رحلة في إسهام الإبداع النسائي في تاريخ الصناعة المغربية الأصيلة، التي يسمّيها البعض “الصناعة التقليدية”، يكشفها جمال الدين العمارتي، قائلا إنه “كان للمرأة بتطوان حضور قوي ومتألق ضمن هذه الصنائع، بل من الصنائع ما كان حكرا على النساء، بل والأدهى من ذلك أن هناك من يعتبر أن الصنائع التي كانت تزاولها النساء بتطوان كانت ستندثر منذ مدة طويلة لولا أنهن يزاولنها ليشغلن بها أنفسهن في أوقات الفراغ”.
ومن هذه الصنائع الغزل والحياكة والخياطة، مثل الغزل أو “تغزالت”؛ فـ”صنعة الغزل هي التي تمد الحائكة بخيوط الصوف والقطن والكتان لنسجها؛ وتتولى النساء والنساء فقط، مسلمات ويهوديات، غزل الصوف في إطار عائلي بوسائل بدائية جدا، فيشترين الصوف من أسواق الأربعاء والجمعة والأحد بالفدان جُزافا أو بالوزن أو بالجلد، ثم يقمن بغسلها وتبييضها”، وفق العمارتي.
وكانت الحياكة بتطوان زاهرة منذ تأسيس المدينة، ويعبر عنها بـ”تادرازت”، ويدعى الحائك “دراز”، وورشة الحياكة “دْراز”. وكانت توجد بتطوان في الفترة المدروسة 29 ورشة يشغلها 56 رب عمل، يساعدهم في عملهم 40 صانعا و30 متمرنا (متعلم)، وتشتمل على 54 منوالا (مْرمة). وكل الحائكين مسلمون، فلا وجود ليهودي يزاول هذه الصنعة، يتابع المصدر ذاته.
ومن بين ما نسجته النساء بمنازلهن “الفوطات”، والجمع “فْوط”، وهي مناديل قطنية غنية بخطوط متعددة الألوان. وتستعمل النساء البدويات هذه الفوطات شالا أو برقعا، أو تنورة ومئزرا في الآن نفسه. وكانت فوطات تطوان مشهورة في الماضي لدى الأوروبيين بصلابة نسيجها وصباغتها. لكن يبدو أن الشروع في استخدام صبغات الأنيلين قضى على هذه الصنعة. وحياكة الفوطات من اختصاص النساء، يقمن بها داخل منازلهن، ويستعملن مناويل مشابهة لمناويل الحائكين لكنها أصغر، وتقتصر على صنع الفوطات، وتدعى “مُقطع”. كما “تصنع نساء تطوان بمنازلهن مناديل أرق؛ يصنعنها من القطن الأبيض ويطرزنها على الجنبات بالحرير أو القطن الأزرق أو الأصفر، وتدعى “سبنية” (الجمع، “سباني”)”.
ويضيف الباحث أن “حلالي الحرير بالنسبة للحرارين يمثلون ما تمثله غزالات الصوف بالنسبة للحائكين؛ وهما حرفتان يمارسهما عمال مختلفون، وهما محدودتان”، وزاد: “لم يكن الأمر كذلك في الماضي عندما كان التطوانيون أغنى، وينفقون الكثير على زينتهم؛ فقد كان حلالو الحرير والحرارون يشغلون أزيد من ثلاثين أو أربعين محلا في المكان نفسه، حيث لا تزال بعض الورشات مشغلة إلى جانب أخرى أضحت مغلقة، خاصة بالوسعة وسوق الغْزل”.

ويسلط العمارتي الضوء على “الطرز بالحرير على القماش”، بوصفه “صنعة نسائية منزلية، تزاولها حوالي ألف امرأة من ساكنة مسلمة تقدر بـ 25000 نسمة”، مواصلا بأن “المعلْمات” هن “اللواتي يضعن تخطيط الطرز (رْشام) بالقلم فوق القماش، ويستعملن لهذه الغاية نماذج جاهزة يمتلكن منها مجموعة كاملة”، وزاد “بعد ذلك تقوم النساء بالطرز بواسطة الإبرة، بالغرزة المنحرفة، فوق دعامة عبارة عن وسادة مطوية على اثنين يضعنها فوق الركبة”.
ويردف الباحث: “صنعة الخياطة مكملة للحياكة، وضرورية لها، فهي التي تستعمل منتجات الحياكة وتجعلها جاهزة للاستعمال. وتشغل هذه الصنعة من 12 إلى 13 خياطا مسلما ومن 5 إلى 6 خياطين يهود، موزعين على عدة أحياء، غير متمركزين في حي واحد؛ وهم يخيطون ملابس من صوف أو جوخ تحت الطلب، وتخاط بالصوف أو بالحرير (جلابة، سلهام، تشاميرة، قفطان، جوخة، قفالي “صدرية”، غليلة “معطف”، سروال… )”.
أما صنعة الدباغة الذكورية بامتياز فإنها تسهم في صناعة “البلغة” “والشربيل”، أي الخفّ الرجالي والنسائي؛ “ولهذا تزود النساء بوجه الحذاء المقصوص الذي يكون بألوان مختلفة (بيضاء أو صفراء أو زرقاء باهتة أو خضراء فاتحة) حاملا رسم الطرز لكن دون خياطة فيزخرفنه بتشبيكات زهرية بواسطة خيوط من الحرير الملون أو في بعض الأحيان، بواسطة خيوط من ذهب أو فضة أو خيوط من نحاس مذهب أو مفضض، وينجزن هذا العمل في بيوتهن ثم يسلمن منتجهن إلى الخراز الذي يركب الحذاء”، وفق المصدر ذاته.
ويتابع الأكاديمي ذاته: “كانت توجد 18 امرأة بتطوان يطرزن على الجلد، منهن المسلمات واليهوديات، إضافة إلى أربعة رجال يمارسون هذه الصنعة، أحدهم يمتلك ورشة ويطرز الجلد بالذهب أو الفضة وتقع ورشته بسوق الغْزل؛ وهو يشغل معه العديد من النساء بمنازلهن، ويصنع: محفظات النقود (“قزاديم”، المفرد “قزدام”) المطرزة بالذهب ومحفظات مطرزة بالحرير، وأحزمة النساء الجلدية (تدعى “مضمة” ج. مضايم) المطرزة بالذهب أو المطرزة بالحرير، وحاملات المصحف (دليل)، كما يطرز وسادات من قطيفة تدعى ‘سطرمية دالقطيفة’. كما كانت توجد بتطوان معلمة (مْعلمة) تعلم الفتيات الطرز على الجلد دون مقابل، لكنها تتقاضى من أرباب العمل الأجر المقابل للعمل الذي أنجزته تلميذاتها”.
وإذا كانت صناعة الفخار ذكورية بامتياز فإن “المنطقة تتميز بإسهام المرأة في صنعة الفخار الموجهة نحو إنتاج بعض الأواني المنزلية”؛ وهكذا “تمارس النساء الجبليات صنعة الفخار في مداشرهن وينتجن على الخصوص ‘مجمار’ (الجمع، “مجامر”)، وهو عبارة عن ‘مجمر’ صغير من الطين المشوي قابل للحمل، يطهى عليه الطعام في كل البيوت العربية وفي الكثير من البيوت اليهودية. وغالبا ما تزخرف هذه ‘المجامر’ بخطوط تسطر بالجير، أو تُبيض من الخارج. وتكثر هذه العادة خاصة لدى اليهود”، يضيف الباحث.

ويردف العمارتي: “لا يصنع الفخارون المجامر بتطوان، فوحدهن النساء الجبليات يصنعنها بكميات كبيرة، ويبعنها في أسواق الفدان والغرسة والسوق الفوقي؛ ويستعمل أصغرها لحرق البخور (يسمى بالعربية الفصحى مجمرة (م))، ويعوِّض في البيوت الفقيرة المبخرات النحاسية المثقبة والمنقوشة التي يستعملها الأغنياء. وتصنع النساء اليهوديات كذلك مجامر مماثلة في منازلهن، إذ يقمن بتجفيفها فوق السطوح دون تعريضها للشي، فهي تشوى لذاتها تدريجيا خلال استعمالها في الطهو، ويكون بعضها ضخما، إذ يصل قطرها إلى 30 سنتيمترا، وتستخدم وعاءً للرماد الملتهب الذي يحافظ على الطعام ساخنا من الجمعة بعد مغيب الشمس إلى غداء يوم السبت، لأنه يحرم عليهن إيقاد النار يوم الإسبات”.
وفضلا عن التعريف بالتاريخ النسائي للحرف المغربية، عبر الاستناد إلى “كتابات رحالة أوروبيين زاروا المغرب، مثل أوغست مولييراس في كتابه المغرب المجهول، وعلى الخصوص مونوغرافية ألكسندر جولي الموسومة بـ الحرف والصنائع بتطوان خلال العقد الأول من القرن العشرين، التي يعتبرها الكثير من الباحثين من أفضل ما كتب عن الحرف والصنائع بتطاون”، يوضح الكاتب بعض أسباب تراجع انتشار الحرف في تطوان.
ويقول الباحث: “المعروف بتطوان أن الاحتراف لا يعد ضَعَة أو تقليلا من شأن الإنسان، بل هو شرف له. ومن الأمثال المتداولة بتطوان في هذا الشأن: ‘ينتم مال الجدين، وتبقى صنعة اليدين’ (ينقضي مال الأجداد، وتستمر صنعة الأيادي)”.
“وتطوان من المدن التي انتعشت فيها هذه الصنائع وتطورت، وكانت منتجاتها في الغالب مطبوعة بطابع فني أصيل، وتصل إلى الرباط وفاس والصويرة والأندلس والمشرق، لكن مردودها أضحى في العقد الأول من القرن العشرين ضئيلا جدا، بالكاد يغطي مستلزمات إعادة إنتاج قوة العمل، وبالتالي لا يوفر إمكانية مراكمة الرأسمال”، يورد العمارتي.
ومن أسباب هذا التراجع بين أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وفق المصدر ذاته، “تراجع القدرة الشرائية محليا بسبب توسع رقعة الفقر والعوز بانهيار العملة المغربية، واستفحال الأزمة المالية بفعل تراكم الديون، وتزايد النفقات العسكرية لإخضاع القبائل الثائرة، وانحطاط الفلاحة، وفرض ضرائب متعددة على المنتجات؛ وبسبب انعدام إمكانية التصدير، سواء إلى المدن المجاورة أو إلى أوروبا، نظرا لانقطاع الطرق واستهداف القوافل ونهبها الناتج عن حصار قبائل جبالة لمدينة تطوان (بني يدر بني حزمر بني معدن ودراس لنجرة)، وتدهور ميناء مرتيل الذي أصبح عاجزا عن استقبال السفن نظرا لما علق بمدخله من رمال وأوحال، بعد أن كان يحتل المرتبة الثانية وطنيا بعد ميناء موكادور؛ وبسبب المنافسة القوية غير المتكافئة مع البضائع الأوروبية الرخيصة التي غزت الأسواق المغربية بصفة عامة والأسوق التطوانية بصفة خاصة لقربها من مدينة سبتة”.

ومن الأسباب أيضا “الآثار الجلية التي خلفتها حرب تطوان سنة 1859-1860 واحتلال المدينة إلى غاية 1862، واستمرت آثارها جلية على الصنائع رغم تمكنها من استعادة حيويتها جزئيا أواخر القرن؛ إذ تغيرت معالم المدينة وهاجر العديد من الصناع المسلمين واليهود، وتقلص عدد ورشات الصنائع، وهاجر العديد من التجار اليهود، وانخفض عدد سكان المدينة”، وفق الباحث، ليسجل بعد ذلك أنه “رغم أن هذه الصنائع أضحت تعيش أوج انحطاطها في العقد الأول من القرن العشرين فإنها ما انفكت تشكل نشاطا أساسيا بالنسبة للاقتصاد والمجتمع بمدينة تطوان؛ فقد رفعت التقنيات والمهارات الحرفية قيمة المواد الأولية المتوفرة بالمدينة أو المستجلبة من القبائل المجاورة أو النائية وجعلتها ذات شأن، بعد تحويلها إلى سلع وبضائع ومقومات جاهزة لمختلف الاستعمالات، ووفرت موارد مالية لأطراف متعددة، ومكنت الأهالي نساء ورجالا من مصدر للعيش والكسب، بل كانت في بعض الحالات مصدرا للإغناء، وساهمت في تقوية النسيج الاجتماعي وتعزيز تماسكه، كما عززت الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين المدينة والقبائل المجاورة، في إطار من التكامل والاعتماد المتبادل، وظلت دائما منتظمة ومهيكلة وتحت إشراف المخزن؛ ذلك أن الحرفيين والصناع كانوا ينتظمون في إطار طوائف حرفية. وهناك أمين لكل حرفة، يترأس طائفته الحرفية. ولا يحظى بهذه المهمة التي تزاول بالمجان إلا من كانت له تجربة في الصنعة، ومكانة في أوساط الحرفيين، وكان مقبولا من طرف المؤسسات المسؤولة، وخاصة مؤسسة الحِسبة”.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.