رحل الأستاذ وبقي الدرس .. الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي

رحل الأستاذ وبقي الدرس .. الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 05:00

في ذلك الزمان الغابر، أي في بداية الستينات، كانت قرية غفساي في الشمال الغربي للمغرب مجرد قرية هامشية في أحواز مدينة فاس، ولم يكن اسمها يذكر إلا كلما أثير الحديث عن جيش التحرير، لأن غاباتها الكثيفة المترامية كانت أحد المعاقل للرجال الذين حملوا السلاح لتحرير المغرب.

وبالطبع، لم تكن فيها بعد مؤسسة ثانوية لاستقبال تلامذة المنطقة الذين كانوا يتوجهون إما إلى ثانويات مدينة فاس أو بلدتَي تاونات، وبامحمد.

ولما أكملت دراستي الابتدائية، شددت الرحال مع أحد أصدقاء الطفولة إلى قرية با محمد. وبعد ما يزيد عن ثلاثة أشهر من انتظار عقيم لالتحاق الأساتذة الفرنسيين بالمؤسسة، ارتأى والدي رحمه الله أن يلحقني بمدينة فاس خوفا من ضياع سنة كاملة من الدراسة.

وهكذا رأيتني بصحبته ذات صباح للالتحاق بثانوية المولى رشيد بفاس كتلميذ متأخر عن زملائه بما يقرب من ثلث سنة دراسية.

وإن أنسى فلن أنسَ الصعوبات الجمة التي وجدتها في التأقلم مع محيطي الجديد؛ فمن جهة، كان بعض التلاميذ لا يرحمون ولا يتفهمون وضعيتي المعقدة، فكانوا يتخذون مني موضوعا شيقا للتنكيت والسخرية على اعتبار أني جبلي “قفوح” أي بليد متخلف، (وكانت تلك هي النظرة التي كان يحملها جل الفاسيين تجاه كل قادم عليهم من البادية)، فكان بعضهم لا يتوانى بالنداء علي في الاستراحة: تعال يا ولد خلاعين البيصارة… والآخر يناديني: أجْبالة البَلا..

والآخر يسخر من لهجتي الجبلية ويقلدها بكثير من المبالغة لإضحاك أصدقائه. وزاد في الطين بلة أني كنت لا أقوى على رد أي فعل، نظرا لالتزامي بما أوصاني به والدي من انضباط ونأي عن إثارة المشاكل.

وهكذا كنت كلما دخلت إلى حصة جديدة، سارع بعض المشاغبين لرفع أصبعه متوجها إلى الأستاذ ومشيرا إليّ باسما بتخابث:

ـ أستاذ.. أستاذ.. تلميذ جديد.. جبيلو نازل من “الأرية” (القرية) بلكنة أهل فاس.

فكان الأستاذ يدعوني إلى السبورة ويطلب مني أن أصحب معي دفتر المادة التي كان يُدرسها. وكنت ألبي دعوته ولكن بدون دفتر.. إذ كيف أعطيه دفترا وأنا لم أدرس في تلك الأشهر التي قضيتها بالقرية سوى مادتي العربية والفرنسية، وبمستوى قسم الشهادة فقط.

وحين كان يسألني، كانت لهجتي الجبلية مع تلعثمي يثيران في القسم ضجة صاخبة من الضحك..

وذات مرة، دعتني إلى السبورة أستاذة العلوم الطبيعية السيدة أندريو وطلبت مني الدفتر مع مقرر المادة، ولما أجبتها بالنفي، أخذت من أحد التلاميذ دفتره وفتحته أمامي، فدهشت وأنا أرى رسوما لجماجم الأرانب والكلاب والقطط..

فقلت في نفسي مستغربا: أي لَهو هذا الذي ينشغل به التلاميذ بدراسة عبثية حول الحيوانات ويتركون المواد العلمية الجدية؟

وكان موقفي كذلك مع أستاذ الرسم والتاريخ والجغرافيا وأستاذة الفيزياء

والكيمياء التي كانت زوجة الحارس العام السيد طالب، الجزائري الجنسية.

ونفس الشيء حصل لي مع أستاذ الرياضيات، المدعو سلطان الذي كان يهوديا فرنسيا طويل القامة، أصلع الرأس، أبيض البشرة، أفطس الأنف، لا تعرف الابتسامة طريقها إلى فمه أبدا.

فمدني بأصبع طباشير وقال لي أكتب:

(a + b)² =

فكتبت بكل سذاجة:

A plus b au carré égal…

فلم أشعر إلا وصفعة مدوية تلهب وجهي وتشعل نجوما أمام ناظري..

فقد اعتقد الأستاذ الفظ بأني أسخر منه، وكانت تلك هي ردة فعله اللطيفة التي لم يكن التلاميذ ينتظرون غيرها كي يضجوا بضحك متواصل ويزيد يقينهم ترسخا بأني بليد حقا بل ومتجذر في البلادة.

