خميرة المنتخب المغربي

خميرة المنتخب المغربي
الجمعة 3 يوليوز 2026 - 09:19

تقديم

أسلوب اللعب الذي صار ينهجه المنتخب المغربي لا شبيه له! مستعصي على التقليد! “مُعتدٌّ بوجودِه الخاص”؛ نحن هنا نعيش وسط اللون الأحمر وتحت ضوء النجمة الخضراء، بين جبال الأطلس والمياه المتوسطية والمحيطية، في حضرة الأمة المغربية منبت الإنسان العاقل. فبين الأرض والماء، انتشرت خلوات للتأمل، حالات مساعدة على الإبداع، فالبساط وطن مفروش بالنباتات المتنوعة تحيط به السماء من كل جانب؛ كيان “يرفض الانغلاق”، ويُبقي على الحوار بين سائر الشعوب قائماً ودائماً. نحن هنا في ضيافة المغرب، وفي حضن المنتخب المغربي لكرة القدم الذي نراقبه كما يراقبه جمهور واسعٌ من العشاق، مُعجبات ومُعجبين، من مختلف بقاع العالم. يُراهنون عليه كأفق للتفكير في ثوب “الأمة المغربية” وهي تخطو بثبات بين سائر الأمم.

المنتخب المغربي بصيغة “نحن“

ازداد تعلقهم بأسلوبه منذ كأس العالم بقطر 2022، والمنتخب المغربي يقابل كبار المنتخبات النَّد للند؛ يقاوم، يُقنع، يفوز، ويرسمُ لوحاتٍ فنية مُدهشة ليؤكد على صمود الإنسان المغربي. ترمز الجُمل التي يدونها اللاعبون، واللوحات التي يرسمها المُدافعون والمُهاجمون لخصال على السجية الأولى، وفاء للتربة الحاضنة، نتاج لرؤية حكيمة، ثمرة تكوين فعال، ولعمل متواصل مُتقن، وليد عشق الجمال، لتُبعث هذه المشاعر الرَّاقية للجمهور الواسع، المُرافق، والمُنتشر في أنحاء العالم.

تجعلنا متابعة مباريات المنتخب المغربي نشعر بتلك “الرَّعشة” من زمن الإنشاد الصوفي في حضرة الزَّوايا، الشّحنة الوجدانية التي عبر عنها المُفكرون المغاربة من أمثال المرحومين عبد الله كنون وعلال الفاسي وإبراهيم بوطالب، أو المفكر عبد الله العروي، وهم بصدد الحديث في سياق كتاباتهم الأدبية والنقدية، عن لحظة الوعي التاريخي بالوطنية. وتدفعنا هذه المتابعة اليقظة للتفكير في البيئة الإبداعية للمغاربة في خضم مشاركة المنتخب في تظاهرة ضخمة وكثيفة ككأس العالم في نسختها لسنة 2026، التي رفعت عدد الفرق المتنافسة ل48 فريقاً من مختلف القارات. صار المنتخب المغربي بالنسبة للعالم مرصداً لالتقاط النموذج الناجح. يَلعب ويُمتع. يُمارس الإغراء كذلك. ويُسقط الجميع في عشقِ أسلوبه الفريد.

استطاع المنتخب في العشرية الأخيرة أن يقفز للواجهة العالمية بشكل غير مسبوق، لينتج حكاية جديدة. وهو يحقق نتائج مبهرة. ويحصل على ثقة الجماهير. فيُشبع عطش الانتماء لديهم. ويولِد معان أعمق بعيداً عن الإيديولوجيا والصراعات الضيقة. استطاع المنتخب أن يُعبر عن واقع مغربي متأصل وجديد، منفتح على أبنائه حتى في زمنٍ يتسم بالشدة والتَّعقيد. ليؤكد بأن المغرب لم يكن “قبائل مشتتة” أو “عدة قبائل”، كما جاء في متون السوسيولوجيا الاستعمارية وادعاءاتها وهي “تشكك في وجود المغرب كدولة وكهوية وكأمة وكشعب” (حسن طارق، الوطنية المغربية: تحولات الأمة والهوية، 2023 ص.82).

يُكوِّن الفريق الوطني، كما تابع العالم، لُحمة وطنية جامعة، مستوعبة لجميع الطاقات. ف“خميرة المنتخب” هي من “خميرة الوطن”، تشكلت مُكوناتها في الوجدان ثم التراب كما عبر هذه النقلة عبد الله العروي (انظر هنا مؤلف حسن طارق، نفس المرجع، ص.221). يعتبر المنتخب مشروعاً برؤية ملكية سديدة استشرافية، التزمت بتفعيلها الجامعة بمكوناتها، وانخرطت الأكاديميات الرياضية، والمدربون، والأطر التقنية، واللاعبون بالسير على منهجها، بمسؤولية، وإيمان، وشغف.

صار المنتخب الوطني مرآة تعكس أحلام المغاربة وانتصاراتهم، وتطلعاتهم لمراتب متقدمة بين الأمم. وتحوَّل بالتالي حُبُّ المنتخب “لبنك للمشاعر الجمعية” دونتها الأناشيد الحماسية، والموسيقى الإيقاعية، وتشجيعات الجماهير المتواصلة وهم يتنقلون بكثافة وراء المنتخب أينما حل وارتحل.

يوجد المنتخب المغربي لكرة القدم اليوم في قلب ”السَّردية الوطنية” بمستجدات لا يمكن فصلها عن ما حققته المملكة المغربية طيلة ربع قرن الأخير من نهضة اجتماعية، اقتصادية، ورياضية، وتطور على مستوى البنية التحتية، ”فتحٌ جديد” تُوِّج بإعلان صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله عن ”عيد الوحدة” تخليداً للوحدة الوطنية والانتصار الدبلوماسي والسياسي المغربي في قضية الصَّحراء بعد نصف قرن من الكفاح؛ بحيث قال جلالته في خطابه التاريخي بهذه المناسبة الغالية: “إننا نعيش مرحلة فاصلة، ومنعطفاً حاسماً، في تاريخ المغرب الحديث. فهناك ما قبل 31 أكتوبر 2025، وهناك ما بعده.”

ونحن نتابع ما يحققه المنتخب المغربي بكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، والمكسيك، من إنجازات ملحمية، نستحضر كذلك ما حققته المملكة المغربية على المستوى الجيو- سياسي بإعطاء انطلاقة مبادرة ملكية طموحة سنة 2023، وهي “المبادرة الأطلسية المغربية” بأهداف واضحة وحكامة جيدة، تهدف إلى تحويل الواجهة الأطلسية للمملكة إلى قطب للتكامل الاقتصادي الإفريقي والدولي، عبر تطوير البنية التحتية، وتعزيز التعاون “جنوب – جنوب” وفق مقاربة “رابح – رابح”.

يعدُّ المنتخب المغربي وثيق الارتباط بتربته بما تحمله التربة من أبعاد جغرافية، تاريخية، وسياسية، وثقافية؛ المعروفة في أوساط المبدعين المغاربة والأجانب، والرحالة والمستكشفين القدامى والمحدثين باعتبارها بيئة بصرية خلاقة ومرصداً فريداً للجمال.

البيئة البصرية التي تشكل فيها المنتخب المغربي

تشكل المنتخب المغربي لكرة القدم، المتماسك الخطوط في الفعل وردة الفعل، في سياق تركيبة خلاقة، بمقومات روحية تضامنية وأخلاقية دامجة لمغاربة الدَّاخل والخارج، في بيئة بصرية مُلهمة للصناع والمبدعين. من المعلوم أن المغرب قد شكّل مصدراً للإلهام الفني لا ينضب للعديد من الفنانين الأجانب؛ ويكفي في هذا الصدد استحضار أسماء مثل أوجين ديلاكروا، الذي كان يرى في السجاد المغربي ما يضاهي أروع اللوحات التي وقعت عليها عيناه، أو هنري ماتيس الذي أقر بأن “الإشراق الفني” كان يأتيه دائماً من طنجة. وتُعبّر كلمات هؤلاء الرواد في فن الرسم الأوروبي الحديث أبلغ تعبير عن هذا “المغرب” الذي يتجلى للناظر بوصفه فضاءً بصرياً بامتياز. وفي هذا السياق، ثم تسليط الضوء على الكيفية التي تحول فيها لمرصد للتأمل الداخلي العميق وورش لإنجاز القطع الفنية الجميلة.

يُعد المنتخب المغربي، في هذا الشأن، مزيجاً آسراً من التقنيات الفنية الرقيقة، بمؤثرات قادمة من عمق التربة المغربية؛ بوصف المغرب الملتقى الحقيقي للحضارات من الجبال الأطلس الشاهقة إلى الصحارى المترامية الأطراف، ومن المدن العتيقة النابضة بالحياة إلى المدن العصرية والقرى المعلقة في سفوح التلال والجبال.

يُجسِّد الفريق الوطني هوية هذه “الذات المغربية”؛ فهو ليس مجرد فريق يزاول كرة القدم، بل هو كينونة متجذرة بعمق في السياق الجغرافي والاجتماعي والثقافي للمغرب. إنه يمثل بلداً يعود لقرون خلت، ويُعبِّر عن نمط حياة ورؤية ذهنية تتجلى معالمها في الجمل التكتيكية المتشابكة على شاكلة الزربية الأطلسية أو على منوال الزليج المغربي المتنوع والعمارة العريقة برموز ولغة سيميائية قائمة بذاتها من عصور ما قبل التاريخ وحتى يومنا هذا.

فلا يمكن تحليل أسلوب لعب المنتخب إلا بالنظر لموقع المغرب الجغرافي وتاريخه العريق وثقافته المتنوعة التي تزخر بتقاليد فنية، نتاج أساسي لهوية انصهرت مكوناتها العربية- الإسلامية و الأمازيغية والصحراوية الحسانية، وتغذت بروافد إفريقية وأندلسية وعبرية ومتوسطية، المشكلة للذات المغربية. لقد استطاع المغرب أن يحافظ، على مر الزمن، على هويته القوية وطابعه المميز؛ منفتحاً على العالم. ويعيد المنتخب أصدق صدى لمقولة “نحن المغاربة” بدلالاتها الشاملة وببناءاتها المرجعية: التاريخية، الروحية، الرمزية، والترابية، ب“حب فطري” وشعور وطني جارف، وهي البلاد “المجبولة على الحرية الفطرية والشهامة والأنفة”، كما قال محمد بلحسن الوزان (نقلا عن حسن طارق، نفس المرجع، ص.121).

مجمل القول

استوعبتْ “خميرة المنتخب” مستجدات تظاهرة كأس العالم في نسختها 2026 التي تنظم بكندا، الولايات المتحدة، والمكسيك، فانخرط اللاعبون في السرعة دون السقوط في التسرع، وتجنبوا ضياع الوقت، وعرفوا كيف يغيروا مراكزهم بسلاسة أربكت الخصوم. يتابع اللاعبون اللعب حتى ولو سقطوا؛ ينهضون ويبادرون لتقديم الأفضل. يخلقون الكثير من الفرص كما يتابع الملاحظون. يجتهدون لتحسين الأداء بفعالية أكثر، ومسؤولية أكبر أمام المرمى، وبجمالية كذلك في القول والفعل.

فاضت “خميرة المنتخب” ليزداد حجم الخبزة على طريقة “التمغربيت”، فتَشبَّعت الجماهير بالأداء والنتيجة، ويُصدر الفائض لدول أخرى، دون أن ينسى المغرب أصدقاءه الأوفياء. وتستمر مسيرة المنتخب مُلهمة لنا ولغيرنا على مر الزَّمان، امتداداً للمسيرة الخضراء وانسجاماً مع دلالات “الشخصية المغربية” بتعدد روافدها المنصهرة فيما “يمكن تسميته بخميرة الوطن”، كما يقول الطيب بياض (الشخصية المغربية: تأصيل وتأويل، 2023، ص.53).

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • نظرية جديدة .
    الجمعة 3 يوليوز 2026 - 18:57

    كذالك أضاف الحارس نظرية تصدي جديدة وتحديا صعبا امام منفذي ضربات الجزاء وهو التحول وفوقا الى يمين الشبكة او يسارها وهكذا تكون امام الحارس فرصة لصدها ان كانت ارضية بقدمه او بيده ان كانت في سقف الشبكة .

  • أصل تجاري
    الجمعة 3 يوليوز 2026 - 23:46

    يجب تسمية هذه الحركة تصدي بونو على شاكلة ضربة بانينكا. يكفي الحارس ان يتوافق وجوده في الجانب الذي اتجهت له الكرة لتكون نسبة تصديه للضربة فوق الثمانين في المئة

  • كفى .
    السبت 4 يوليوز 2026 - 02:25

    نعم انها تصدية الخارق للعادة بونوه .. على العالم أن يعترف انها صدة بونو ماركة مسجلة .

صوت وصورة
حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 23:30

حكايات ما تقالتش | الرابور علي صامد

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 3

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان