سبتة المحتلة تتحول إلى مختبرٍ لأوروبا المحاصِرة و”المرأة المريضة”
لم يكن أخطر ما قالته أورسولا فون دير لاين في خطابها أمام البرلمان الأوروبي هو تأكيدها أن «سبتة هي إسبانيا، وسبتة هي أوروبا»، بل ما انطوى عليه هذا التأكيد من نقلٍ سياسي ورمزي لمدينة إفريقية محتلة إلى قلب المخيال الأمني الأوروبي. فالأمر لم يعد يتعلق بمدينة لها وضع استعماري معلّق، ولا بحدودٍ يتنازعها التاريخ والجغرافيا والسيادة، بقدر ما صار يتعلق ــ في خطاب بروكسل ــ بـ”حدّ أوروبي خارجي” ينبغي تحصينه بكل الأدوات الاستثنائية.
وحين تُقدَّم سبتة، الواقعة على الأرض الإفريقية- المغربية تاريخا وجغرافيا، باعتبارها خط الدفاع الأول عن أوروبا، فذلك ليس مجرد توصيف قانوني أو إداري. إنه استدعاء لخرائط استعمارية قديمة بعبارات حديثة: الأمن، الطوارئ، التهديد الهجين، شبكات التهريب، والهجرة “المُسلّحة”… كلمات تبدو محايدة، لكنها تُنتج عملياً صورةً واحدة: الجنوب مصدرُ خطر، والمغرب ــ مهما كان دوره الفعلي الاستثنائي وبمقابل هزيل ــ يُستدعى دائماً بوصفه الحارس المفترض للبوابة الأوروبية.
قالت فون دير لاين إن كل الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي هي حدود أوروبية، وإن أزمة سبتة تُظهر الحاجة إلى «إطار استجابة طارئة» لمواجهة الحركات الجماعية التي تُنظَّم أو تُستغل لأغراض سياسية. لا أحد ينكر أن عبور آلاف البشر في ظروف خطرة مأساة إنسانية وأمنية، ولا أن الاتجار بالبشر جريمة يجب تفكيك شبكاتها. لكن القفزة السياسية تبدأ حين تتحول المأساة إلى ذريعة لتوسيع الاستثناء، وحين يصبح الإنسان المهاجر، في المخيال السياسي، مادةً في حربٍ افتراضية على أوروبا، لا إنساناً تدفعه البطالة أو اليأس أو التضليل أو انسداد الأفق أو النمو غير المتكافئ.
هنا يتبدى الوجه الجديد للاستعمار، استعمارٌ يضع الشروط فوق الشراكة، يقول للمغرب: “اضبط حدودنا، امنع فقراء قارتك من الاقتراب، تحمّل كلفة الجوار غير المتكافئ، ثم اقبل بأن يُلوَّح لك بالتأشيرة والتجارة والمساعدات كلما اهتزّ سياج سبتة بضعة أمتار”. إنها علاقة تتأسس على مفارقة فاضحة: أوروبا تطلب من المغرب أن يكون شريكاً استراتيجياً حين تحتاج الاستقرار والطاقة والتعاون الأمني والأسواق.. لكنها تعود بسرعة إلى لغة الوصيّ حين يتعلق الأمر بالهجرة. في لحظة المصالح يصبح المغرب بلداً محورياً، وفي لحظة الخوف يتحول إلى مصدر هشاشة أو إلى دولة ينبغي استعمال النفوذ عليها. ذلك هو البعد العنصري في الخطاب اليميني الاسباني والأوربي الصاعد، باعتباره بنيةً ذهنية ترفض رؤية الجنوب إلا من خلال وظيفته الأمنية.
والحال أن الأرقام نفسها تفضح انتقائية السردية. فالمغرب ليس ممراً سلبياً يتفرج على حركة البشر، إنه بلد عبور واستقبال وضغط اجتماعي واقتصادي، ويبذل جهوداً كبيرة في تفكيك شبكات التهريب ومنع محاولات العبور. حتى النقاش الأوروبي نفسه يعترف بأن سياسة الاتحاد تقوم على رهن «السيطرة» بتعاون دول الجوار، أي أن أوروبا تريد أن تبقي حدودها جنوباً، خارج أراضيها، وأن تدفع الآخرين إلى الحراسة نيابة عنها.
إن سبتة ليست مجرد «حدّ خارجي» بلا ذاكرة. إنها مدينة تقع في إفريقيا وتخضع للسيادة الإسبانية منذ قرون، وهي لذلك تحمل في جوفها سؤالاً استعمارياً لا يمحوه تكرار العبارة الأوروبية. أن تقول بروكسل إن سبتة «أوروبا» لا يحل المسألة، إنه يؤجلها، ويستبدل بها عقيدةً أمنية. وبدل أن تُطرح أسئلة التاريخ والعدالة والسيادة، يُدفع النقاش نحو القوارب والدوريات والأسلاك والكاميرات وعمليات الإرجاع السريع.
لا يضيّع اليمين الأوروبي، من جهته، فرصة كهذه. فهو يحتاج إلى أزمة مستمرة كي يبرّر وجوده: مهاجر خائف، حدود مهددة، دولة جنوبية متهمة، وناخب أوروبي يُطلب منه أن يختار بين حريته و«أمنه». لذلك لا يرى اليمين المتطرف في سبتة مأساة بشرية، إنه يرى فيها صورة انتخابية كاملة: بحرٌ، حشودٌ، شرطيّ، علمٌ، ثم خطابٌ عن الغزو. وهذه اللغة لا تضر المغرب وحده؛ إنها تفسد أوروبا نفسها، لأنها تجعل الخوف بديلاً عن السياسة، وتجعل الجغرافيا حكماً أخلاقياً على البشر.
إن دحض هذا المنطق لا يعني إنكار مسؤولية أي دولة عن حماية حدودها، ولا تبرير الفوضى أو التهريب. لكنه يعني رفض تحويل المغرب إلى كبش فداءٍ دائم لأزمة أوروبية أعمق: أزمة سياسات هجرة لا تفتح مسارات قانونية كافية، وأزمة اقتصاد عالمي يخلق التفاوت ثم يعاقب ضحاياه حين يتحركون، وأزمة ذاكرة استعمارية لم تتصالح أوروبا معها بعد.
كانت فون دير لاين أكثر وضوحاً حين قالت إن أوروبا هي التي تقرر «من يدخل الاتحاد وفي أي ظروف». هذا حق سيادي في ظاهره. لكن السيادة تفقد بعدها الأخلاقي حين تتحول إلى حق في نقل الجدار إلى أرض الآخرين، وإلى حق في مطالبة دول الجنوب بأن تحمل وحدها عبء الفقر الإفريقي والاضطراب الإقليمي والطلب الأوروبي على اليد العاملة الرخيصة.
المغرب ليس شرطياً عند البوابة الأوروبية، وليس ورقةً تُستخدم عند الأزمات ثم تُدان عند الحاجة إلى خطاب انتخابي صاخب. وإذا كانت أوروبا تريد شراكة حقيقية، فعليها أن تتحدث بلغة الندية: استثمار وتنمية ومسارات تنقل قانونية، ومسؤولية مشتركة في مواجهة الشبكات الإجرامية، لا لغة الإملاء والابتزاز الأمني.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله أوروبا اليوم هو أن تجعل من سبتة مرآةً ترى فيها خوفها فقط. لأن من لا يرى في الضفة الأخرى إلا تهديداً، لا يحمي حدوده؛ بل يبني، حجراً فوق حجر، سجنه السياسي والأخلاقي.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.