والحقيقة أن الأمور لم تنفرج إلا عند لقائي في الحصة الثانية بالسيدة أندرو، أستاذة العلوم الطبيعية التي كانت في منتهى الرقة واللطافة، وهي بالمناسبة زوجة أستاذ الفرنسية، حيث أفهمتني بأن علي أن أشتري كتابا ودفترا للعلوم الطبيعية وأن أنسخ كل الدروس التي فاتتني، كما أوكلتني إلى تلميذ اسمه اعبابو كي يساعدني على ذلك. وأعتقد أنها أوصت زوجها بي خيرا لأني في أول لقاء لي به وجدته طيبا متفهما، خصوصا عندما استحسن مستواي في مادته.

وجاءت حصة الرياضة البدنية وكان المسؤول عنها إن لم تخني الذاكرة الأستاذ الحبابي أو بن جلون، وبالطبع، لم تكن معي بذلة للرياضة، فكان الرجل متساهلا وتركني أشمر أكمام سروالي وأجري مع زملائي تحت ضحكهم الساخر.

وفي المساء، هاتفت والدي واشتكيت له وضعيتي، فقدِم على الفور وصحبني عند الحارس العام، الذي عدد له كل ما أنا بحاجة إليه وطمأنه بأن الأمور ستكون على ما يرام وأني سأستدرك كل ما فاتني من دروس.

وجاء دور أستاذ اللغة العربية، وكما العادة، صرخ بعض التلاميذ عند دخوله:

ـ أستاذ.. أستاذ.. “تلميذ جديد.. يَأول (يقول) بأنه هواد من أغية (قرية) با محمد..”.

دعاني الأستاذ إلى السبورة، وكان أسمر اللون، يميل قدّه إلى القصر ويميزه شارب كثيف ونظارات تملأ جزءا من وجهه، كما كان صلع مبكر قد بدأ في غزو مقدمة رأسه.

كان ذاك هو الأستاذ الفاضل محمد السرغيني، الأديب الكبير الذي توفي قبل بضعة أيام، والذي كان لي شرف التتلمذ عليه في ثانوية المولى رشيد.

أحسست لأول وهلة معه وهو يسألني عن اسمي والمؤسسة التي درست فيها بنوع من السكينة والارتياح، فقد شعرت بأنه أولاني اهتماما بالغا؛ إذ كان لبقا ودودا على شاكلة المعلمين الموهوبين الذين يعرفون كيف يحببون العلم إلى تلامذتهم.

ولا زلت أذكر وكأن الحدث وقع بالأمس، أن درسه دار حول التفاؤل والتشاؤم.

وفي نهايته طلب منا أن نكتب في المنزل إنشاء حول قصيدة للشاعر إيليا أبو ماضي، مطلعها:

كن بلسما إن كان دهرك أرقما وحلاوة إن صار غيرك علقما

إن الحياة حبَتك كل كنوزها لا تبخلن على الحياة ببعض ما

وفي حصته الموالية، سلمته إنشائي بعدما عصرت ذهني واستعملت كل طاقتي كي لا أخيب ظنه.

وللإشارة، فقد كنت قبلها قد اكتشفت فن الرواية بمحض الصدفة وأنا في القسم المتوسط الأول، وذلك حينما قدم شقيقي الأكبر من فاس ذات مرة وقد كان يدرس في جامعة القرويين، وصحب معه رواية للكاتب صالح جودت عنوانها “عودي إلى البيت”. صالح هذا لم يكن غير صاحب قصيدة حبيب الشعب التي غنتها أم كلثوم بعد إعلان الزعيم جمال عبد ىالناصر تنحيه عن الحكم بعد النكسة، كما كان مبدع الثلاثية المقدسة التي جمعتها بالمبدع رياض السنباطي.

كانت تلك أول رواية قرأتها في حياتي، فأبهرتني وشدتني إلى عالم سحري عجيب شعرت فيه بما يشعر به شخص يقدم لأول مرة على تناول مخدر قوي فرفعه إلى عالم سماوي بهيج ليس فيه إلا النشوة والجمال..

ومنذ وقتئذ وأنا أحتال على كل ما كان يصحبه أخي معه من روايات ومجلات أدبية رفيعة كمجلتي ‘الهلال” و”كتابي” فألتهمها وأنا مختبئ تحت سرير لا أرد على نداء أحد.

ثم اكتشفت فنا أدبيا آخر أرهف إحساسي وأضرم النار في جوانحي وجعلني أهيم في حب الحب، وذلك حين اطلعت بالصدفة على المراسلات التي كان يتبادلها شقيقي مع حبيبته التي كانت تستهل رسائلها المشبوبة إليه دائما ب:”إلهي المعبود”، قبل أن يتزوجها ويصبح بالنسبة إليها عدوا من أعداء الله…

ولما جاءت حصة العربية ووزع الأستاذ السرغيني الفروض المصححة على التلاميذ، احتفظ بإنشائي وطلب مني أن أمر إلى السبورة.

وحين طلب مني أن أقرأ عليهم إنشائي، انفرطتْ ضحكات هازئة من هنا وهناك.. ولكن مع تقدمي في القراءة، ساد صمت مريب، أعقبه استغراب شديد شد إلي الانتباه حتى أكملت.

فتوجه الأستاذ إلى التلاميذ قائلا: هذا أسلوب سهل بسيط أريدكم يا أبنائي أن تكتبوا به، فزميلكم كما سمعتم، لم يلجأ إلى حشو أو تكلف، وإنما استعمل الكلمات البسيطة الشائعة فأحسن توظيفها في أسلوب طلق سلس..

ثم التفت إلي مهنئا بحرارة، وسألني عن أستاذي في قسم الشهادة، فلما ذكرته له، هز رأسه قائلا: هذا الاسم ليس غريبا علي..

وبقيت صورة أستاذي الجليل محمد السرغيني عالقة في ذهني إلى اليوم..

وبما أن مدينة فاس العريقة، لا تعدم ولن تعدم مواهب أدبية رفيعة، فقد اتصل بي منها كاتبان شابان هما الأستاذان مصطفى بوينيان وعبد الرحيم كمال وأهداني كل واحد منهما روايتين رائعتين وظفا فيهما ما عاناه المجتمع المغربي في سنوات الجمر والرصاص.

ولما جمعتني بهما جلسة ممتعة في مقهى “أسوان” بفاس سألت عن أخبار أستاذنا محمد السرغيني وأبديت رغبة ملحة في زيارته، فقيل لي بأن المرض قد بلغ به مداه وأنه لن يكون مستعدا لهذه الزيارة.

وبعد مدة، قرأت بالصدفة نصا حزينا نعى فيه الأديب الأستاذ عبد الرحمان الغندور أستاذنا محمد السرغيني، فتأسفت أسفا عميقا على رحيل هذا العلَم الشامخ الذي كان لي شرف التتلمذ عليه قبل 65 سنة.

وتضاعف أسفي لما علمت بأن جنازته لم تكن في حجم مكانته الأدبية الرفيعة..

وهنا تأكدت أن من مظاهر هذه الأزمنة الرديئة، عملقة الأقزام وتقزيم العمالقة..

وتمَلكتني رغبة ملحة لكتابة شيء أدرك أنه لن يرقى إلى قيمة هذه القامة الأدبية الشامخة، ولكنه سيكون على كل حال اعتراف بسيط بالجميل من تلميذ إلى أستاذه.

فهل سنفرح يوما بتسمية شارع أو مؤسسة باسم هذا العلَم الذي أثرى الشعر العربي وشرّف الإبداع المغربي؟

رحمك الله أستاذنا الجليل وجعل الجنة مثواك.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • بوعزة بوعزاوي
    الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 06:05

    درست على يد الفقيد سيدي محمد السرغيني بجامعة محمد بن عبد الله بفاس وكان وقتها يلقي دروسه ومحاضراته عن الشعر الحديث.كنا كطلبة نستمتع بتفكيكه للخطاب الشعري ولرواده بلكنة فاسية وننتظر بشغف كبير حضوره،الاستاذ الجامعي السرغيني الإنسان أولا عرف بطيبوبته ودماثة خلقه.أحتفظ لما يزيد عن 45 سنة بدروسه وأجمل ما فيها حديثه عن الشاعر السوري نزار قباني وإسهاله اللغوي حسب تعبيره ذ . السرغيني،ويومها أمدنا بنص شعري لنزار قباني عنوانه مع جريدة ونص آخر عنوانه Petit déjeuner لJacques Prévertمعتبرا النص سرقة شعرية ولم يستبدل الشاعر السوري سوى العنوان….!!!..
    لروحه الطاهرة الف سلام.

صوت وصورة
العسري يعلّق على تعيين المنصوري
الأربعاء 30 شتنبر 2026 - 05:35

العسري يعلّق على تعيين المنصوري

صوت وصورة
ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:23 2

ميطا 3 | كيف هزم "الأسود" منتخب ليسوتو؟

صوت وصورة
غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 22:22

غضب طلبة طب الأسنان بالدار البيضاء

صوت وصورة
إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 21:31 2

إطلاق "كرسي المرأة والمجتمع"

صوت وصورة
ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:30 12

ماذا يقول مغاربة عن المنصوري؟

صوت وصورة
أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 20:25 6

أجواء فرح بمراكش عقب تعيين المنصوري