بفعل عمليات التأثير للإعلام الحديث – البديل للإعلام التقليدي – فملامح الخريطة الإعلامية تبدلت؛ ومست التطورات التي شهدها الإعلام الجديد جوانب تتعلق بوسائل تستند إلى الحاسب الآلي، وكل ما له صلة بالإنتاج والتخزين وتوزيع المعلومات، وتقدم ذلك بأسلوب ميسر وبسعر منخفض. وعن طريق الاتصالين الشخصي والجماهيري، يتم التفاعل المباشر، وإدماج وسائط الإعلام التقليدية؛ حيث حضور التقنية التقليدية، مثل برامج الحوار الحية، والفقرات الصباحية على القنوات التلفزيونية، والتأثير الإعلامي الجديد بتقنية جديدة مثل الصحف الإلكترونية، والخدمات الإعلامية على الهاتف النقال. والإعلام الجديد يقوم على تطبيق تقنية مختلطة بما يذيب الفارق المفترض بين الإعلام الجديد والتقليدي، مثل النسخ الإلكتروني للصحف الورقية. وفي جوهره فالإعلام الجديد يشير إلى مجموعة تكنولوجيات الاتصال، التي تولدت من التزاوج بين الكومبيوتر والشبكات والوسائل المتعددة.
في ظل هذا التزاوج الفريد، نشأت الوظيفة الإخبارية لوسائل التواصل الاجتماعي، سيما في ما يخص نقل الأخبار عبرها إلى درجة أن المؤسسات الإعلامية الكبرى في العالم، دخلت في صراع مع منصات اجتماعية، مثل “فيسبوك” و “تويتر”، ومحركات كبرى مثل “جوجل” مُتهمة تلك المنصات بأنها تتطفل على المحتوى الإخباري الذي تنتجه تلك المؤسسات الإعلامية وتعرضه لمستخدميها، وتحصد عائدات إعلانية كبيرة من دون أن تنفق أي موارد لتطوير هذا المحتوى، وقد تمكنت وسائل التواصل الاجتماعي أن تأخذ 10إلى 15 في المائة من الميزانيات الإعلانية للصحافة التقليدية، وكانت السبب في حصول أزمات مالية خطيرة لبعض هذه الصحف.
في عالم التسويق الذي مر من مراحل عدة، استطاعت مواقع التواصل الاجتماعى – أو السوشيال ميديا – أن تفرض وجودها؛ وبعد توسع الإنتاج وبروز العلامة التجارية، بزغت وظائف أخرى للتسويق كالترويج والدعاية والإعلان وفن البيع. فالتسويق إذن يروم توفير المنافع والإشباعات للمستهلك، مع مراعاة المسؤولية نحو المستهلك والبيئة، والموازنة بين مصلحة المنظمة والمستهلك؛ وبفعل تزايد الإنتاج ظهرت هذه الأهمية، كنتيجة حتمية للطفرة العلمية والتكنولوجية، والتي تمكنت من تغيير أنماط حياة أفراد المجتمع، وعلاقاتهم الاجتماعية وطرق تفاعلاتهم.
يمكن للدعاية أن تؤثر في عقيدة الجمهور سواء لجعله يؤمن بفكرة أو مبدأ، أو من أجل صرفه عن فكرة أو مبدأ أو عقيدة يؤمن بها. وعن طريق ترويج المبيعات، يتم تنشيط مشتريات الأفراد والمشترين الصناعيين بإقامة المعارض والعينات المجانية، وترتيب نوافذ العرض، وتقديم الجوائز في المسابقات. وقد استرعت مواقع التواصل الاجتماعي انتباه المسوقين؛ ولترويج منتجاتهم ومؤسساتهم فضلوا الاعتماد عليها وفقا لمساعي إستراتيجياتهم. وبطبيعة الحال، يستحيل الحديث عن مواقع التواصل الاجتماعي بعيدا عن شبكات الأنترنت التي تعد سر وجودها؛ وكلما كانت هذه الأخيرة متوفرة كلما ازداد عدد المشتركين، وارتفعت نسبة معدل تصفح مواقع التواصل الاجتماعي، وقد أسهم في تنشيط هذه العملية بزوغ الهاتف المحمول، كما هو واضح للعيان، وهو من الوسائل التي وجدت قبولا واسعا بين سكان العالم، وانتشرت بصورة مذهلة، ربما لسهولة حمله، وتوفره على تطبيقات تشبع رغبة المستهلك، الشيء الذي جعله يتفوق على بقية الأجهزة في الاستخدام.
وبحكم أن معظم رواد التسويق يختار مواقع التواصل الاجتماعي لتحقيق غاياته؛ فمن الأمور التي يستلزم الوقوف عندها معرفة درجة الوصول لجمهور المستهلكين (المستهدف) دون إغفال التغطية الشاملة لهم، مع مراعاة درجة تكرار المشاهدة للإعلان ودرجة الأثر. وهذه العناصر في الغالب الأعم، جعلت مواقع التواصل الاجتماعي أكثر كفاءة في نشر الإعلان التجاري؛ حيث نجدها تغلغل وسط الناس بنسبة كبيرة، متفوقة على وسائل الإعلام التقليدية. وعن طريق التجارة الإلكترونية، بإمكان الجمهور التوصل إلى المعلومات المطلوبة، وهم جالسون في بيوتهم، وما عليهم سوى استخدام الخطوات المناسبة للبحث عن الإعلانات التي تلبي اهتمامهم على مواقع الأنترنت والشبكات الاجتماعية؛ وقد تحول الإعلان إلى سلاح إعلامي اجتماعي فعال، عبر شبكات التواصل الاجتماعي التي تتحرك لإحداث تأثيرات، يصعب تحديد درجاتها في بعض الحالات على المستهلكين والعملاء.
وبخصوص تكرار المشاهدة، نجد أن من سمات المتصفحين لمواقع التواصل الاجتماعي، بلوغ نسبة عالية من التكرار، وهي ترتفع يوما بعد يوم؛ وهذا يعود بداية إلى ازدياد المنخرطين في هذا العالم الافتراضي من جهة. ومن جهة أخرى، ارتفاع نسبة المدمنين على تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. أما من حيث الأثر، فإن مواقع التواصل الاجتماعي تتسم بالتفاعلية بين الأطراف المشاركة في الحوار، ومن خلال هذا الأخير – أي الحوار- يستطيع المعلن أن يقيم رأي المستهلك فوريا، وإحصاء الذين تفاعلوا مع الإعلان، بصورة سهلة وسريعة، عكس الوسائل التقليدية.
وعندما يبدي المتلقي إعجابه بسلعة أو خدمة معينة، فإنه يمكن أن ينقل إعجابه إلى بقية الأصدقاء المشتركين معه على اختلاف أذواقهم وميولاتهم، ولذا نجد أن الفيسبوك من أهم مواقع التواصل الاجتماعي من ناحية سرعة الانتشار والتوسع، وقيمته السوقية عالية؛ حيث تتنافس على ضمه الشركات، مادام يساعد على تقديم الخدمات الإعلانية بشكل فعال وإيجابي، وهو الأكثر شهرة في مجال جذب الزبائن والشركات والمنظمات؛ للاستفادة من التقنيات التي وفرها الموقع في تصميم الإعلان.
الأمر الذي جعل الفيسبوك واقعيا، يحقق نسبا عالية، في مجال اعتماد الشركات في تسويق منتجاتها وخدماتها إلى جمهور مستخدميه، مستفيدة من استطلاعات الرأي العام التي أكدت أن المستقبل القادم في المجال الإعلاني سيكون لمواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أطلق الفيسبوك برنامجه الخاص بالإعلانات الرقمية (الإعلانات الاجتماعية) في نونبر 2007م. وبفضل هذا النظام يعرض المعلن إعلانه، ويحدد المعلومات الشخصية للزبائن الذين يهمونه ( الجنس، العمر، الجنسية، المستوى الدراسي…) ثم يقوم برنامج الإعلان الاجتماعي بإرسال الإعلان إلى أعضاء الفيسبوك، وقد اضطر هذا الأخير إلى التراجع في بعض صوره أمام اعتراضات المستخدمين الذين لم يقبلوا بهذا التدخل في حياتهم الخاصة؛ فمستخدمو الأنترنت لهم رد فعل توجيهي، ولذا نجد أن فئة الشباب على وجه الخصوص، تستخدم بشكل متزايد برامجا لتحاشي الوصلات الإعلانية؛ وحتى يضمن المعلن لإعلانه النجاح عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لابد من الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يسهم في رفض جمهور مستخدمي الفيسبوك للإعلان.
ومن المفروض أن يكون الإعلان – كأحد عناصر الترويج – رسالة فعالة، تخاطب المستهلك، بعيدا عن الكذب والمراوغة، وتؤثر فيه حتى يصل إلى مرحلة اختيار السلعة وشرائها، وهذه الرسالة حتى تؤدي الغرض لا بد أن تسترعي انتباه المستهلك أولا، ليدرك ما تشمله من معلومات وتقنعه، ولا يتم ذلك صراحة إلا إذا تمت دراسة خصوصيات المستهلك (المستهدف) للتعرف على الأشياء التي تؤثر فيه لتضمينها في الرسالة، ويتطلب ذلك مراعاة الجوانب الفنية من حيث العنوان والمقدمة والمؤثرات الفنية المصاحبة لجذب الانتباه، ومخاطبة الشعور الداخلي للمستهلك الذي يركز على حاجته لتلك السلعة.
وتلجأ الشركات إلى صرف الملايين على الإعلان لتحقيق الإخبار، بغية التعرف على منتجاتها الجديدة، وإقناع جمهورها بأن منتجاتها وخدماتها أفضل من البدائل والمنافسين؛ وفي حالات أخرى، فإنها تلجأ إلى الإعلان لتذكير الناس والعملاء بأنها مازالت موجودة، وأنها الأقوى والأفضل بين المنافسين، وهذا هو المغزى من وراء الملايين التي تصرفها الشركات الكبرى مثل أديداس ومرسيديس وكوكا كولا… ورغم أن إعلانات الشبكات الاجتماعية، تسمح بالتفاعل بشكل نشيط مع مضامين الإعلان، مقارنة بالوسائل الإعلانية الأخرى، إلا أنها بحاجة إلى نوع من الحوكمة، القائمة على النظام والعدل والسلام، وإخضاع الأداء للتقييم عبر أنماط للرصد، والمحاسبة والمساءلة، وبشكل يضمن رشد التفاعل، لحماية الأطراف المشاركة والمصالح العامة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.