أذرف التمثال دموع الحسرة، وتمغص من فرط القلق. كانت حرارة الاندثار تتسرب من أذنيه الخزفيتين، فتتصاعد في هيئة أعمدة من البخار تعانق السماء، كأنها تستنجد بالغيم ليحمل يومًا قطرات أمل، تروي ما ذبل من ذاكرة المكان، وتبعث الحياة في آثار كادت تدفن تحت ركام النسيان.
كان يتأمل جدرانًا تصدعت، ونقوشًا محتها الشمس والأمطار، وآثارًا أنهكها الإهمال قبل أن ينهكها الزمن. ولم يكن أكثر ما يؤلمه تقلب الفصول، بل قسوة العقول التي تنكرت لإرث الأجداد، أولئك الذين شيدوا حضارة دوى صيتها في أصقاع الأرض، بينما يتباهى الأحفاد اليوم بأمجاد لم يسهموا في صنعها.
تنهد وقال:
ـ أما كان في الإمكان أن تتضافر الجهود لإحياء ما هدمه الزمن، وما أكمل الإنسان خرابَه بإهماله؟ أليست حماية الذاكرة أكرم من البكاء عليها بعد ضياعها؟
ثم أغمض عينيه، وهمس بصوت خافت:
ـ ليت صوتي يبلغ ضميرًا ما زال حيًا. أما الآذان فقد أثقلتها الخطب حتى أصابها الصمم. لم تعد كلماتي تطلب المستحيل، وإنما تحلم بجيل جديد، ينجز ما عجز عنه الكبار، ويبني عالمًا يوحد ولا يفرق، يرفع الثقافة إلى مكانتها اللائقة، ويهزم الجهل والتفاهة بالعلم والمعرفة.
ومرت الأعوام، وغادرت الأرواح المكان، فاستوطنه الصمت. لم يعد القصر يستقبل العلماء والزوار، بل صار مأوى للحشرات والزواحف، حتى لقبه الناس بـ«حديقة الحشرات». وصار الآباء يصطحبون أبناءهم إليه لا ليتعرفوا إلى تاريخه، بل ليروا أنواع الحشرات والأفاعي التي اتخذته مأوى لها….
راقب التمثال المشهد في صمت، وسجل كل ما يراه في سجله الطيني، ثم قال بحزن:
ـ يا لرحمة الزمان بهذا المكان! بالأمس كانت جنباته تضج بالملوك والوزراء والعلماء، واليوم أصبح مقصدًا لمروضي الأفاعي، يأتون يصطادونها لتكون مصدر رزقهم، بينما يصفق السياح لعروضها. تعزف المزامير ألحانًا حزينة، فتتمايل الأفاعي كأنها ترثي مصيرها ومصير القصر الذي آواها بعد أن هجره أهله.
ومن أعلى الجدار المتداعي، كان التمثال يشاهد مهربي الآثار يتسللون في جنح الظلام، ينتزعون الحجارة المنقوشة، ويقتلعون ما بقي من ذاكرة المكان. حاول أن يصرخ، لكن صوته كان يتبدد في هواء اللامبالاة، كما يتلاشى ضباب الصباح عند أول شعاع للشمس.
ثم صاح، وقد اختلط صوته بالغضب والأسى.
“بيعوا ما شئتم، فلن تشتروا به كرامة وطن. كل حجر يُنهب هو صفحة تُنتزع من كتاب التاريخ، وكل درهم يُقبض ثمنًا له يقود صاحبه خطوة أخرى في دروب الفقر الروحي والعوز الحضاري. من يهدم ماضيه ليجني حفنة من النقود، كمن يتلذذ بعسل قُدم له في جلد كلب؛ يغريه طعمه، لكنه يفقده كرامته” وما إن أنهى كلماته، حتى هوى من أعلى الجدار، واختلط بالركام الذي ظل يحرسه سنوات طويلة، مفضلًا أن يصير حجرًا بين أنقاض قصره، على أن يتحول إلى سلعة في أيدي مهربي الآثار وساد المكان صمت ثقيل…كأن التمثال، وهو يتحطم، كان يوجه آخر سؤال الى الأحياء…”من يحرس ذاكرة الأوطان إذا ماتت ضمائر أبنائها؟”
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.