دروس من وفاة الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ

دروس من وفاة الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ
الخميس 22 مارس 2018 - 16:04

بمناسبة وفاة الفيزيائي البريطاني ستيفن هوكينغ في الأيام الماضية، اختلف المعلقون في الإعلام ووسائل التواصل بين ممجد لجهود الرجل العلمية والإلحادية، وبين مهاجم له بسبب معتقده وموقفه من الدين وبعض قضاياه، مع إهمال اعتبار علمه، وبين معتدل ذكر ما للرجل من فضل علمي في مجال تخصصه، دون الخوض بالتفصيل في معتقده ومصيره، كما فعل عمرو خالد…

كان الأجدر بمن اهتم بالموضوع أن يذكر ما ينبغي أن يستفاد من دروس وعبر من حياة أمثال هوكينغ ووفاتهم بغض النظر عن دينه ومعتقده، فاستخلاص الدروس والعبر هو غاية القرآن الكريم من قصصه لعدد كبير من أخبار الأمم الكافرة، ويأمر بالاعتبار فيقول: “فاعتبروا يا أولي الأبصار” (الحشر2)، ومن هذه الدروس التي يمكن استفادتها:

– هوكينغ أكمل دراسته الجامعية وحصل على الدكتوراه بعد إصابته بالمرض الذي سبب له الإعاقة التي زادت حدتها مع الزمن، وحرمته من المشي بل حتى من الكلام بطريقة عادية، وكان لا يستطيع التكلم سوى بواسطة جهاز حاسوب بصوت اصطناعي تحول إلى سمة مميزة له.

كل ذلك لم يمنعه من سبق الأصحاء فقطع أشواطا في البحث العلمي، وأنتج دراسات طارت شهرتها في العالم منها كتابه “تاريخ موجز للزمن” عام 1988، الذي بيعت منه ملايين النسخ… فيمكن أن نستفيد من ذلك العزيمة والطموح والإصرار، وحب المعرفة وتحدي الصعاب والصبر الطويل على تحصيل العلم، فمن حكمه: “انظروا إلى النجوم وليس إلى أقدامكم”. ومثل هذه الدروس أصبحت ضرورية في زمن تعاني فيه مدرستنا من ضعف رغبة المتعلمين في التعلم وظهرت تبعا لذلك ظواهر العنف والشغب والهدر المدرسي…

– من دروس هوكينغ أن الإعاقة لا ينبغي أن تكون سببا لليأس والإحباط والقنوط، والسلبية في الحياة، فرسالته بفعله قبل قوله إلى كل ذي إعاقة أن يفكر فيما يمكنه القيام به ويجتهد فيه ليصل إلى ما يريد.

– مما يستفاد من قصص أمثال هوكينغ الذين لم تمنعهم إعاقتهم من النجاح العلمي تصحيح نظرة الناس إلى هذه الفئة من المجتمع، وأن العاجز عن المشي أو الحركة قد يقدر على أشياء كثيرة لا يقدر عليها أبطال العدو من الأصحاء، كما أن فاقد البصر قد يقدر على أشياء يعجز عنها المبصرون، وقس على ذلك مختلف الإعاقات أو الاحتياجات الخاصة كما يعبر البعض، أو القدرات الخاصة كما سماها أحدهم.

– نجاح هؤلاء في منظومات التعليم الأوروبي يفرض علينا السؤال عن مدى استيعاب منظومتنا التعليمية للمتعلمين ذوي الاحتياجات الخاصة؟ ومدى توفر الأطر المتخصصة في تدريس كل نوع منهم بحسب أثر إعاقته على التعلم؟

– هوكينغ لم يكن طالبا متفوقا في دراسته الثانوية، إلا أنه لحسن حظه لم تطرده المدرسة كحال مدارسنا التي تستعجل التخلص من المتعلمين، خاصة بعد استكمال التعليم الإعدادي، فتنتقل نسبة النصف منهم أو أقل إلى التعليم الثانوي، فيما لا يطرح السؤال عن مصير الألوف المؤلفة التي تغادر المدرسة، فقد ذكر الخبير التربوي الدكتور محمد الدريج عددا مهولا لما قال: “ما بين 350 و400 ألف من الأطفال يغادرون المدرسة النظامية سنويا قبل بلوغهم سن 15 دون أي مستوى تعليمي أو تكوين مهني ودون شهادة… مع مخاطر عودتهم إلى الأمية والتحاقهم بالشارع…” (مجلة علوم التربية العدد 60 ص: 8) أفلا يحق السؤال عن حجم الطاقات المهدرة التي لم يتم اكتشاف نوع الذكاء الذي تتميز به، وحكم عليها بأنها فاشلة وحسم أمرها بالفصل أو الانقطاع؟

– هوكينغ يمكن وصف حاله في قضية الإيمان بوجود خالق بالتردد والتذبذب، الذي قد يكون للدين المحرف الذي عرفه في بيئته أثر فيه، لأنه من الصعب أن يقتنع عالم كبير مثله بمعتقدات النصرانية المحرفة، ومن ذلك الاعتقاد بأن عيسى ابن الله أو هو الله… وما أشبه من المعتقدات والخرافات التي كان لها أثر كبير في صناعة الإلحاد في أوروبا، فكثير من العلماء تكونت لديهم كراهية للدين ومعتقداته، فاجتهدوا في البحث عن تفسيرات علمية بعيدة عن المعتقد الديني، فيقبل التفسير العلمي وإن كان أضعف حجة وبرهانا من التفسير الديني، فأصبح هذا النوع يقبل تصديق خرافات بعض العلماء التي لا دليل عليها ولا يقبل الحقائق الدينية ولو مع الدليل.

وهوكينغ قد خالفه كثير من علماء الفيزياء في كثير من نظرياته، خاصة التي لم يبرهن عليها بأدلة مقنعة وبقيت افتراضات نظرية كقوله بتعدد الأكوان، ورد عليه كثيرون في محاولته الهروب من تفسير خلق الكون بوجود خالق، ومن كتبه المشهورة كتابه “التصميم العظيم” الذي رد عليه الدكتور حسن اللواتي بكتاب بعنوان: “المصمم الأعظم” قراءة نقدية في كتاب التصميم العظيم لستيفن هوكينج، من نشر المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية ط 2017 (الكتاب متاح للتحميل من موقع المركز).

هوكينغ خلط بين الفلسفة والفيزياء ويمكن القول إنه جعل الفيزياء في خدمة الفلسفة وإن كان يدعي موتها، ربما بدل أن يميتها هي التي أماتته، وأماتت نظرياته الفيزيائية بنظرياتها الفلسفية في الوجود، فإذا كان هوكينغ قد سخر من بعض النصوص الدينية من الإنجيل المتصلة بمجال تخصصه نظرا لتناقضها مع العلوم، فما عذر الملحدين المقلدين في بلادنا الذين يجعلون القرآن الكريم والإنجيل المحرف في سلة واحدة، رغم ما تضمنه القرآن من آيات كثيرة تحث على إعمال العقل وطلب العلم، والبحث في خلق الكون، وترفع من قدر العلماء…؟ وبدل أن يثبت العلم تعارضه مع القرآن أثبت عكس ذلك، مما أعطى لعلماء المسلمين في مختلف العلوم مادة علمية هائلة اصطلحوا عليها الإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

– هوكينغ له مواقف مشرفة من القضية الفلسطينية، ودعم المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، فقد رفض تلبية دعوة إسرائيلية لحضور مؤتمر دولي عام 2013 يضم شخصيات دولية كبرى بسبب السياسة الإسرائيلية مع الفلسطينيين، فضلا عن دعوته إلى وضع حد للحرب في سوريا واعتباره غزو العراق مبنيا على افتراضات وأكاذيب. هذا في الوقت الذي يتسابق فيه بعض ملحدي العرب والأمازيغ على زيارة إسرائيل، سرا وعلانية. فهل يتعلم منه العقلانيون الإنصاف ونصرة المظلوم ورفض الظلم ومقاطعة الاحتلال؟

– لوكينغ من العلماء الذين حذروا البشرية من المخاطر المحدقة بكوكب الأرض بسبب ما جنته يد الإنسان، ومن ذلك التلوث والاحتباس الحراري، وانتقد انسحاب أمريكا من اتفاقيات المناخ، وحذر من مخاطر ما راكمته الدول المتنافسة من أسلحة نووية وكيماوية تزيد عن الكمية الكافية لتدمير الحياة على الأرض، فمن اقتراحاته كحل للمشكلة التفكير في العيش على كوكب آخر لأن الخطر قادم لا محالة…

والدرس المهم هنا هو توجيه الإسلام للإنسان في تعامله مع بيئته وتحريمه الإفساد في الأرض بكل أشكاله، فقد تكرر في القرآن الكريم النهي عنه بقوله تعالى: “ولا تفسدوا في الأرض…” (الأعراف 56)، ويأتي النهي عن الإفساد في الأرض في بعض السور مقرونا بدعوة الرسل أقوامهم إلى توحيد الله وعبادته، في إشارة واضحة إلى اقتران صلاح إيمان الإنسان وعبادته، بصلاح تعامله مع عناصر البيئة من حوله، كما أن العلم في الإسلام مرتبط بالنفع، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من علم لا ينفع فيقول: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ…”، ففي الحديث الاستعاذة من كل علم لا نفع فيه، وفيه إشارة مهمة إلى تحفيز المسلمين على تعلم جميع العلوم النافعة…

أختم بأن كل من مات ولم نعلم حقيقة ما مات عليه في آخر لحظات حياته لا ينبغي التجرؤ على الحديث في مصيره بالجنة أو النار، وذكر محاسن الموتى مما أمر به الشرع، أما ذنوبهم فيبقى احتمال توبتهم منها قائما ولو في آخر لحظة من حياتهم، فإذا كان إدراك حال الإنسان عند موته في حكم النادر، فمن السلامة كف اللسان عن الخوض فيه، ومن رحمة الإسلام أن نشفق على الخلق ونرحمهم ونتمنى هدايتهم، وقدوتنا في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي حزن على موت عمه مشركا، وكان كثير الحسرة على تكذيب قومه حتى أرشده الله وخفف عنه بقوله: “فلا تذهب نفسك عليهم حسرات” (فاطر8) وإن النبي – صلى الله عليه وسلم – مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: “أليست نفساً”، رواه البخاري، كتاب الجنائز، باب من قام لجنازة يهودي، ورواه مسلم، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة.

*باحث في الدراسات الإسلامية

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • sabah turki
    الخميس 22 مارس 2018 - 18:25

    أفضل تعليق حول جدلية تقييم العالم الانكليزي ستيفن هوكنز الذي يتسم بالموضوعية في ابراز الجوانب الايجابية في حياته والاستفادة من منجزاته وتجربته في الحياة.

  • Mohamed
    الخميس 22 مارس 2018 - 18:54

    الحقيقة أن اتجاه العالم هو الإلحاد أو اللادينية, أو اللاأدرية أو الربوبية.

    السبب هو أن العلم الحديث أثبت أن جميع الأديان مجرد صناعات بشرية.

    مثلا, العلم الحديث يقول بما لايدع مجالا للشك أن عمر البشر في ازدياد وليس في تناقص, بينما الاسلام يقول أن عمر الانسان كان بمئات السنين في القديم.

    العلم يقول أن البشر تطوروا من بشر قدماء, تطوروا بدورهم من الهوموايريكتوس, والاوسترالوبيثيكوس, الى القردة القديمة, التي تفرعت من الثديات القديمة والتي بدورها تفرعت من الزواحف والاسماك, بينما الدين يقول أن ادم نزل من السماء بعد اكله من الشجرة.

    العلم يقول أن طول البشر ازداد مع مرور الوقت, بينما الدين يقول أن آدم كان طوله ستين ذراعا.

    العلم يقول أن الحياة بدأت على الأرض من الكائنات الوحيدة الخلية, التي تطورت الى كائنات متعددة الخلايا, وتطلب الامر اكثر من 2 مليار سنة لكي تتطور كائنات بحرية بدائية. بينما الدين يقول أن الكائنات خلقت بكن فيكون.

    هذا والدين عموما مُتجاوز اليوم من حيث الأخلاقيات : ماذا سنفعل اليوم بالسبي وملك اليمين مثلا؟

    لهذا الاسباب وغيرها أرى أن الاديان ستختفي مستقبلا.

  • مغالطات عقدية-Assiif
    الجمعة 23 مارس 2018 - 10:41

    من الصعب أن يقتنع عالم كبير مثله بمعتقدات النصرانية المحرفة، ومن ذلك الاعتقاد بأن عيسى ابن الله أو هو الله… وما أشبه من المعتقدات والخرافات التي كان لها أثر كبير في صناعة الإلحاد في أوروبا، فكثير من العلماء تكونت لديهم كراهية للدين ومعتقداتهولا يقبل الحقائق الدينية ولو مع الدليل"

    الأستاذ يرتبط الإلحاد بتحريف الكتاب المقدس للمسيحيين، وكأن لاعلاقة له بالإسلام.وهذه أمور عقدية لا علاقة لها بالتحليل الموضوعي.والكل يعلم بالتهم التي تتقاذفها الديانات الإبراهيمية الثلاث فيما بينها،بغض النظر عن غيرها. وكل واحد يعتقد بأن دينه هو الصحيح ويكيل لغيره…
    أسأل الكاتب إن إطلع على الاتهامات الموجهة للإسلام ؟أم يفضل القصف من بعيد دون أن يحرق أصابعه؟
    الفكر الإلحادي–أيها الأستاذ العظيم- يؤثثه رفض المنطق الديني بجميع تجلياته المتعارف عليها منذ بداياته الخرافية،ولا فرق في ذلك بين مسيحي،مسلم أو يهودي …
    حتى الربوبيون لديهم منطقهم الخاص،ويجمعون على عدم الإيمان بالآلهة الدينية وفي مقدمتها الإبراهيمية …
    فالمرجو عدم تضليل القراء، وحشو الأدمغة الساذجة بمغالطات لا تسيء في الأخير إلا لأصحابها…
    Azul

  • mimou
    الجمعة 23 مارس 2018 - 16:07

    ا لدكتور محمد شحرور فاق ستيفن هوكن في تحليل امور معقدة
    لاكن الفرق بنهم ان الاول زاده علمه ايمانا والثاني علمه زاده عناد الى عناد
    حيث غاب عليه ان المعرفة الكاملة بالنسبة للانسان امر مستحيل .

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية

صوت وصورة
احتفالات بالعيون
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:29 1

احتفالات بالعيون

صوت وصورة
هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 22:30 7

هلال يفكك تناقضات السفير الجزائري

صوت وصورة
مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 21:41

مباشر.. ميطا 3 | أزمة التحكيم

صوت وصورة
فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 20:22 29

فيتو روسي ضد مشروع قرار حول الصحراء