رأي نقدي في تدريس الفن بالمغرب

رأي نقدي في تدريس الفن بالمغرب
الأربعاء 1 أكتوبر 2025 - 16:27

إلى روح الأستاذ المناضل والناقد الفني جعفر خطابي

​”الفن هو التعبير عن الإحساس.” روبن جورج كولينجوود

​هل الفن تعبير فعلي عن الإحساس؟ هذا التساؤل، الذي يمكن استنباطه من مقولة الفيلسوف الإنجليزي روبن جورج كولينجوود، يدعونا للتفكير بعمق في ماهية الفن ودوره الحقيقي. إذا كان الفن انعكاسًا للمشاعر والأحاسيس، فماذا يمكن القول عن المناهج التي تحصره في قوالب جامدة ومنمّطة، تجعله مجرد محاكاة واستنساخ بدلًا من أن يكون إحساسًا فرديًا أصيلًا؟

​لا شك أن كل مهتم بتدريس الفنون التشكيلية في المغرب سيلاحظ تعدد وتدرج مدارس ومذاهب تدريس الفنون، وأنواعًا مختلفة من التقنيات والمهارات التي تهدف إلى تقديم دروس نظرية وتطبيقية للطلاب. لكن السؤال الأساس لهذه الدروس يظل مرتبطًا بديداكتيك تدريس الفن، أي منهج تلقين الفن وطرائق تدريسه للطلاب. إنه، بتعبير أدق، العلم المرتبط بسيرورة عملية التدريس. فكما أن لكل مادة من المواد التي تُدرَّس في المؤسسات التعليمية ديداكتيكًا خاصًا بها، فإن للفن أيضًا ديداكتيكًا وبيداغوجيا ومناهج متعددة لتدريسه. وعلى هذا الأساس، فما طبيعة وخصائص ديداكتيك الفن في المغرب؟ وعلى أية أسس ومقومات يقوم هذا الديداكتيك؟

تحديات تدريس الفن في المغرب

يبدو جليًا أنه من الصعب على كل من الفن والفلسفة أن يُحصرا ضمن ديداكتيك معين مقارنة بالتخصصات المعرفية الأخرى، بل إن الفن نفسه خرج من رحم الفلسفة. وهذه مسلمة لا يجادل فيها فنان مبدع. من هذا المنطلق، ارتبط الفن التشكيلي وغيره من الفنون التي تُدرَّس في المعاهد في الوطن العربي عامةً وبالمغرب خاصةً، بعملية اجتهاد خاصة بالأستاذ/الفنان. هذا الأستاذ يدرّس في غالب الأحيان مجال تخصصه أو نفس موضوع شهادة تخرجه، أو شهادة الأستاذية، أو دبلوم الدراسات العليا الذي أنجزه خارج الوطن، أو شهادة دكتوراه. ولا نستغرب أن يُدرّس مادة من مواد الفن لا علاقة له بها على الإطلاق. ومن المحقق أن طالب الفن، حسب هذا المعنى، قد تم تنميطه وخندقتُه في نطاق أفق تفكير أستاذه، ورهن تصوّره البصري. هذه المسألة قد تُقبل في السنة الأولى من التكوين، لكن أن يصاحب هذا التوجه مسيرة الطالب التكوينية بأكملها، فهذا أكبر خطأ يعتري التوجه البصري والتكويني في معاهد الفن لدينا.

أضف إلى ذلك، أن الطلاب أصبحوا محاصرين داخل سلطة أساتذتهم الفنية، ولم يُسمح لهم بالخروج منها، وإلا تعرضوا للعقاب المرتبط بـ”النقطة”. المعيار هنا هو إرضاء الأستاذ، وليس فتح أفق للتفكير البصري أمام هذه الفئة التي حصرها هؤلاء في محطة أولى من محطات التعلم، ولم ترتقِ للمحطات الأخرى لكي تعانق الإبداع وتكتشف أسراره الدفينة.

و​لكن، للأسف أيها السادة الأساتذة، أما آن لكم أن تدركوا أن طلابكم لا يفهمون؟ نعم! لا يفهمون حقيقة الفن وجوهره، تلك المهمة الملقاة على عاتق من يمتلك حسًا وشعورًا فنيًا لخلق الأفكار الجمالية. لقد سجنتم طلابكم في زنزانة توجهاتكم ومدارسكم الفنية! اتركوا لهم الفرصة لكي ينسجوا على منوالهم، ويبرزوا لنا ما حصدوه من ثمار أزهاركم طوال سنوات التكوين والبحث.

الفلسفة: حلٌّ لتحرير الفن والإبداع

إن وظيفة الفن، كما حددها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه المشترك مع فيليكس غواتاري “ما هي الفلسفة؟”، هي وظيفة خلق الأفكار الجمالية. أما العلم، فوظيفته ارتبطت بخلق التخصصات والمعارف، بينما الفلسفة فوظيفتها صناعة وإبداع المفاهيم. فدعوا طلابكم يخلقون الأفكار الجمالية ويسارعون إلى تفعيلها.

لا ريب أن ديداكتيك الفن لا يمكن أن يكون مجرد مقاطع جوفاء من دروس نظرية أو تطبيقية. إنه ديداكتيك قائم بذاته، يسائل الفنان ويقدم له الإجابة، ويطرح أسئلة أخرى ترتبط بفلسفة تدريس الفن، وهي فلسفة عمادها تاريخ الفن ومذاهبه كما مارسه محترفو الفن ورواده، فضلًا عن أن مستقبله رهين بما تعرفه العلوم من تطور ومعارف في شتى المجالات.

أما أولئك الذين ما زالوا يعتقدون أنهم قساوسة الفن ورهبانه وكرادلته، فإنهم يقولون قولًا بائسًا يعود بنا إلى القرون الوسطى، زمن الوصاية الكنسية الإكليروسية!

لقد آن الأوان لكي نقول بأنه انكشف المستور يا قساوسة الفن وكرادلته؛ لم تعودوا حماة الإبداع كما تدّعون، بل أوصياء متخشبون على قوالب بالية. ما عدتم إلا صورة كاريكاتورية لكهنوت فني يُعيد إنتاج الانغلاق ويُصادر حرية طلابكم. لكن اعلموا أن زمن الوصاية قد ولّى، وأن جيلًا جديدًا من طلابكم يستعد لخلع عباءتكم الثقيلة، وشن ثورته الخاصة عليكم، ثورة تحطم جدران كنيستكم الرمزية، وتفتح أبواب الفن على رحابته الأولى: الحرية، التجريب، وكسر التقاليد الجامدة. إنهم لن يرددوا قداسكم البائس، بل سيكتبون أناشيدهم الجمالية بأنفسهم، ويقيمون محرابهم في فضاء أرحب، لا وصاية فيه إلا للإبداع.

وقد صدق الأستاذ الفنان التشكيلي محمد شبعة حينما قال مخاطباً هؤلاء وهو يوجه طُلاّبه نحو المسار الذي ينبغي عليهم اتباعه: “اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه استقلاله وتميزه”.

إن استقلال التشكيل وتميزه، حسب هذا المعنى، يكمن في تحرره من كل ما هو جاهز ونمطي، ساد على مر العصور داخل الأعمال الفنية التي كانت نموذجًا بصم على مخيلة الفنان المغربي ولم يتخلص منه، بل إنه ظل يتكرر بطريقة أو بأخرى. مما جعل المتلقي الغربي يُصنّف التشكيل المغربي في قالب بعينه، وهو قالب التشكيل الفلكلوري من خلال الموضوعات التي طغت داخل دور العروض، وهي في الحقيقة موضوعات ظلت مشتركة بين الفنانين آنذاك وما زالت إلى حدود اليوم. ولهذا، فإن المعنى الحقيقي للتشكيل لا يمكن أن يستوعبه طالب الفن إذا لم يعمل على بناء ركيزة فلسفية منهجية يقوم عليها تفكيره الفني والجمالي، الشيء الذي سيؤدي حتمًا إلى فتح آفاق رحبة للخروج من دوامة إعادة الإنتاج نحو الإبداع، أو بتعبير آخر: من الرسم الضيق إلى الجماليات الرحبة.

لذلك، فإن استحضار الفلسفة في بعدها الجمالي في الدرس التشكيلي داخل معاهد الفنون هو الكفيل بإخراج الفنان من مجرد مهارات تقنية إلى وعي إبداعي يُمكّنه من بناء تجربة خاصة لا تنسج على منوال الآخرين، بل تُجسد فرادته ورؤيته الجمالية والفكرية. ومن ثَمَّ، يستطيع المتعلّم أن يشق مسارًا متفردًا يمنح أعماله قيمة علمية وجمالية متميزة من شأنها أن تنقله من الفنان الحِرفي إلى الفنان المُبدع.

على سبيل الختم

يتضح جلياً أن الفلسفة ليست مجرد إضافة أكاديمية للدرس التشكيلي، بل هي جوهره وعمقه الحقيقي. فبينما تُعنى التقنيات الحرفية بتعليم الفنان كيفية الرسم أو النحت، فإن الفلسفة هي التي تمنحه القدرة على فهم لماذا؟ و ماذا؟ يرسم. وهذا في حقيقة الأمر تحوّل من الصناعة الحِرفية إلى الوعي الإبداعي حتى يفتح آفاقًا جديدة للفنان، ليتحرر من قيود التقليد ويُطلق العنان لرحلة البحث عن ذاته وتجربته الخاصة التي يتأسس عليها أسلوبه الفني. إن الفنان الذي يطرح الأسئلة الكبرى حول الوجود، والمعنى، والجمال، لن يكتفي أبدًا بنسخ الواقع، بل سيسعى إلى تقديم رؤية فريدة تنبع من تفكيره الخاص، تمنح أعماله قيمة جمالية تعبيرية، وأخرى فكرية إبداعية. وتحقيقًا لذلك، فإنه لا بد من استحضار تصور الناقد الفني والكاتب أندريه مالرو الذي بيّن أن الفن هو الثورة الوحيدة الدائمة، لكونه يُحرر الإنسان من قيود الزمن والمكان. ويُجسّد هذا التصور جوهر العلاقة بين الفن والحرية، إذ لا يمكن للفن أن يُولد أو يتطور في بيئة تقمع الخيال أو تكبل التعبير. فالفنان حين يُبدع، يُمارس أرقى أشكال التحرر من القيود المفروضة عليه، سواء كانت سياسية، اجتماعية، أو حتى نفسية. إن الفن في عمقه، ليس فقط تمثيلاً للواقع بل تجاوزا له، وتعبيرا صادقا عن الرقي الإنساني إلى الانعتاق والتدفق المستمر في الأفكار والمعاني.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • MC
    الخميس 2 أكتوبر 2025 - 06:39

    “.Creativity is allowing yourself to make mistakes. Art is knowing which ones to keep”

    “الإبداع هو السماح لنفسك بارتكاب الأخطاء. الفن هو معرفة أيها يجب الاحتفاظ به.”

    (Scott Adams)

    “الفن ليس مجرد تقنية، بل هو حكاية الإنسان التي تُروى بألوان روحه وأشكال خياله.”

    أستاذ محمد،
    إن نقدك الواعي والصريح لتدريس الفنون التشكيلية في المغرب يسلط الضوء على واقع مؤلم يعانيه الطلبة والفنانون الناشئون، حيث يتم تقييدهم داخل أطر جامدة تحكمها أجندات وإرث نظري أثقلته أيدٍ لا تعرف سوى التقليد. هذه القيود لا تنظُر إلى الفن كرحلة بحث وتجريب، بل كحفظ وحفظ ببراعة مهارات قديمة تُكرَّر دون وعي أو إبداع، وكأن الطلاب آلات نسخ لا فرسان معارك جمالية.

    إن ما تطرحه من ضرورة دمج الفلسفة ورفع النقد الذاتي في ديداكتيك الفن، ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة حتمية لتحرير الإبداع، لأن الفن الحقيقي ينمو في بيئة تطرح الأسئلة ولا تكتفي بالإجابات، تعانق التساؤل ولا تقمعه.

    “إن الطالب الذي يتعلم كيف يسأل، أهم بكثير من الطالب الذي يكتفي بأن يجيب، ففي السؤال تنبض شرارة الفن، وفي الفن تنبض حرية الحياة.”

    ALHOCEIMA

  • سفيان أوتحلات
    الخميس 2 أكتوبر 2025 - 14:40

    عزيزي ثيو:
    إلى أين تمضي الحياة بي؟ ما الذي يصنعه العقل بنا؟ إنه يفقد الأشياء بهجتها ويقودنا نحو الكآبة…

    … إنني أتعفن مللا لولا ريشتي وألواني هذه، أعيد بها خلق الأشياء من جديد.. كل الأشياء تغدو باردة وباهتة بعدما يطؤها الزمن.. ماذا أصنع؟ أريد أن أبتكر خطوطا وألوانا جديدة، غير تلك التي يتعثر بصرنا بها كل يوم.

  • سفيان أوتحلات
    الخميس 2 أكتوبر 2025 - 18:25

    L’œuvre artistique n’est art que parce qu’elle est libre. Quel serait donc le sens de l’art, s’il ne résidait pas dans la transmission d’une expérience spirituelle intime et dans l’incarnation de notre regard sur le monde en nous et autour de nous ? Un art incapable de poser des questions ou de s’affranchir de l’ordinaire demeure rigide et froid. La pensée philosophique, elle, a le pouvoir de sauver l’art des formes de momification et d’anesthésie auxquelles l’esprit humain est condamné en notre époque, époque qui voudrait réduire toute œuvre libre et créatrice à l’état de dépendance, d’imitation, de soumission, et de fidélité aveugle à l’idée du « Père ». Je ne sais pas pourquoi vous m’avez fait penser à ce texte de Van Gogh que j’ai lu en arabe et que je voudrais tellement partager avec vous :

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 2

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك