درس الملثمين

درس الملثمين
السبت 2 دجنبر 2023 - 23:59

خاضت الجيوش العربية خمس حروب كبرى مع الاحتلال الإسرائيلي سنوات: 1948و1956 و1967 و1973 و1982، وقد خسرتها كلها باستثناء حرب سنة 1973 التي كان فيها الأداء العسكري العربي أفضل نسبيا، غير أنها لم تشكل أبدا رادعا لطموحات للعدو المتطرفة ولا حدا لتعنته وسخريته من كل رموز الأمة ومقدساتها.

خلفت هذه الحروب انتكاسات عديدة وكان لها أثرها على السياسات العامة للدول العربية وعلاقاتها الدولية، وأيضا على حركية شعوب المنطقة وتوجهاتها. فساد الاعتقاد لدى بعض النخب السياسية والثقافية بضرورة التعايش مع الاحتلال وفق منطق ما أصطلح عليه بالواقعية، فكانت اتفاقيات التطبيع بداية من مصر لتشمل بعد ذلك دولا عربية أخرى والقطار سائر إلى حيث لا ترغب العقول الحرة. إلا أن هذا النهج لم يؤد سوى إلى نتائج كارثية على مستويات عدة؛ أولها تآكل العلاقة المواطنين العرب بحكوماتهم واختلال موازن القوى الاقتصادية لمصلحة الاحتلال في ما يشبه نهب مقنن لخيرات المنطقة أمام أعين الجميع، الشاهد هنا دولة الأردن وما ترتب عن اتفاقية وادي عربة من محدودية المنافع نسبة إلى المضار التي لحقت الاقتصاد والمديونية العامة وما إلى ذلك وتصدير الغاز من طرف مصر بشروط تفضيلية.

كان الأمل والهدف المعلن من وراء هذا التطبيع قيام دولة فلسطين، ولو على حدود سنة 1967، من خلال جر عربة السياسة بحصان الاقتصاد. لا شيء من هذا حصل ولا يوجد أي بصيص من أمل في هذا الاتجاه، بل ما حدث طوال هذه العقود من بناء المستوطنات وقطع أوصال المناطق الفلسطينية، ضرب في الصميم إمكانية تطبيق مثل هذا الطرح أو حتى الجزء اليسير منه. لتنكشف الحقيقة عارية من مساحيق الدبلوماسية والتسويق الإعلامي؛ العرب خسروا عسكريا ويخسرون دبلوماسيا، وبدا وضعهم الحالي كأنهم استسلموا ولم يعد يهمهم أن تصفى القضية الفلسطينية ولا أن تدمر الرموز الإسلامية في القدس أو أن يباد إخوانهم في غزة. بيد أن حالة الانهزام العربية على المستوى الرسمي قابلها على مستوى الجماهير إيمان قوي بإمكانية استرداد الأرض والتفوق والانتصار ورد الاعتبار وتحويل الانكسار إلى أمل، وهذا ما ستقوم به حركات المقاومة بإمكانياتها المتواضعة مقارنة مع يتوفر للعدو من جيش نظامي يضم آلاف الجنود وآلة عسكرية ضخمة ومتطورة ووسائل تكنولوجية وأجهزة استخبارات عالية التكوين، إضافة إلى الدعم العسكري والمادي والدبلوماسي والإعلامي غير المحدود من طرف الغرب.

الملاحظ خلال هذه الحرب الوحشية، قدرة المقاومة على الصمود عسكريا ونجاعة إدارتها للمعارك رغم الحصار المطبق على جغرافية المنطقة الضيقة، واستطاعتها الحفاظ على الأسرى لديها رغم المجهود الاستخباراتي الجبار الذي يوظفه الاحتلال وحلفاؤه، لتبث معادلة جديدة عجزت عن فعلها الجيوش العربية الرسمية بكل أجهزتها التي تصرف عليها أموال طائلة، ويوم المواجهة تندحر في بضعة أيام كما حدث في مناسبات سابقة. كما أن همجية العدو وانتشار صور الدمار وجثت الأطفال والنساء والمسنين وآلاف الجرحى والمصابين ملقاة على الأرصفة أو تحت أنقاض البنيات، جعل شعوب العالم تنتفض في ما يشبه تحطيم لرواية مظللة حاول الاحتلال بناءها منذ خمس وسبعين سنة وعادت القضية الفلسطينية ليحملها أحرار الكون على أكتافهم، بمختلف أجناسهم ومشاربهم السياسية والثقافية، وهو أمر إن استمر سيكون له أثر إيجابي عظيم على مستقبل القضية الفلسطينية.

الدروس عموما وافرة، منها الظاهر الواضح لا يحتمل أي تأويل ومنها المرموز الذي يجب أن يلتقطه من يهمه الأمر ويحلل شيفرته. في المحصلة، نحن أمام مرحلة كاشفة، أزاحت الغطاء عن عيوب أنظمتنا وأبانت عن مواقف إلى أمد قريب كانت مضمرة وأثبتت أن المحتل لا يؤمن إلا بمفهوم الإخضاع والخضوع ولن يرضى علينا إلا خاضعين لرغبته، مطيعين له، وما عدا ذلك مثل الترويج لعلاقات متكافئة لا يعدو كونه وهما. لقد رسمت المقاومة نهجا جديدا غير مباشر لتحقيق الأهداف سبقنا إليه البعض وجنى ثماره منذ سنوات.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة