سيرة "والآن أتحدث" -23- تفاصيل اللقاء الأخير بعباس لمساعدي

سيرة "والآن أتحدث" -23- تفاصيل اللقاء الأخير بعباس لمساعدي
الأربعاء 29 ماي 2019 - 07:15

وسيجهضون بهذا استمرارية الكفاح الوطني ولن نتمكن من إتمام معركة تحرير المغرب العربي الكبير الذي بدأناه، وهذا سيسبب للمغرب إشكالية خطيرة لأن العديد من أراضيه ضمت للجزائر وربما نفقدها إلى الأبد إذ لم نحررها بسواعدنا نحن، وفي الأخير سأقرر إما تقديم استقالتي من قيادة جيش التحرير والرحيل بعيدا.

في يوم 30 أبريل سنة 1956 زار عباس لمساعدي مدينة الدار البيضاء للحضور في أول احتفال للطبقة العاملة المغربية يجري في تاريخ المغرب المستقل بمناسبة عيد الشغل، ترأس استعراضه العمالي الكبير صاحب الجلالة الملك محمد بن يوسف، ودشن بالمناسبة بورصة الشغل بشارع الجيش الملكي التي أصبحت مركزا نقابيا جديدا للاتحاد المغربي للشغل.

نزل عباس لمساعدي بمنزل إبراهيم الروداني رفقة مصطفى ابن عثمان وأحد الإخوان الجزائريين، اسمه الحركي عمر، كان عضوا في قيادة جيش تحرير المغرب العربي، قدما معه من مدينة الناضور، فأقام له إبراهيم الروداني في المساء مأدبة عشاء اقتصرت على بعض الأصدقاء الثقاة والمقربين منه وهم، بالإضافة إلى الأخوين اللذين رافقاه، كل من المدني الاعور وحسن بلمودن وإبراهيم الروداني. وبعد انتهاء مأدبة العشاء وذهاب الأخ الجزائري للنوم، تطرقنا للوضعية التي وصلت إليها أحوال المقاومة وجيش التحرير، وحقيقة الصراع الدائر في القيادة في تطوان، وألححنا عليه أن يوضح لنا الصورة الحقيقية لما يجري هناك، فقال:

“إن مستقبل جيش التحرير في مهب الريح بسبب الخلافات والمؤامرات الكثيرة التي وقعت وعلاجها صعب، لأن كل من هب ودب من الإخوان المتواجدين في تطوان يقول إنه هو الأجدر بتولي أمر القيادة، فوقع بينهم صراع كبير، وبدأت الأنانية والتسلط والتجبر وحب الرئاسة يغزو العقول والقلوب، كما لعب الانتماء الحزبي دوره في تأجيج الصراع والتفريق بينهم، فكل حزب يريد الاستيلاء على قيادة المقاومة وجيش التحرير ليحقق بها أهدافه المعلنة والخفية وليفرض شروطه على القصر، ليستولي على دفة الحكم، وليتباهى أمام الشعب بأنه هو المؤسس الحقيقي للمقاومة وجيش التحرير، وهي أوضاع خلقت طموحا عارما في صفوف مرتزقة آخر ساعة الطامعين في نيل نصيبهم من المكتسبات التي أضحت في متناول اليد، وإذا بقيت الوضعية على حالها، فلن يبقى أي شيء يستحق بقاءنا هنا أو هناك، وسيجهضون بهذا استمرارية الكفاح الوطني ولن نتمكن من إتمام معركة تحرير المغرب العربي الكبير الذي بدأناه، وهذا سيسبب للمغرب إشكالية خطيرة لأن العديد من أراضيه ضمت للجزائر وربما نفقدها إلى الأبد إذ لم نحررها بسواعدنا نحن، وفي الأخير سأقرر إما تقديم استقالتي من قيادة جيش التحرير والرحيل بعيدا.

