رسائل الأرواح، أو “مائة وستون عاما من العشق”؛ سردية للروائي الدكتور السعيد فلاق، هي أولى خطواته في مجال الكتابة الروائية العربية، وضعها بين دفتي كتاب بغلاف جميل من إبداع الشاعر الأديب والفنان التشكيلي منصور الفلاحي، تقع في 226 صفحة من القطع المتوسط، الطبعة الأولى يونيو 2025، مطبعة: ميديا ـ سود، كلميم.
“رسائل الأرواح…” هو عمل إبداعي تضمن رسائل من أرواح طواها الزمن وباتت من الماضي إلى أرواح لا تزال تمارس لعبة الحياة في عالم بقيم وعادات وتقاليد جديدة بعيدة كل البعد عن قيم وعادات وتقاليد هذه الأرواح التي دونت هذه الرسائل.

إن “رسائل الأرواح” هي رسائل حمالة للقيم الإنسانية الحقة ولحقائق تاريخية همشها وأقصتها عملية التأريخ، ما كان للكاتب والروائي الدكتور السعيد فلاق أن يدعها تضيع ويطالها النسيان القاتل. “تلك كانت أسرارا نقلتها إليك فلتروها من بعدي كي لا يضيع التاريخ كما قلت لك” ص 19؛ هذه كانت من وصايا السي بوشتى الشخصية المحورية في النص لمرافقه وصديقه العربي الدريهمات، هي وصية من وصايا عدة تضمنتها “رسائل الأرواح…”، ويبدو أنها شكلت حافزا ودافعا لولادة سردية صاغها الكاتب بأسلوب جميل وبلغة عربية سهلة وسلسة، ونفس صوفي وإنساني، فباتت بذلك نصا جديرا بالقراءة الممتعة والمفيدة.
إن “رسائل الأرواح…” رواية طرحت مرة أخرى إشكالية ماهية التاريخ ومدى مصداقية المؤرخ وجديته في التعامل مع تاريخ أريد له النسيان والتهميش عن سبق إصرار وترصد، هي إشكالية قديمة جديدة سؤالها الجوهري هو: هل التاريخ علم أم فن؟ أو بمعنى آخر متى يمكن الحديث عن التاريخ كعلم، ومتى يمكن أن نتحدث عن التاريخ كفن؟
إن المؤرخ وهو يوثق لفترة ما ويعتمد على المستندات والنصوص والحفريات… وبمنهجية علمية جافة يمكن أن نعتبر، والحال هذه، التاريخ علما قائما الذات، وبالمقابل حينما نجد “المؤرخ” يوثق لمرحلة ما ولا يتوفر على ما أتيح سلفا، ويضطر إلى اعتماد التصوير والسرد والتعبير الانطباعي، فهنا يمكن اعتبار التاريخ فنا. وبالتالي يصبح التاريخ كعلم ناقلا للأحداث بأمكنتها وأزمنتها وشخوصها بكيفية علمية جافة مجردة من الجانب الوجداني فيها والروحي والإنساني، وبما أننا بصدد الحديث عن “رسائل الأرواح…” موضوع هذه الورقة “النقدية” يمكن أن نجزم أن هذا النص الإبداعي حاول فيه الكاتب أن يجمع بين التاريخ كعلم والتاريخ كفن مع ميل واضح للتاريخ كفن، وذلك بحكم طبيعة النص كعمل روائي لا هوامش إحالات فيه إلى مستندات أو وثائق توظف عادة في عملية التأريخ.
إن العملية السردية في “رسائل الأرواح” من بدايتها إلى نهايتها تدعو القارئ المفترض إلى التفكر والتأمل والتدبر في مآلات الأمكنة والأزمنة والشخوص، مآلات شكلت مصدر سعادة لطرف وحزن وشقاء لطرف آخر؛ مآلات الزوايا التي احتضنت أنشطة تزكي الروح وتنمي الفكر وتحمي الوجدان من التيه والسقوط في مستنقع الرذيلة والفساد بكل تلاوينه، فكانت بذلك مصدر سعادة لكل الساكنة، فكيف هو حال زوايانا اليوم التي باتت مرتعا للغنى الفاحش والفساد المستشري في كل أركانها المظلمة. مآلات الزمن الجميل حيث سادت القيم والمبادئ الحقيقية من شهامة ونبل ومواقف وتضحيات من أجل الإنسان المغربي والوطن أيضا، كل هذه الصفات التي ميزت الإنسان المغربي تم وأدها وتتم محاربة ما تبقى منها لتعويضها بقيم ومبادئ ومواقف لا عهد لنا بها حتى بتنا نتعايش مع الظلم والجشع والانبطاح والخذلان والخيانة كـ”قيم” حداثية وجب التعامل معها ووفق مضامينها العبثية والضارة والمحبطة. مآلات شخوص مثل بنمالك ومن على شاكلته الذي عاث في الأرض فسادا وكيف أسعدت نهايته المؤلمة ساكنة تعرضت لأبشع ممارساته الوحشية من سرقة وقتل واعتداءات متكررة، والعملية السردية في “رسائل الأرواح” وهي تصور هذه المآلات بنفس إبداعي جميل وجذاب تدعو القارئ أيضا إلى قراءة التاريخ على علاته والاستفادة من عبره ودروسه وحيله كما قال ذات مرة الدكتور عبد الله العروي.
إن رحلة القراءة في “رسائل الأرواح، مائة وستون عاما من العشق” تجعلك كقارئ تعيش ما عانته قرية “الظهار” نواحي وزان والمنطقة ككل ومن خلالهما الوطن بكل جغرافيته من ويلات وظلم وقتل وإهانات متكررة سواء قبل 1912 أو بعدها حينما تمت السيطرة المطلقة على المغرب من لدن المحتلين المستعمرين فرنسا وإسبانيا اللذين عانى معهما المغاربة الأمرين، وبالموازاة مع ذلك رحلة القراءة هذه تدفعك بلطف إلى التفاعل الجميل مع ما ساد وقتئذ من دفء الروح وصوفية الوجدان وعبق التاريخ وهي تحيي أسماء وألقاب لشخوص وأمكنة كدنا ننساها من قبيل: طامة – بوشتى – المختار – منانة ـ القور الخلفي… وأسماء كل الزوايا التي ذكرت أثناء عملية السرد والتي كشفت الغطاء عن الدور الجبار الذي اضطلعت به هذه الزوايا وزوايا أخرى في مناطق أخرى من المغرب من قبيل الزاوية الدلائية بنواحي خنيفرة في محاربة الظلم أيام السيبة والاستعمار في زمن ما سمي بالحماية ظلما وعدوانا.
وختاما تجدر الإشارة إلى أن الجمالية الأدبية والفنية للنص الروائي بشكل عام ترتبط بمدى قدرة الكاتب على توظيف عناصر عدة منها اللغة الجيدة، ومعلوم أن جودة اللغة تكمن أساسا في سلامة شق من نسقها اللغوي، والذي هو القواعد التركيبية والصرفية… وأيضا في مدى نجاحه في تقديم المعاني والأفكار ونقصد بها القيمة الجمالية للنص.
وبناء على ما تم الختم به يمكن التأكيد على أن الكاتب الدكتور السعيد فلاق نجح في توظيف لغة جميلة سهلة وسلسة يمكن تصنيفها في خانة السهل الممتنع، مما أعطى لنصه الروائي جاذبية معتبرة، رغم أن رحلة القراءة في “رسائل الأرواح…” الممتعة تعكر صفوها هفوات، لا تنقص بتاتا من قيمتها الأدبية والفنية، ومن هذه الهفوات التي أتمنى أن يتم تداركها في طبعة جديدة إن شاء الله نذكر ما يلي: ـ لثبوت تواطؤها والصواب تواطئها ـ لحكم شرفاؤها والصواب شرفائها ـ ص 134 ـ حدثين… والصواب حدثان ص 80 ـ وضع الرجال سلاسلا والصواب سلاسل ـ تم إخراج الموائد من إلا مائدة (مفردة ما سقطت سهوا) ص 126، وإجمالا النص الروائي “رسائل الأرواح مائة وستون عاما من العشق” نص جدير بالقراءة، نص جمع بين ما هو تاريخي صرف وبين ما هو وجداني وصوفي وروحاني.
إن رسائل الأرواح ليست مجرد استعادةٍ للماضي، بل هي شهادةٌ أدبية تقاوم المحو. إنها تعلن بلسان الفن أن الأدب هو الأقدر على مساءلة التاريخ، وإحياء رفات القيم بمدادٍ من العشق، وجعل الذاكرة شعلةً تضيء عتمة الحاضر.