خمسة قناديل تحتَ شجرة مراكش

خمسة قناديل تحتَ شجرة مراكش
الثلاثاء 28 يونيو 2022 - 22:23

تغزل هذه الكلمة محلوماتها تحت شجرة مراكشية، ألفت العين رواءها، وتذوقَ العقل ثمارها، واستروحت النفس نسيمها، وشربت من ضوئها الأقاصي، فرأت ما لم يكن يُرى. هي شجرة بقامة السّؤدد والذكاء، من حبرها وله أُشكّل هذه القناديل الخمسة.

-1 وطن بأصابع الخيال

الكتابة وطنٌ منسوج بأصابع الخيال، على نُول ذاكرة مضادة Une Contre mémoire هكذا نراها.

وطنٌ مشكّلٌ من كلمات وألوان وأنغام وصور شتى، يختلف عن الأوطان الجغرافية. كلّ من سكنه تمتلكه نشوة امتلاك الجوهر، وصبوةُ التحرر من مواضعات الوجود، وإكراهات الحياة العادية وانجراحاتها. يجعلك تخلق ذاتك من جديد، وتنفخ فيها روح محبّة الكون، حتى يتأتّى لها الإصغاء لنشيده السّري، وقراءة سفر اختلافه في ائتلافه، وموج مجهوله في بحر معلومه، ورعشة مفرداته في وردة مستحيلة الأبعد البعيد.

هي الوطن الأقوى إذن؛ يحميك من التلاشي تحت سنابك الخرائط، ومن الغربة فيك وفي أهلك ومَسكنك، ويدفعك إلى إدمان عطر التمرد كلما هيمنت النذالة، وغرست الوحشية مخالبها وأنيابها في جسد الإنسانية بلذة أشبه بلذة العلقِ. ويدق في قلبك دسر ضوء لتكون أنتَ ليس إلاّ، ولتكون حيا خارج غُرف لا يتنفس فيها سوى غبار الموتى.

2 – تكتب وكأنها تصلي فوق بركان

هذا الوطن تصنعه لنا عقول تكتب وكأنها تُصلي فوق بركان يتنفس حدائق السديم chaos.. هي عقول مفكرين وباحثين وشعراء وأدباء وعلماء يتكلمون فينا بما لا نجرؤ على التكلم به، بلغة هي لغة اللغات الناسخة للمتداول في الحياة. بهم نُبصر ما لا يبصر، ونتعرّف على وجودنا اللامفكّر فيه، وعلى الشقوق والشروخ النازفة تحت سطح الطمأنينة والغبطة. والغبطة هي أشدُّ فتكا بالذات من المذلاّت، تحجب عنها هواء التأمّل، وتضعها في قُمقم التأكسد.

ومن هؤلاء المفكرين المبدعين الذين يُصلون فوق بركان، ويُوغلون في ذاتنا ضوءا، ويعرّفوننا بها وبجذورها المعافاة الممتدة في تراب الزمن، الأستاذ الباحث أحمد متفكر الذي نزل في مطار القلب بستّة وثلاثين حقيبة (= كتابا( تحتوي على مكانز الحمراء وألقها الأبدي. فهو بهذه الحقائب قد أتاح لنا فسحة ناصعة لنتأَمْثَل حضارة وفكرا وتاريخا ومعرفة وأدبا، ولنُحاورَ هذا المنجز الفكري الرصين الشامل حقولا معرفية عددية، تمتد من التاريخ والأدب والفكر والفقه والعلم إلى المونُوغْرافيا. إنه المنجزُ الضوء الآتي من مشكاة أركْيُولُوجيَا المعرفة، يغوص في أعماق الزمن للقبض على أوجُه الحقيقة المنفلتة، لا ولن يستغني عنه أي باحث مُنهَمِمٍ بهُوية الذات.

3- هويات ثلاث

والذات؛ في عُمقها الأُونْطولوجي؛ لها ثلاث هُويات، هي:

1- هويتها الموروثة عبر الحِقب

2- هويتها المكتسبة من خلال المجرى الوجودي.

3- هويتها المأمُولةُ؛ التي هي عبارة عن حركتها صوب الأفق المستقبلي، لمعانقة الآخر، وربط مجهولها بمجهوله، ومزج استنساغها باستنساغه، قصد تجديد الوجود المترنّح تحت ضربات “الأنا” العمياء، والنّرجسية الصماء.

والذات التي نقصدها هنا هي الذات المغربية عامة، والمراكشية خاصة. فمراكش هي التربة التي تنبت فيها الولاية؛ كما ينبت العشب في كل الأصقاع؛ منذ خلقها الخالق إلى الآن، ففيها يُولدُ الكمال ويظهر، ومنها يَعُمُّ فيضُه الرباني الخلائق.

4- إظهار الكمال

ولقد فاجأنا الأستاذ متفكر -ومفاجآته هي دائما ذُخرٌ وسرور- بعد صدور كتاب “من ضوئه تشرب الأقاصي” عنه، بكتاب آخر من تحقيقه في سِفريْنِ، عنوانه (إظهار الكمال في تتميم مناقب سبعة رجال) للعلامة العباس بن إبراهيم التعارجي، صادر عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش، في مُتمّ السنة المنصرفة. وبذلك أسدى للخزانة المغربية صنيعا أجلَّ، وقدّم لها طبقا غنيا من المعرفة اللدُنّية كانت في حاجة إليه.

فالكتابُ -إلى جانب موضوعه الذي تُومئ إليه عَتبتُه- موسوعة جامعة لأشتات متفرقات من العلوم كالتاريخ واللغة والنحو، والصرف، والعروض، والشعر الصوفي، والبلاغة، والفقه، والمناقب، وما يسميه قدماؤنا بالرقائق والدقائق واللطائف والحقائق. زيادة على تعريفه بكثير من أولياء مراكش وصلحائها الذين نسيتهم ذاكرة مراكش الحالية، وأحياهم التعارجي في كتابه هذا.

فالمؤلف من أساطين العلم والمعرفة في المغرب، المُلمين بالمخطوطات والأضابير النادرة الغميسة، لا يضارعه في هذا -على ما نَعْتقد- إلا العلامة المرحوم عبد الحي الكتاني، فهما صنوان، وفرسا رهان، أعطيا حياتنا الفكرية والمعرفية معنى، وأسبغا على وجودنا إشراقا. فالمبحرُ في متونهما سيحس؛ ولا شك؛ بلذة ما بعدها لذة، وسيكتشف أن وجودهُ كان ناقصا قبل هذا الإبحار.

فيا جزى الله متفكرنا على هذه الهدية التي أتحفنا بها في مستهل هذه السنة الميلادية، ويا بارك في عمره. وإذا كان قد قيل: لولا عياضٌ ما ذكر المغرب، فإننا نقول: لولا أحمد متفكر ما برزت حاضرة مراكش بهذا الشموخ الفكري والديني والعلمي والأدبي والصوفي، فطوبى له ثم طوبى.

فما القلبُ إلاّ حَيْثُ كَانتْ بدائعُه **** وضاءَتْ كما تَهْوَى الحيَاةُ صنَائعُه

5- على هامش الإظهار

وسنبدي على هامش هذا الكتاب ملاحظتين، نصوغهما في قالب سؤالين:

أولهما: هل السبعة الذين تطرق إليهم “إظهار الكمال” هم الوحيدون الموجودون في مراكش وأحوازها؟ أم أن هنالك غيرهم؟ وسنضيء الأمر بما جاء عند صاحب “التشوف”، فقد أورد أن أبا زيد الدقاق قال: )رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم عند أحد أبواب مراكش، فقلتُ له، يا رسول الله؛ أفي هذا البلد أحدٌ من الأولياء؟ فقال: فيه سبعة، فقلت: يا رسول الله مَنْ هُم؟ فقال لي: هؤلاء، فإذا بسبعة رجال خرجوا من الباب، ما عرفْتُ منهم إلا أحمد بن محمد الغساني المعلّم).

والغساني المشار إليه هنا هو أحد أولياء مراكش، وليس من السبعة المعهودين لدينا، وإنما هو من سبعة آخرين لا نعرفهم. فمن هُمْ؟ وأين ضرائحهم أو مدافنُهم إن كانت لهم ضرائح ومدافن؟

ثانيهما: إن لفظ السبعة مقصودٌ به الكمالُ، كالأرضين السبع، والسموات السبع، والمثاني السبع. وهناك عدة مزارات وضرائح ينصرف إليها هذا اللفظ؛ منها:

مزارة بقرب ضريح أبي العباس السبتي، بها سبعة قبور مُصطفّة بعضها إلى بعض. يشاع أنهم إخوة وُلدوا من بطن واحدة في مرة واحدة، وجعلوا في طستٍ، ثم رُفعوا إلى أمير الوقت. وأهل مراكش يقولون إنهم سبعة رجال.

مزارة بحي الموقف، بها سبعة قبور كذلك، يقال إنهم سبعة رجال.

مزارة سبعة رجال رجراجة؛ الذين يقال إنهم التقوا بالرسول صلى الله عليه وسلم. وقد حقق الأستاذ محمد السعيدي الرجراجي كتابا في هذا الشأن موسوما بـ”السيف المسلول على من أنكر التقاء رجال رجراجة بالرسول”.

مزارة بتَاكرْكُوسْتْ من بلاد وَزْكِيتَة، بها سبعة قبور، يُقال إنهم سبعة رجال. وقد ذكرها التعارجي في الجزء الأول من إظهار الكمال.

مزارة سبع نساء بالرباط، أخبرنا بوجودها شيخٌ من فضلاء التيجانيين ذات جمعة بضريح سيدي العربي بن السايح.

فماذا نعرف عن هذه المزارات والضرائح؟ وما الخيط الرابط لها بالحقيقة؟ والرابط لها بالخيال أو الخرافة؟ إنها إشكالية تبقى مفتوحة على النوافذ المعرفية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

6
  • خرافات الأديان .
    الأربعاء 29 يونيو 2022 - 08:38

    الأستاذ محمد السعيدي الرجراجي كتابا في هذا الشأن موسوما بـ”السيف المسلول على من أنكر التقاء رجال رجراجة بالرسول”. … لأنهم لا يملكون دليلا ماديا مقنعا لايبقى لهم إلا التهديد بالسيف المسلول على من انكر ما يدعون .

  • منارة الضلال
    الأربعاء 29 يونيو 2022 - 23:21

    نحن نعلم أن التصوف كان في البدء وسيلة إلى الحكم، كما نعلم من القرآن أنه في الأصل تقليد لخلوة موسى، نحن لسنا أغبياء كما تتصوروننا، نحن نعلم أن التصوف التقليدي بني على الوهم اللذيذ، وهو فيما نراه حالة وجدانية أشبه ما تكون من تلك التي تنشأ عن تناول الاكستاسي، هذه أمور خبرناها عن قرب، هذا لنؤكد لكم أننا لسنا أغبياء، وبعد، نحن نعلم كيف ينتحل شيوخ التصوف صفات الأولياء، وفي هذا المقال نموذجا، يبدو أن صاحبه يؤمن بسبعة رجال مراكشيين مجهولين غير المعرفين، نراهم أشباحا، يقول بوجودهم دون معرفة أي شيء عنهم إلا أن ذكرهم ورد في كتاب التشوف، وكأنه كتاب منزل، ذاك الكتاب يروج لأحد المغمورين إن وجد، يدعى أبا زيد الدقاق، زعم أنه رأى الرسول (وهذا يكفي لانتحال صفة ولي) بأحد أبوب مراكش، فسأل الدقاق الرسول عما إذا كان سبعة رجال موجودين في هذا البلد (ليس المعلومين طبعا)، فأجابه بالإثبات ثم عرضهم عليه، فلم يتعرف إلا على واحد منهم قال إنه يدعى “أحمد محمد الغساني المعلم” لم أجد له أثرا على الإنترنث كذلك، هكذا يصنعون الأولياء: إما أنهم رأوا الرسول، أو وقف عليهم في اليقظة… أو ينتسبون إليه ادعاء.

  • متابع مشغول
    الخميس 30 يونيو 2022 - 01:10

    افادة جميلة عن المضمون بالمقالة و حققت مقاصد الكاتب لها من بين المتدخلين كاد يبدي به و وجد الكاتب من يتعارك عن مضانها و اياه في الذي يقول في الكلام هو حر يقول حيث ما ظنه سديدا اذ الكذب سهل يكون على الانسان على نفسه في عداد الاموات اذكروهم معه بالحسنات

  • Hassan
    الخميس 30 يونيو 2022 - 01:55

    مراكش ليست مدينة سبعة رجال بل مدينة يوسف بن تاشفين. نذكر الصالح و ننسى المصلح . الصالح عمل لنفسه و عمله يفيده لآخرته أما المصلح فلا ينقطع عمله. أما عن رگراگة فهي رجرجة

  • العطالة الفراغية
    الخميس 30 يونيو 2022 - 02:02

    اجتمع يهودي و نصراني و مسلم على دجاجة اصر المسلم على ذبحها فطهوها فاختصموا من فيهم ياكلها فاتفقوا على النوم و من يحلم اجود حلم ياكل الدجاجة المطبوخة فناموا لكن المسلم اكل الدجاجة و هم نيام ثم نام فاستيقظ اليهودي ثم بالتتابع فقال اليهودي لقد كنت في المنام في المريخ اتجول و قال النصراني لقد بلغت على المكوك و انا نائم مدار كوكب زحل فقال المسلم لقد استيقظت فلم اجدكما انت في المريخ و الاخر بزحل و انتظرت طويلا فلم تعودا و مر يوم على غيابكما فاكلت الدجاجة و نمت و استيقظت مرارا خفت عليكما و انشغلت كثيرا في التفكير بكما و قد عدتما من الرحلة مرحبا

  • Amaghrabi
    الخميس 30 يونيو 2022 - 14:19

    يقول المثل الاسباني “البطل موجود ما دام الجبناء موجودين”وبالتالي فالاكاذيب باسم الخالق وعلى الخالق بصفة عامة شائعة عند الجميع وخاصة الشعوب المتخلفة والتي ما زالت تحن الى الماضي وتتشبث بقشور التراث الديني عامة,وبالتالي فالخرافات شائعة ما دام السفهاء والعقول السخيفة تعيش فوق الارض

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 13

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 5

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 20

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع