سكوت الإدارة وتبسيط المساطر..بين الموافقة الضمنية والرفض الضمني
قراءة في القانونين رقم 55.19 ورقم 31.13
يقوم إصلاح العلاقة بين الإدارة والمرتفق في المغرب على نصين متكاملين: القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والقانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات. يعد السكوت الإداري موافقة ضمنية في الأول، ورفضاً ضمنياً في الثاني.
لا يشكو المرتفق المغربي في الغالب من قرار إداري سلبي بقدر ما يشكو من غياب القرار أصلاً. يودع طلبه، ثم ينتظر جواباً لا يأتي، ولا يعرف إن كان الملف قد سُجّل أو ضاع أو ينتظر توقيعاً. ومن هذا الفراغ نشأت فكرة تقنين آجال الجواب وترتيب أثر قانوني على انقضائها.
وقد جاء القانون رقم 55.19 ليكرّس هذا التوجه، فحدّد آجالاً قصوى لتتخذ الإدارة موقفها من الطلب، إما بالقبول وتسليم القرار، وإما بالرفض المعلَّل، ورتّب على انصرام الأجل دون جواب اعتبارَ السكوت موافقة، في الحالات التي تحددها النصوص التنظيمية. ويكمله القانون رقم 31.13 الذي يمكّن المواطن من الاطلاع على المعطيات الكفيلة بإثبات تاريخ إيداع طلبه ومعرفة مآله، لكنه يعتمد في سكوت الإدارة منطقاً معاكساً، إذ يعدّه رفضاً ضمنياً.
فكيف نفهم هذا التباين؟ وما أثره على المرتفق في الواقع؟ للجواب نعرض الإطار الدستوري والتشريعي، ثم منطق السكوت في كل من القانونين، فالتكامل بينهما، فالإكراهات العملية، وأخيراً سبل الطعن.
الإطار الدستوري والتوجيهات الملكية
انطلق مسار إصلاح الإدارة من التأكيد الملكي، منذ خطاب 12 أكتوبر 1999 بالدار البيضاء، على ضرورة إرساء مفهوم جديد للسلطة قوامه رعاية المصالح العمومية وتدبير الشأن المحلي. وتوالت بعد ذلك التوجيهات الداعية إلى إصلاح الإدارة الترابية بوصفها الإدارة الأقرب إلى المواطن. فخطاب افتتاح الدورة التشريعية في 14 أكتوبر 2016 اعتبر تدبير شؤون المواطنين مسؤولية وطنية وأمانة جسيمة لا تقبل التهاون ولا التأخير. وأكد خطاب العرش لسنة 2017 حق المواطن في أجوبة مقنعة وفي آجال معقولة، مع تعليل القرارات ولو كانت بالرفض. ودعا خطاب العرش لسنة 2018 إلى تحديد أجل أقصاه شهر للرد على طلبات الاستثمار، واعتبار عدم الجواب موافقة. ثم جاء خطاب العرش لسنة 2019 ليدعو إلى ثورة ثلاثية الأبعاد عنوانها التبسيط والنجاعة والتخليق.
وفي دستور 2011 سند معياري متعدد المستويات. فالفصل 27 يكرّس حق المواطنات والمواطنين في الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارات العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، ويجيز تقييد هذا الحق بالقانون لحماية الدفاع الوطني وأمن الدولة والحياة الخاصة وغيرها مما حدده الفصل نفسه، وهو الأساس المباشر للقانون 31.13. ويقيم الفصل 136 التنظيم الترابي على التدبير الحر والتعاون والتضامن ومشاركة السكان، ويلزم الفصل 139 مجالس الجهات والجماعات الترابية بوضع آليات تشاركية لتيسير مساهمة المواطنين والجمعيات في إعداد برامج التنمية وتتبعها، وهي مشاركة لا تستقيم دون معلومة متاحة. ويكلّف الفصل 145 الولاة والعمال بتأمين تطبيق القانون وممارسة المراقبة الإدارية. أما الفصل 154 فيُخضع المرافق العمومية لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة والمسؤولية.
الإطار التشريعي المواكب
أحاطت بالقانون 55.19 منظومة تشريعية متكاملة. نجد في التنظيم الترابي القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، والقانونين التنظيميين 111.14 و112.14 المتعلقين بالجهات وبالعمالات والأقاليم. كما جعل القانون الإطار 03.22 بمثابة ميثاق الاستثمار تبسيط المساطر شرطاً لتحسين مناخ الأعمال. يحضر القانون 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات لتأكيد الشفافية وجودة المرفق العمومي، والقانون 54.19 بمثابة ميثاق المرافق العمومية، والقانون 03.01 القاضي بإلزام الإدارات بتعليل قراراتها.
صدر القانون 55.19 بالظهير الشريف رقم 1.20.06 بتاريخ 11 رجب 1441 (6 مارس 2020)، ودخل حيز التنفيذ في 28 شتنبر 2020 مع المرسوم رقم 2.20.660 والقرار المشترك رقم 2332.20 الذي حدّد نموذج مصنفات القرارات الإدارية ونموذج وصل الإيداع. وبمقتضاه أُحدثت اللجنة الوطنية لتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية برئاسة رئيس الحكومة، وأُلزمت الإدارات بجرد مساطرها وتدوينها ونشرها في مصنفات على البوابة الوطنية “إدارتي”. وفي الاستثمار، حددت المادة 16 لائحة القرارات التي لا يتعدى أجل الحصول عليها ثلاثين يوماً، وأحالت المادتان 19 و20 على نص تنظيمي لتحديد القرارات التي يُعدّ فيها السكوت موافقة، وقد صدر تطبيقاً لذلك مرسوم خاص بالجماعات الترابية ومجموعاتها وهيئاتها. وفي المجال العمراني، عُدّل القانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية والمجموعات السكنية وتقسيم العقارات، ومن ذلك تحديد أجل ثلاثين يوماً لتسليم الشهادة الإدارية.
أما القانون 31.13 فصدر بالظهير الشريف رقم 1.18.15 بتاريخ 22 فبراير 2018، ويضع الحق في المعلومة موضع التطبيق عبر تحديد الهيئات الملزمة بالكشف عن المعلومات، وتنظيم مسطرة تقديم الطلب والجواب عنه، وتحديد الاستثناءات المشروعة للحق، وإحداث لجنة وطنية للسهر على احترام هذا الحق يمكن اللجوء إليها عند رفض الطلب أو السكوت عنه.
غير أن هذا الورش لم يعالج كل الإشكالات. فمن الفراغات التي ظلت قائمة إغفال أثر الأحكام القضائية الحائزة لقوة الشيء المقضي به، كالحكم بالخروج من الشياع طبقاً للفصل 978 من قانون الالتزامات والعقود. فقد اقتصر القانون 55.19 على تحديد أجل الشهادة الإدارية دون إعفاء الملفات المدعومة بحكم قضائي من هذه المسطرة، وهو فراغ يستوجب تدخلاً تشريعياً أو توجيهاً تنظيمياً.
سكوت الإدارة في القانونين
يعتبر السكوت موافقة في القانون 55.19، تقوم العلاقة بين الإدارة والمرتفق وفق هذا القانون على جملة من المبادئ، أبرزها الثقة المتبادلة والشفافية، وتبسيط المساطر وتخفيف العبء عن المرتفق، واحترام الآجال القصوى للجواب، والتعليل القانوني للرفض، واعتبار السكوت موافقة بعد انصرام الأجل. ويقتضي هذا المبدأ الأخير أن تعتمد الإدارة تاريخ تسجيل الطلب بمكتب الضبط مرجعاً لاحتساب الأجل. كما يُلزم الموظف المكلف بتلقي الطلبات بمعرفة الآجال القانونية وتنبيه المسؤول الإداري إليها، لأن إهمالها قد يفضي إلى موافقة ضمنية حتى وإن كان الملف ناقصاً.
على عكس ذلك، يُعتبر السكوت رفضا ضمنيا بالنسبة للقانون 31.13 في حالة عدم جواب الهيئة المعنية على طلب الحصول على المعلومة داخل الأجل القانوني. ويُقدَّم الطلب كتابة، ورقياً أو إلكترونياً، مع تحديد المعلومة المطلوبة تحديداً كافياً. وتجيب الهيئة داخل أجل عشرين يوم عمل من تاريخ التوصل بالطلب، ويمكن تمديده بمدة محددة يُخطر بها صاحب الطلب. وليس الحق مطلقاً، فهناك استثناءات تتعلق بالدفاع الوطني وأمن الدولة والحياة الخاصة والمعطيات الشخصية وغيرها، ولا يجوز التوسع في تأويلها على حساب الأصل. وتلتزم الهيئات كذلك بالنشر الاستباقي لما يهم الجمهور من معلومات، وهو ما يخفف الضغط على مسطرة الطلبات.
لا تناقض بين القاعدتين، فلكل منهما غاية مختلفة. ففي القانون 55.19 يتعلق الطلب بقرار أو رخصة أو إجراء إداري، ويُراد تسريع المساطر وتحميل الإدارة كلفة التماطل، فيترتب على انصرام الأجل موافقة ضمنية في الحالات التي تحددها النصوص. أما في القانون 31.13 فيتعلق الطلب بالاطلاع على معلومة أو وثيقة، والغاية تكريس الشفافية دون الإخلال بالأسرار المحمية، فيترتب على انصرام الأجل رفض ضمني.
وتفسير ذلك أن الموافقة الضمنية على طلب معلومة قد تفضي إلى الكشف عن بيانات محمية، ولذلك رُجّح الرفض الضمني مع إتاحة الطعن فيه. أما في القرارات المرتبطة بالاستثمار والتعمير، فتعميم الموافقة الضمنية أنسب لحمل الإدارة على الحسم داخل الأجل.
التكامل الوظيفي بين القانونين
يُسهم القانون 31.13 في تفعيل القانون 55.19 من أوجه عدة. فالمرتفق الذي لا يتوصل بوصل الإيداع، أو يُرفض تسلّم طلبه، يستطيع أن يطلب بمقتضاه المعطيات المتعلقة بتسجيل طلبه وتاريخه ومآله، وهي معطيات حاسمة لإثبات بدء الأجل. كما يتيح الاطلاع على المصنفات المتعلقة بالمساطر والوثائق المطلوبة قانوناً، فيتمكن المرتفق من رفض أي وثيقة لا يشترطها النص. وتتيح المعلومة المنشورة، كعدد الطلبات المعالجة والآجال الفعلية والرفوض المعللة، قياس أثر القانون 55.19 ومساءلة المقصّرين. وأخيراً، يرتبط الفصلان 136 و139 من الدستور بالحق في المعلومة، إذ لا تشاركية حقيقية في إعداد برامج الجماعات وتتبعها دون إتاحة المعطيات.
يكشف التطبيق عن فجوة بين النص والممارسة تتجلى في عدة مظاهر.
أولها غياب الرقمنة الشاملة. فقد نصّ القانون 55.19 على رقمنة المساطر في أفق خمس سنوات من دخوله حيز التنفيذ، وهو أفق بلغ منتهاه في شتنبر 2025، بينما تشير المعطيات المتاحة إلى أن عدداً من الجماعات الترابية ما زال يعتمد الطلبات الورقية دون منصات تتيح التتبع. ويصدق ذلك على طلبات المعلومات الورقية، لأن إثبات تاريخ الإيداع يظل رهيناً بالوصل.
وثانيها رفض تسلّم الطلبات الورقية بمكاتب الضبط بدعوى عدم ترخيص الرئيس أو المفوَّض له، وهو ما يحرم المرتفق من نقطة انطلاق الأجل. وثالثها ندرة تسليم وصل الإيداع وفق النموذج المنصوص عليه في القرار المشترك رقم 2332.20، مع أن هذا الوصل يتضمن المعطيات الأساسية حول أثر السكوت والجهات التي يمكن اللجوء إليها.
ورابعها ضعف التتبع الإقليمي والمركزي. فقد نظّم منشور وزير الداخلية بتاريخ 18 يوليوز 2023 إرسال رسائل إنذارية إلى الولاة والعمال عبر منصة “رخص” بخصوص الملفات المتأخرة، غير أن الطلبات الورقية تبقى خارج هذا النظام. وخامسها ضعف الوعي بالحق في المعلومة لدى المرتفقين والموظفين معاً، وتأويل الاستثناءات تأويلاً واسعاً يفرغ الحق من مضمونه. وسادسها محدودية الموارد البشرية المؤهلة لتأويل النصوص وتتبع مستجداتها، خاصة بالجماعات الصغرى.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن الورش أفضى إلى نتائج ملموسة وإن بقيت غير كافية، إذ شمل أول جرد ما يقارب مائتي مسطرة، وحُذفت 22 مسطرة لا تستند إلى مرجع قانوني.
في إطار القانون 55.19، أقرّ المشرّع حق المرتفق في الطعن الإداري عند سكوت الإدارة أو رفضها، بتدرج في الجهات المختصة يصل في بعض الحالات إلى الوالي أو العامل، دون المساس بحق اللجوء إلى القضاء الإداري.
وفي إطار القانون 31.13، يمكن لمن رُفض طلبه صراحة أو ضمناً أن يتظلم لدى رئيس الهيئة المعنية، ثم أن يلجأ إلى اللجنة الوطنية المكلفة بالحق في الحصول على المعلومات داخل الأجل المحدد في القانون، وله بعد ذلك أن يطرق باب القضاء الإداري.
وتظل فعالية هذه الآليات رهينة بوضوح المساطر وتعميم المنصات الرقمية، لأنها هي التي تتيح إثبات تاريخ الإيداع وتتبع مآل الطلب وتحديد لحظة تحقق الموافقة أو الرفض الضمني.
يشكل القانونان 55.19 و31.13 معاً نقلة نوعية في فلسفة العلاقة بين الإدارة والمرتفق، إذ يجمع الأول بين تبسيط المساطر وإلزام الإدارة بالجواب، ويضمن الثاني الشفافية اللازمة للمراقبة. غير أن نجاعتهما تبقى رهينة بتعميم الرقمنة وتفعيل التتبع التسلسلي للطلبات الورقية، وتكوين الموارد البشرية وتعيين مكلفين فعليين بتلقي طلبات المعلومات، وتوضيح مساطر الطعن وتوحيد منطق السكوت بين النصوص أو على الأقل إعلام المرتفق بأثره في كل حالة، وتدارك الفراغات المرتبطة بتفاعل القانون 55.19 مع القوانين القطاعية، ومنها القانون 25.90 وأثر الأحكام القضائية فيه.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.