حنينها إلى LE PETIT MAROCAIN.
من “فدان الجمل” إلى غول فولاذي أسود
جرادة مدينة مستحيلة، إذ لم يكن متوقعا أبدا أن تتمرد جغرافيتها عما كانت منذورة له؛ منذ الأزمنة الغابرة: مراع شاسعة، تحرسها الجبال الغابوية، ويتواصل امتدادها جنوبا مشكلة مدخل الظهراء الكبرى التي لا تزال الدولة لم تعرف ماذا تفعل بها.
لعل محطة الطاقة الشمسية بعين بني مطهر تشكل مدخلا لعصر جديد بالمنطقة.
مجال واسع من الظهراء، اليوم، مجرد محمية قنص، تخترق سماءها أسراب القطا هاربة من مخالب نسور الخليج العربي. إنها بحاجة إلى استثمارات ضخمة؛ وحبذا لو كانت عربية، منتجة للغذاء.
لقد لهوتم ما فيه الكفاية فساعدونا على التنمية.
من هنا تسمية “فدان الجمل” القديمة التي حملتها جرادة؛ باعتبار قطعان الجمال التي كانت تسرح بها أو تعبرها، ضمن قوافل تتجه جنوبا صوب فج الصحراء-فجيج- وبشار وسائر الأصقاع النائية التي تتوزعها الخريطتان المغربية والجزائرية.
وقتها لم يكن أحد يدري أن الفاتنة السوداء متوارية في أغوار الأرض السحيقة، تنتظر فارس الأحلام القادم من بلاد الضباب، لتنهض، الهوينى، ناثرة الفتنة بين الناس.
في سنة 1908 يصل إلى فدان الجمل وجبال بني يعلا الجيولوجي الفرنسي “لويس جونتيل’ LOUIS GENTIL فتقرر السوداء أن تعلن عن وجودها، وتكشف بعض أسرارها التي أخفتها عن شباب المحيط القبلي.
تذكر الرواية أن الجيولوجي لم يبذل جهدا بحثيا، إذ اكتفى باقتفاء أرنب أسود صادفه؛ لأن سواده غير الطبيعي يشي بأن وراء العتبة السفلى ما وراءها.
وما أن حلت سنة 1927 حتى تعرت الفاتنة تماما أمام مهندسين بلجيكيين، مبرزة كل مفاتنها .
فَتنت غَجريةُ الزنج هذه كلَّ الناس: سرَّح الرعاة كل قطعانهم، وتاهت الجمال إذ أضحت بدون فدان.
أقبل المزارعون من كل المحيط القبلي، منبهرين بميلاد مدينة جديدة؛ حياة جديدة تطعم خبزا أسود.
تنادى الناس، وصولا إلى أقاصي سوس والأطلس، أن أقبِلوا، فرنسا تبني للفاتنة السوداء مدينة جديدة، وتبحث لها عن ساكنة.
مع توالي الفتنة نسوا كل أهازيجهم، وهاموا بعروس الزنج التي فتحت ذراعيها لكل المهندسين والتقنيين الشقر القادمين من بلجيكا وفرنسا؛ في ما يشبه تهريب ”جيرمنال” إلى سهوب الحلفاء بعد أن فضحهم إميل زولا.
وحينما تأكد الشباب – إذ هزلت أجسادهم، واكتحلت عيونهم وأعوزهم الهواء- بأنهم تسرعوا إذ فرطوا في خضرة البراري، خبز الشعير، وديان العسل، وحليب الشاء والماعز كان كل شيء قد ضاع ولم يعد ممكنا الرجوع إلى الوراء.
ابْكِ أيتها الجبال والسهول خيرة شبابك؛ فهم الآن مرغمون على مواصلة الإنتاج، وتعويض الأموات من العمال، ليستمر تدفق “الأنتراسيت” (من أجود أنواع الفحم) إلى مصانع فرنسا؛ لتبني عظمتها على أكتاف مغاربة سود وما هم بسود.
نعم فرنسا الاستعمارية، التي يعاودها الحنين، اليوم، إلى ماضيها؛ هنا في المغرب، حيث لم يكن المغربي سوى:LE PETIT MAROCAIN.
مواكب يسوقها أعوان السلطة الاستعمارية ويلقون بها في غيابات الجب الأسود لتموت ببطء، إن لم تمت مهشمة الرأس تحت أنقاض جرف أسود هار.
كم يذكر كل هذا بمزارع القطن الأمريكية، وهي تلتهم العضلات الزنجية الإفريقية، في ملحمة سوداء لن تنساها الإنسانية أبدا.
الاستعمار ملة واحدة
خيول إميل زولا كانت – وهي تتدلى صوب العمق السحيق- تصهل صهيلا حادا ومروعا، وكأنها تودع الشمس، وإلى الأبد. هكذا يوثق هذا الروائي الفذ جرائم الوحش الأوروبي الصناعي. لا يخرج الحصان حيا أبدا.
هكذا تحولت الفاتنة إلى وحش يقضم، بانتشاء، أرواح شباب لم يدر بخلدهم أبدا أنهم سيدفنون أحياء في عز شبابهم.
مات المنجم ولم تمت ثقافته
هنا مربط الفرس، لأن الذين قرروا، في فبراير1998، إغلاق المنجم –مهما تكن الأسباب- لم ينتبهوا إلى أن جرادة أكثر من آبار تغلق، ومعمار حديدي وسكك تترك لصروف الصدأ.
ثقافة كاملة تشكلت، على مدى عشرات السنين؛ وهي ثقافة نموذجية متميزة لم تقاربها، بعد، الدراسات المتخصصة.
متميزة اعتبارا لجمعها بين متناقضات عديدة، لا يتصور معها إنتاج مدينة/مدنية، ومن هنا اعتبارها مدينة مستحيلة: التقاء الغرب الاستعماري الصناعي مع الشرق المتخلف/تصادم العمل ألفلاحي الرعوي مع العمل الصناعي المعدني/تمازج بين تقاليد العيش البدوي ونموذج الحياة الأوروبية.
وعلى المستوى الوطني، حدوث انصهار بين المكونات الغالبة: السوسية، التازية والأطلسية، الوافدة، والمكونات القبلية المحلية؛ العربية والأمازيغية.
أنا متيقن أن دواعي قتل المنجم – وليس منها نفاد الفحم، لأنه لا يزال موجودا ولا يزال يقتل- لم تقارب مناجم الثقافة الجرادية؛ ولو فعلت لاقتنعت بضرورة المحافظة عليها، وعدم اجتثاث العروق التي تتغذى منها.
عقب إغلاق المنجم اهتز الوجدان الجرادي اهتزازا عميقا، أخطر مما حصل حينما اكتسحت آلات الحفر الأولى فدان الجمل، لتتفرق الجمال والقطعان شذر مذر، ويموت -تدريجيا- المورد الاقتصادي الفلاحي الرعوي للساكنة.
غادر أغلب الوافدين، متخلين عن تراث ثقافي كامل، أنتجه التشارك والانصهار. بقيت في عين المكان ساكنة عرجاء وجدانيا، مهيضة الجناح؛ تنتظر التنمية الموعودة، وظهور حسناء أخرى، لكنها خضراء، قيل إنها ستخرج من سهوب الحلفاء وستفيض جناتها ذات اليمين وذات الشمال.
.. واستعاد الوحش المرعب الحياة
لما أعيى الشباب الانتظار، ولم يفكر أحد في “فورمتاج” إيجابي، ينقلهم من ثقافة الفحم إلى ثقافة أنظف تعطي لوجودهم معنى، وإن كانوا يعيشون في أطلال الماضي، رغما عنهم.
ولما مل المللُ في نفوسهم، حملوا عتاد آبائهم وأجدادهم، وانخرطوا في البرهنة للدولة على أن الفحم لا يزال موجودا.
هكذا تولد جرادة أخرى فوق ما تبقى من فدان الجمل؛ جرادة شمطاء مرعبة وقاتلة.
تعاود جرادة سيرتها الأولى، لكن بوسائل بدائية جدا؛ لأن الذي لا يتقدم يتقهقر حتما.
لعلها، وبدون مبالغة، الحالة الوحيدة في العالم، حيث تتخلى الدولة عن مسار إنتاج معدني عصري لتفسح المجال لفوضى إنتاجية بدائية تشتغل كيفما اتفق.
“ساندريات” الموت، والوجوه الكالحة السوداء- شيبا وشبابا- وحالات الوفاة المتكررة، لانعدام السلامة كلية؛ تجعل من المستعجل البحث عن حل لمعضلة جرادة التي أخطأ في حقها كل من ساهم، بكيفية مباشرة وغير مباشرة، في شل الحياة فيها؛ بما فيها الحياة الثقافية التي لا تقدر بثمن.
حينما تتوفر الإرادة التي تجعل ثقافة المنجم تنزاح أمام ثقافة تنموية أخرى ستنحل تلقائيا معضلة جرادة الاقتصادية والاجتماعية.
هي قابلة إلى أن تعود فدانا للجمل، كما كانت، أو للطاقة النظيفة، أو حتى قاطرة لتنمية فلاحية عملاقة بمنطقة الظهراء الشاسعة.
في كل خير إلا العودة بشبابها إلى أغوار الموت.
بهذه النظرة التراجيدية إلى مدينة جرادة ، استطاع الكاتب أن يميط اللثام عن صفحة “سوداء سواد معدن جرادة” من الصفحات الكوليولانية التي يزخر بها ماضي فرنسا في المغرب وفي كل مستعمراتها الإفريقية ، والحال أن إفريقيا الآن بدأت تتحسس ماضيها المأساوي ، وبدأ الشعور يدب إلى قصر الإليزي بضرورة تلوين وجوده في إفريقيا باللجوء إلى حيلة الحرباء في تعاملها مع البيئة فتأخذ لونا تبعا لنجاتها أو تمكنها من فريستها ، وهكذا فرنسا اليوم تريد أن تحول قواتها العسكرية في البلدان الإفريقية إلى مؤسسات أكاديمية عسكرية بإدارة أو بالأحرى بمشاركة جيوش محلية ، وباختصار شديد فرنسا لا شيء بدون إفريقيا وهي المعضلة الكبرى التي تقف حاجزا لنهوض إفريقيا من كبوتها ،سلمات
كنت أعتقد أن الفحم الحجري بجرادة كان يُستعمل بعين المكان لإنتاج الكهرباء بالمغرب وكذلك لتزويد القاطرات القديمة بالطاقة. أتمنى لو تخبروني الخبر اليقين في أي استعمالات كان هذا الفحم المغربي مُستَغَلا وهل شاركت جرادة في كهربة ونقل المغرب ؟
والآن وقد انقضى على التحرر أكثر من مدة الحماية وتحول المغرب إلى فدان الشمس وطاقتها، فبالله عليكم أخبروني هل ننتج صفيح هاته الطاقة بالمغرب أم نتوجه بطلباتنا نحو الصين مثلما هو حال إفريقيا : 30 في المائة من وارداتها حاليا من الصين و 7 في المائة من فرنسا ؟
استغلاله في انتاج الكهرباء محليا يمتد من مستهل السبعينيات من القرن الماضي الى اواخر التسعينيات، حيث حكم على مناجم جرادة بالموت ،لصالح الاستيراد من كندا، والذريعة كانت :فحمها ارخص كلفة. لم تحتسب الكلفة الاجتماعية طبعا.
مشكل المغرب الشرقي لايرجع أساسه إلى إغلاق منجم جرادة، مناجم كثيرة أُغْلِقَت في مختلف دول العالم وتم التخلص من أضرارها، مشكل المغرب الشرقي أن الدولة المغربية لازالت لم تفهم أن هناك جدار بين المغرب الشرقي والجزائر كالجدار الأمني المقام في الصحراء المغربية، وهذا الجدار لايُفرق مساحات خالية بل هو جدار فاصل بين الأقارب، جدار عنصري… الدولة المغربية عليها ومن واجبها التكفل بتدبير إقتصاد “المغرب الشرقي” ليكون موجها للتبادل مع باقي المدن المغربية أو مع الدول الأجنبية،الدولة المغربية عليها إعلان “المغرب الشرقي” منطقة مُتضررة بسبب تداعيات حرب لانهاية لها، وإستعمال كل الوسائل لإنعاش إقتصاد المنطقة بدل تركه ينتظر فتح حدود لن يتم .
جرادة اسمها من الجرد اي جرد الاشجار.فقد كان اول عمل قام به المستعمر لتسهيل عملية استخراج الفحم وتسريع الانتاج بعد الاكتشاف هو تمهيد الارض وازالة الاشجار .لقد كانت جرادة كما يحكي سكانها الاوائل عبارة عن غابة .واسم جرادة قديما بالفرنسية djerrada اي الجرادة الذين كانوا يقطعون الغابة كما اخبرني بذلك احد السكان القدامى .وجرادة خبزها صعب لانه يختلط بسواد الفحم ودم الرئة.قلما خرج من عمل في جوفها او خارجه سليما من مرض السيليكوز.وفصل الشتاء عند العمال القدامى خصوصا هو فصل فحم الصدور المختلط بالدماء.ولا احد من سكانها من لايشهد على هذه الفواجع التي عادة ماتنتخي بموت مسبوق بعذاب والم شديد .رحم الله مجاهدي جرادة والشفاء لمن لا يزال يعاني من أكله لحمه ودمه من أجل ام يحيا…
أعلم جيدا أني سأجدك هنا ،لأن وجدة قريبة من الجزاءر.وأعلم كدالك أنك ستكون آخر من يعلق،لأنك تخشى المواجهة.ولكني سأكون لك بالمرصاد لوجه الوطن الحبيب.أنا كدالك أبحث فقط عن كلمة الجزاءر لأجدك هناك . إعلم أن كل الدين يعلقون هنا لا يأخذون المقابل،إنما لحبهم لوطنهم ،وأنهم كدالك مستعدون أن يموتوا لأجله .إعلم أنك وحدك من ياخد أجره على كل مايكتب.إعلم كدالك أن لا أحد ينتظر فتح حدود من يدفعون لك.وأطلب من الله العلي القدير أن تغلق إلى يوم يبعثون.الى اللقاء في موضوع آخر،ولو أني على علم أنك لن تقرأ ردي هدا،لأن مهمتك هي أن تقدم السم في العسل فقط.