بعد التطورات التي عرفها البيت الاستقلالي، والبلاغ الذي صدر عن مجلسه الوطني، والتنازلات المهمة التي قدمها شباط لتسهيل تشكيل الحكومة، تبدو المؤشرات التحليلية جد مختلطة، ولا يكاد يظهر بوجه دقيق إلى أين يتجه مسار المفاوضات.
الصورة قبل المجلس الوطني لحزب الاستقلال كان بها كثير من الوضوح: تصريحات أثارت الجارة الموريتانية في ظرفية جد حساسة يستعد فيها المغرب للدخول إلى الاتحاد الإفريقي بعد أن وضع كل بيض سياساته الخارجية في العمق الإفريقي، وحراك داخلي في حزب الاستقلال بلغ إلى درجة توقيع الأمينين العامين للحزب السابقين مع بعض قياداته التاريخية عريضة تلتمس من شباط تقديم استقالته بسبب ما أسماه البلاغ عدم الأهلية للقيام بمهمة أمين عام لحزب الاستقلال.
فالأمين العام الأسبق لحزب الاستقلال السيد امحمد بوستة كان في غاية الذكاء السياسي والدبلوماسي حين كشف عن الخيارات التي كان على الاستقلال المضي فيها للتعبير عن رؤيته للسياسة الخارجية للمغرب؛ أي بدلا من المس بالوحدة الترابية لموريتانيا، كان الأفضل التوجه إلى توحيد شمال إفريقيا، بكتلة قوية تبتدئ أولا بدول المغرب الكبير (موريتانيا والمغرب والجزائر وتونس وليبيا) وتنتهي لاحقا بمصر والسودان، وهو التصريح الذي أراد من خلاله السيد بوستة أن يبعث رسالة إلى الجهات العليا بأن هذه هي رؤية حزب الاستقلال الاستراتيجية في السياسية الخارجية، وهي رؤية تنسجم من الاستراتيجية الملكية وتقويها وتدعمها، وأن تصريحات شباط لا تمت بصلة إلى منهج حزب الاستقلال ورؤيته، وأنه في هذا الموضوع لا يمثل إلا نفسه.
تصريح السيد بوستة أراد به أن يرفع الحرج عن حزب الاستقلال، حتى لا يصير الحزب مستهدفا، وأن يفتح كوة صغيرة يمكن من خلالها تجاوز أزمة تشكيل الحكومة بإخراج شباط من المعادلة، ورفع الحظر المفروض على حزب الاستقلال بسبب أمينه العام.
ليس المهم تقييم وجهة نظر امحمد بوستة ولا رسالته السياسية في هذا الباب، ولا حتى العريضة التي تقدم بها جزء مهم من القيادة التاريخية لحزب الاستقلال لإسقاط شباط، لكن ما يهم في هذه التعبيرات الرسالة السياسية التي باتت واضحة بأن البلوكاج السياسي كان بسبب شخص شباط، الذي زاد الأمر تعقيدا بتصريحاته، وأن القضية بعد هذه التصريحات تداخل فيها البعد الداخلي بالبعد الخارجي، بل أصبح فيها البعد الخارجي المرتبط بالسياسية الخارجية للمغرب تجاه إفريقيا المحدد الحاسم في الموضوع.
تفسير هذا الموضوع هو أن المغرب مقبل على رهان وتحدٍّ كبيرين، والنتيجة غير محسومة بشكل مطلق، فالديناميات المتعارضة بشأن دخول المغرب إلى الاتحاد الإفريقي لا تزال قائمة، وكل السيناريوهات واردة حتى مع الحراك الدبلوماسي القوي الذي قام به المغرب ورجح كفته بشكل كبير.
تركيب المعادلة أنه لا أحد من الفاعلين السياسيين يريد أن يتحمل بموقفه من تشكيل الحكومة أي خسارة يمكن أن تلحق بالمغرب، وأن أضمن خيار هو الاحتياط وعدم الزج بمشاركة حزب الاستقلال في هذه الظرفية الدقيقة، وهذا بالطبع ما فهمه حزب الاستقلال نفسه، فأراد أن يبعث في بلاغه للمجلس الوطني أكثر من رسالة في هذا الاتجاه.
فحسب نص البلاغ، بات حزب الاستقلال مقتنعا بأن مشاركته الآنية في الحكومة أضحت جد صعبة، وأن ثمنها مكلف سياسيا ودبلوماسيا؛ لذلك اتجهت قرارات الحزب الصادرة عن مجلسه الوطني في اتجاهين: اتجاه القص من صلاحيات أمينه العام ومحاولة إضعاف دوره في الحزب إلى غاية المؤتمر الاستثنائي (تشكيل لجنة للتفاوض مع رئيس الحكومة من غير شباط، تشكيل لجنة أخرى لتسيير الحزب واحتكار جزء من مسؤوليات شباط إلى غاية المؤتمر)، واتجاه الدعم السياسي لحزب العدالة والتنمية، سواء في الحكومة أو من خارجها؛ أي في الحالة التي يكون فيها التقدير الاستراتيجي هو عدم مشاركة حزب الاستقلال في هذه الظرفية الدقيقة المحدودة في الزمن.
المفهوم من بلاغ المجلس الوطني لحزب الاستقلال أنه لا يستعجل اليوم المشاركة في الحكومة إن كان في حضوره تشويش على الاستراتيجية المغربية للدخول إلى الاتحاد الإفريقي، ولكنه يبقي على دعمه وسنده السياسي ومد يده للمشاركة بعد أن تمر هذه الظرفية الدقيقة؛ أي في تعديل حكومي لاحق، سواء بعد ربح المغرب الرهان الدبلوماسي في إفريقيا أو بعد مؤتمر حزب الاستقلال المتوقع في مارس القادم. وهذا بالضبط ما توحي به العبارة الدالة المبثوثة في بلاغ المجلس الوطني لحزب الاستقلال والتي جاء فيها “ونعتبر أنفسنا في حزب الاستقلال جزء من الأغلبية البرلمانية أيا كانت التطورات المرتبطة بتشكيل الحكومة المقبلة”.
بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، اعتقد البعض أن التطورات التي أثارتها تصريحات شباط بخصوص الحدود الموريتانية، والحراك الذي وقع في البيت الاستقلالي، جعلا الحزب في وضع مريح نسبيا في حالة ما إذا كان رفع “البلوكاج” يتوقف على عدم مشاركة حزب الاستقلال، لكن هل تتوقف رؤية حزب العدالة والتنمية على مجرد الالتزام أو التحلل من “كلمة” أو “قيمة من القيم” تعهد بالوفاء بها الأمين العام للحزب؟
الأمر أكبر بكثير من هذا التقدير الظاهر أو هذا التفسير الأخلاقي، فرؤية العدالة والتنمية مرتبطة أكثر بتقييم الوضع الديمقراطي، وأثر العملية الانتخابية في التقدم في هذا المسار وتعديل موازين القوى في اتجاه الإصلاح. فهو يدرك من خلال تجربته في الحكومة كلفة الإصلاح وصعوبته في ظل وجود أغلبية حكومية وبرلمانية يتوقف انسجامها على اعتبارات لا تحسم فيها الخارطة الانتخابية. ولذلك ما فتئ حزب العدالة والتنمية يؤكد أن نتائج انتخابات السابع من أكتوبر ينبغي أن تكون محددة لتشكيلة الحكومة، وأنه لا يمكن للسياسة أن تحقق ما عجزت الانتخابات عن تحقيقه.
بلغة محددة ودقيقة، أمام العدالة والتنمية محددان اثنان يضبطان إيقاعه؛ الأول مرتبط برؤيته للتقدم والإصلاح الديمقراطي للبلد وضرورة أن تكون هذه الحكومة لبنة قوية في إعطاء دفعة قوية له، والثاني يتعلق بالمعايير التي حددها خطاب دكار، وفي مقدمتها أن تكون الحكومة قوية ومنسجمة وببرنامج واضح وفعال.
هذان المحددان يفرضان على حزب العدالة والتنمية الاشتغال على تشكيل حكومة مقلصة في العدد لا يمكن بحال أن تزيد عن الوضع الحكومي السابق، مما يعني في الأرجح أن مشاركة الاتحاد الدستوري ستكون مستبعدة، ليبقى أمام العدالة والتنمية خيار إعادة حكومته السابقة بسند ودعم استقلالي، أو استبدال الحركة الشعبية بالاتحاد الاشتراكي، وهو خيار جد مستبعد في تقديرات عدد من قيادات الحزب التي لا تطمئن للسلوك السياسي لقيادة الاتحاد التي كانت تلعب بين الحبلين.
أضف إلى ذلك أن الأمين العام للتجمع الوطني للأحرار، في تصريحاته الرسمية، لم يذكر حزب الاتحاد الاشتراكي ولم يظهر أي تشبث به، كما أنه اختار أن يكون مرفوقا بامحند العنصر بعد أن طلب من رئيس الحكومة المكلف المجيء معه، مما يعني أنه لا العدالة والتنمية (للدقة لا عدد مهم من قيادات العدالة والتنمية) ولا الأحرار يستشعران الحاجة إلى الاتحاد الاشتراكي، أما الاتحاد الدستوري، فمثله مثل الاتحاد الاشتراكي، فقد كانا مجرد ورقة من أوراق التفاوض لتقوية الموقع التفاوضي لأخنوش. واليوم، بسبب التطورات التي حصلت، لم تعد هذه الأوراق مهمة بالقدر الذي تحدث فيه النتائج المرجوة.
ثمة خيارات أخرى يمكن التفاوض حولها ترتبط بتثمين السند السياسي لحزب الاستقلال وترجمته في الزمن غير المكلف أو في الوضع الأريح تنظيميا، وهي خيارات مركزية بالنسبة لحزب العدالة والتنمية لا يمكن في التقدير التنازل عنها أو التلاعب بها.
خلاصة الموقف، حكومة مشكلة في أقرب وقت – والتقدير أن تكون قبل الأسبوع الثالث من يناير إن لم تكن قبل ذلك- من أربعة أحزاب على الأكثر، مع أن التفكير في خيار أقل من هذا العدد مطروح لكن تستبعده ضمانات النصاب السياسي والعددي، مع التزامات واضحة بخصوص ما يمكن أن يؤول إليه أمر الحكومة من تفاهمات بخصوص دخول حزب الاستقلال بعد زوال الموانع.
…عن مهامها الدستورية
كثيرا ما ناقش المحللون الفصل 47 من الدستور وأهملوا الفصل 7 ،الذي يقول :
"تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي،وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، وفي تدبير الشأن العام، وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية، وفي نطاق المؤسسات الدستورية".
لم يجعل الدستور من مهام الأحزاب معارضة الدولة أو محاربة التحكم والفساد والإستبداد أو مقارعة التماسيح والعفاريت إلى غير ذلك من الشعارات الفارغة التي يدغدغ بها بعض القادة مشاعر المواطنين.
الأحزاب تتلقى أموالا من الدولة للقيام بمهامها الدستورية ، ولكنها مع الأسف بسبب انعدام كفائتها السياسية والتنظيمية تحمل الدولة كل إخفاقاتها.وتشغل الناس بحروب طواحن الهواء لإخفاء فشلها، وتحول أخطائها إلى بطولات دونكيشوت الوهمية.
فهل يعقل مثلا أن يجعل حزب الإستقلال من خطأ رفض بوستة قيادة حكومة التناوب ، شعارا بطوليا، يمجده ويردده مناضلوه أثناء تجمعاتهم ، في الوقت الذي يعتبر فيه الإتحاديون قبول اليوسفي نفس العرض الملكي فتحا مبينا ؟.
تساؤل مشروع؛ اذا ما تم إعتماد السنوات الخمس المقبلة بيضاء بدون حكومة هل سيتغير شيء ما ملموس؟
الحل المناسب للخروج من الورطة هو تسليم المفاتيح وانسحاب العدالة والتنمية نحو المعارضة .هذا الحل هو ما يضمن سلامة الحزب واستمراريته.اما المشاركة فهي مجازفة ومخاطرة ستكون لها عواقب وخيمة على مستقبل الحزب في حالة ما اذا استمر بنفس السياسة السابقة.
لن يقنعني أحد البتة أن هذا البلوكاج أمرطبيعي بل هو الخطة البديلة plan B للأطراف التي كانت تخطط منذ البداية لتسليم مفاتيح الحكومة إلى عصابة الأصالة و المعاصرة و لهذا حشدت كل الوسائل غير المشروعة لتحقيق هذا الهدف الخسيس .لكن الخطة لم تنجح فطبقت الخطة البديلة التي تهدف إلى محاولة إذلال حزب العدالة و التنمية و تحجيمه و تركيعه أمام الأحزاب الساقطة في امتحان الانتخابات بمعدل مخز و إشعاره و باقي الشعب أن لاقوة لهذا الحزب ولا قدرة له على تغيير الأوضاع و أنه ليس إلا بيدقا في رقعة السياسة بالمغرب .و سيعمل هؤلاء الذين استهدفوا هذا الحزب بدءا من التقطيع الانتخابي و انتهاء بالبلوكاج الحالي على زرع الأشواك في جوانب الحزب و التشويش على سياساته وخلق حالات الاختناق الحكومي المصطنع و التهديد بانسحاب الأحزاب من الحكومة و إعادة التشكيل حتى تنتهي هذه الفترة الثانية …
صدقوني: السيناريو مكتوب و المخرج جاهز و المنتج وقع شيكا على بياض و الممثلون حفظوا أدوارهم
و صدقوني : ستكون الدائرة على كل هؤلاء لأن البقاء بإذن الله للمصلح لا للمفسد ومن لم يصدق فليقرإ التاريخ.