لذا أطلب منكم العمل على توحيد كلمة وصفوف رجال المقاومة بالمدن وخلق لجان اجتماعية وسياسية، واختيار رجال يتحلون بالنزاهة والكفاءة لتمثيلكم والتحدث باسمكم قبل أن يبتلعكم السياسيون فيخلقون من يتكلم باسمكم ويسطون على مقاومتكم ويغتصبون حقوقكم، في حين سأتكلف بجيش التحرير في الجبال من أجل العمل على مواصلة الكفاح ضد الاستعمار في كل البقاع المحتلة، ولن نضع السلاح إلا إذا حصل المغرب على استقلاله الكامل، ولم يبق هناك ما يهدد وحدته واستقلاله، لأن جلالة الملك محمد بن يوسف قائدنا الأعلى طلب منا إيقاف العمليات العسكرية فقط، ولم يطلب منا الانضمام للجيش الملكي، لذا طلبت من رجالنا تنفيذ الأمر الملكي، وأن يبقوا في مواقعهم بالجبال إلى أن تنتهي المفاوضات، وأن يكونوا على أهبة الاستعداد، لأننا نعلم أن استقلال المغرب ما زال مهددا، مادام المغرب العربي لم يستقل كله.

وعندما أرادت فرنسا أن تتفاوض مع المغرب، فرضت على المتواطئين معها إلغاء دور المقاومة وجيش التحرير وإقصائهما من مفاوضات الحصول على الاستقلال، لأنه كان من مبادئنا الأساسية عدم الدخول مع فرنسا في أية مفاوضات ما لم يعد جلالة الملك محمد بن يوسف إلى الرباط، وتعترف بالاستقلال الكامل للمغرب، وهذا هو السبب الحقيقي للخلاف الذي كان قائما بيننا وبين بعثة “إيكس ليبان”، فسلمت الاستقلال عن طريقهم فقط، في إشارة منها إلى عدم الاعتراف بشرعية المقاومة وجيش التحرير، بدليل أنها أفرجت في نهاية سنة 1954 عن كل المعتقلين السياسيين تمهيدا لإجراء المفاوضات معهم ومنحهم استقلالا أعرج، وهو الشيء الذي تأتي لها في مفاوضات “إيكس ليبان”.

وقد أدركت هذه الحقيقة مبكرا، مما جعلني أصر على استمرار المقاومة وجيش التحرير في الكفاح إلى أن تعترف فرنسا بشرعيتهما، وتحرير جميع المناطق التي اغتصبت من المغرب، ولهذا كنت قد طلبت من قبل من قيادة المقاومة بالدار البيضاء أن تراسل أو تتصل بكل المعتقلين السياسيين المفرج عنهم من أجل أن يلتزموا الصمت، وإخبارهم بأن رجال المقاومة وجيش التحرير عازمون على مواصلة الكفاح لثلاث سنوات أخرى بالمدن والجبال، حتى تتحرر كل المناطق والجيوب والثغور المغربية من الاستعمار الفرنسي والإسباني، والاعتراف بالمقاومة وجيش التحرير والجلوس معهما إلى طاولة المفاوضات دون قيد أو شرط، ليسجل التاريخ للمقاومة وجيش التحرير دورهما الريادي في استقلال المغرب، أما الاستقلال الأعرج وبالشكل الذي رغبت فيه فرنسا وعن طريق السياسيين، فلن نعترف به”.

كان هذا هو رأي عباس لمساعدي في الاستقلال، لأنه رحمه الله فقد ثقته بالزعماء السياسيين ويتخوف من ألاعيبهم بعد نجاح الأمة في معركتها.

وطلب مني ومن المدني “الاعور” زيارته في الصباح لتناول طعام الفطور معه، والذهاب رفقته لحضور احتفالات فاتح ماي.

زرته في الصباح فوجدت عنده المدني “الاعور” والسرجان أمحمد العبدي. بعد تناولنا طعام الفطور، طلب منا أن نبحث له عن “بروبريك”، وهي السلسة التي توضع فيها ذخيرة المدافع المضادة للطائرات، فأخبره السرجان محمد العبدي بأن صديقا له اشترى من قاعدة النواصر بعض مخلفات سلاح الجيش الأميركي فربما توجد ضمنها، ذهبت معه رفقة المدني الأعور عند شخص في عرصة ابن مسيك بدرب السادني، فوجدناها عنده، فرجعنا بها وسلمناها لعباس لمساعدي، وذهبنا جميعا لحضور احتفالات فاتح ماي، وعند انتهاء الاحتفالات عدنا إلى منزل إبراهيم الروداني، وبعد تناولنا طعام الغذاء ودعته، وكان هذا آخر لقاء بيني وبين عباس لمساعدي رحمه الله.

نص البلاغ الذي أصدرته القيادة العليا للمقاومة وجيش التحرير لتحذير السياسيين من التفاوض مع فرنسا باسمها:

أمام موجة من النداءات الصادرة من هيئات سياسية أو جماعات تضليلية تحاول أن توهم بها الرأي العام المغربي والرأي العام الدولي بأن لها اليد الطولى في المقاومة المغربية وجيش التحرير، تعلن المقاومة وجيش التحرير أنه ليس لأي أحد من هؤلاء الحق في التكلم باسمها، خصوصا ويوجد من بين هؤلاء من سجل عنهم التاريخ المغربي مواقف مخزية يندى لها الجبين.

أما وقد أخدت طلائع الفوز تبدو، يعيد أولئك الكرة مرة أخرى ويقفون موقفا كالموقف السابق في حمل معاول الهدم يحطمون بها ما بنته دماء أحرار جادوا بها في سبيل بناء صرح هذا المغرب العزيز.

وأمام هذا التدخل السافر، تؤكد المقاومة وجيش التحرير ويعيدان أن ليس لهؤلاء الفضوليين أي حق في التكلم باسمهما، كما نغتنم الفرصة لنعلن انذرانا الشديد لكل من سولت له نفسه التدخل فيما لا يعنيه، نعم هناك من سوف نعتبر أنفسنا مدينين لبطولته وشهامته خاضعين لقيادته موقنين بحكمته، جدير بالاستماع إلى توجيهاته وتلبية دعوته، ذاك هو جلالة مولانا الملك حامل مشعل الكفاح الوطني في أحرج مراحله.

غير أن تاريخ الاستعمار الفرنسي يقف أمامنا كالشبح المخيف، ليملي علينا، أن الحذر والاحتياط أنجع وقاية من الوقوع في حضيرة الغرور، وما موقف فرنسا وتراجعها في الاتفاقية السورية واللبنانية والهند الصينية عنا ببعيد.

ونزولا عند رغبة جلالة الملك في ملازمة الهدوء ريثما يتضح اتجاه فرنسا في المفاوضات، وتبرهن من جديد على استعدادها وحسن نيتها، قررت القيادة العامة لجيش التحرير، باتفاق مع المقاومة، إيقاف العمليات الحربية مؤقتا مع احتفاظ جيش التحرير بمراكزه، حتى تستخلص السيادة المغربية عن آخرها دون قيد ولا شرط.

هذا مادامت القوات الفرنسية لم تهاجم جيشنا المرابط لننتظر.

القيادة العامة لحركة المقاومة المغربية وجيش التحرير.

*صحافي، باحث في تاريخ المقاومة المغربية، شاعر وزجال

[email protected]

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • احمد
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 07:47

    الكل كان طامعا في السلطة واستغل سداجة المغاربة آنذاك في تحقيق نواياهم الخفية وفرطو في الصحراء الشرقية التي ضمتها فرنسا للجزائر الفرنسية

  • مغربي
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 08:49

    ان كان ما تقول صحيحا فالمغاربة يعلمون من هم الخونة لهذا البلد الاستقلاليون كلهم ومعهم الاشتراكيون كلعم خانوا الوطن وهم من تسبب لنا اليوم في مشكل الصحراء الشرقية والغربية بقبولهم بالمفاوضات على لستقلال المغرب منقوصا من اراضيه من اجل الحصول على المتيازات لهم ولابنائهم من بعد والحفاظ على مصالحهم الدنيوية مع فرنسا. تبا لهم من سياسيين خونة يجرون وراء الامتيازات مع المستعمر الذي مازال يتحكم في مصير المغرب.

  • ملك البلاد فالمظالم محاصرة
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 09:46

    ضيع المغرب كثيرا من الوقت وكثيرا من الفرص التي لو استغلت بشكل جيد لاسترجع المغرب العديد من اراضيه . ولكن صراع الزعامات . واصلاح ثقوب العجلات الذي احدثه الطامعون فيما هو اكثر عطل المسيره . وفي الوقت الذي اشتغل النظام بارساء كرسيه امام شراسة معارضيه ..انه الوقت الذي كان يجب فيه ان يتحد الجميع من اجل اعطاء كل الاولوية لتحرير باقي التراب الوطني وتاجيل الخلافات .

  • yoss
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 10:03

    Sur ce sujet, il faut aussi consulter les mémoires de feu El Hachmi Taoud (parus il n y a pas longtemps). El hachmi Taud qui était à l'époque membre de l'armée de libération du Maghreb Arabe basée au Caire, nous y révèle (sur le même sujet) des vérités jusque là inconnues. Dieu bénisse tous ces combattants. Merci en tout cas pour cette série d'articles fort intéressants

  • سعيد،المغرب الأقصى
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 11:48

    رأي عباس المساعدي كان صائبا،لو أخذ به لتم طرد الأسبان من سبتة و مليلية و الجزر في البحر المتوسط و البحر المحيط و من الصحراء وكذلك طرد فرنسة من موريتانية و من الصحراء الشرقية و غير ذلك،

  • ATLAS EAGLE
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 12:43

    هل كانت مجابهات عسكرية بين جيش التحرير المغربي في الجبال والسهول والفرنسيين ، واين كانت، و ( زعماء) جيش التحرير لماذا لم يكونوا متفقين بينهم ، وماهو السبب . وماهو غرضهم بالذهاب و الاياب الى مصر. ولماذا كان ( الزعماء) كل واحد يريد ان يكون رءيسا على جيش التحرير……وعواشركم مبروكة.

  • ضد الضد
    الأربعاء 29 ماي 2019 - 15:55

    منذ اشتمام رائحة الاستقلال و الكل يبحث عن الزعامة لتكون وظيفته سامية عند الاستقلال. و لم يكن كفاحهم سوى من اجل مناصب عليا وضمان المستقبل لهم و لعاءلاتهم و لا تزال لحد الساعة كل الأحزاب تسعى إلى ذلك و لا يهمها الشعب بقدر ما يهمها مصيرهم و أبناءهم خير دليل ما بدأته هذه الولاية من الأحزاب هو النظر في توريث التقاعد لذويهم. و حتى أثناء الاستعمال كان علال الفاسي يطالب أهله بفاس بالدراسة و الاحتكاك بين أبناء المعمرين و البحث عن العلم ولو في الصين بينما لما كان يزور مناطق المغرب كان يأمرهم بالكفاح و عدم السماح لأبنائهم التوجه إلى المدرسة لأنه حرام على أبناءنا الدراسة مع أبناء المستعمر و يغرس روح الكفاح فيهم بينما يغرس روح التعلم في أهله. و لما استقل المغرب لم يكن من أبناءه المتعلمين سوى أهل الفاسي و استولوا على المناصب الكبرى و الوظائف الديبلوماسية و لم يبق من نصيب أبناء باقي الضواحي سوى الجندية و الشرطة و لمخازنية. و هكذا استمرت نفس السياسة حتى الآن. و من اجل الزعامة تم قتل الأحرار و تم التفريط في الوحدة الترابية ليتركوا لنا المشاكل.

  • دحمان
    الجمعة 31 ماي 2019 - 07:14

    سمحت لي الفرصة و انا استاذ التاريخ بجامعة ادرار – الجزائر – أن التقي ببعض المجاهدين الذين عملوا على مستوى الحدود الجزائرية المغربية ( جبل بني سمير …) فشهدوا بوقوع اشتباكات متكررة بين جيش التحرير المغربي ( الوزوكيت ) و جيش التحرير الجزائري .

صوت وصورة
لوكهيد مارتن بمعرض مراكش
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 20:51

لوكهيد مارتن بمعرض مراكش

صوت وصورة
السيول تجتاح طرق أسني بالحوز
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 19:49 3

السيول تجتاح طرق أسني بالحوز

صوت وصورة
جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 16:47 2

جنرال أمريكي: المغرب مصدر للأمن

صوت وصورة
مبادرة ساكنة لفك العزلة
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 15:06 9

مبادرة ساكنة لفك العزلة

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة