تخيل أنك تستيقظ صباحا لتكتشف أن كل ما تحمله من ذكريات ليس ملكك، وأن الماضي الذي عشته بتفاصيله الدقيقة ما هو إلا برنامج زُرع في رأسك بعناية فائقة. سؤال يبدو للوهلة الأولى وكأنه خارج من فيلم خيال علمي، لكنه في العمق يمس واحدا من أكثر الأسئلة إلحاحا اليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية: ماذا يتبقى من الإنسان لو فقد سيطرته على ذاكرته؟
هذا هو الرهان الذي راهن عليه جواد العوالي في روايته “شظايا ذاكرة مبرمجة”، الصادرة سنة 2025 عن مؤسسة أفرا للدراسات والأبحاث. رواية تنتسب إلى جنس أدبي ما يزال خجولا في المكتبة العربية، هو الخيال العلمي، لكنها لا تكتفي بلعبة التشويق وحدها، بل تحاول أن تفتح بابا للنقاش حول الهوية والذاكرة، وحدود ما يحق للتكنولوجيا أن تفعله بالإنسان.
من الصفحات الأولى، ينجح الكاتب في شد القارئ. بطل الرواية “أنيس” يجد نفسه أمام وقائع متلاحقة توحي بأن حياته ليست كما ظنها، وأن ذاكرته نالها التلاعب، فتبدأ رحلة حافلة بالمطاردات والأسرار والكشوف المتتالية. بداية قوية، لأن السؤال الذي تنطلق منه الرواية يتجاوز اللغز البوليسي المعتاد، ليلامس حقيقة الذات نفسها.
لكن بعد هذا التأسيس الواعد، سرعان ما تنزلق الرواية نحو إيقاع تشويقي متسارع. الأحداث تتلاحق بسرعة لا تترك للشخصيات فسحة للتأمل، ولا للقارئ فرصة ليتوقف عند الأسئلة التي فتحتها الرواية في بدايتها. فكل حوار يوشك أن يكشف جانبا من أزمة البطل الوجودية، سرعان ما يقطعه مطاردة جديدة أو مواجهة مسلحة أو اكتشاف مفاجئ، حتى صار الإيقاع نفسه هو المحرك الحقيقي للنص أكثر من الفكرة.
والسرعة في حد ذاتها ليست عيبا، فللخيال العلمي المشوق جمهوره الخاص، لكن المشكلة تبرز حين يطغى التشويق على العمق. الرواية تطرح سؤالا فلسفيا كبيرا، ثم لا تمنحه الوقت الكافي لينضج داخل شخصياتها، وتفضل دفع الحبكة إلى الأمام بسلسلة متواصلة من الأحداث بدل أن تترك له مجالا يتنفس فيه.
وتتضح هذه الملاحظة أكثر حين نتأمل الشخصيات نفسها. أنيس، الذي كان من المفترض أن يحمل الثقل النفسي للرواية، يبقى في أغلب الأحيان أسيرا لردود أفعاله المباشرة، ينتقل من الخوف إلى المواجهة في وقت قصير جدا، دون أن يرسم السرد مسارا نفسيا مقنعا لهذا التحول. أما “أسيل”، ورغم أهميتها المحورية، فتحولاتها المتعددة لا تنعكس بما يكفي على لغتها أو تصرفاتها، فتظل تتحدث بالنبرة ذاتها رغم أن موقعها داخل الأحداث يتغير باستمرار.
وهناك أيضا شخصيات أخرى تؤدي وظيفة تفسيرية أكثر مما تملك حضورا إنسانيا مستقلا، إذ تظهر لتقدم معلومة أو تكشف سرا، ثم تختفي من المشهد. وهذا ما يجعل بعض لحظات الرواية أقرب إلى نقل المعطيات منها إلى بناء علاقات إنسانية حقيقية تمنح العمل عمقه.
على مستوى السرد، تميل الرواية في مواضع كثيرة إلى إخبار القارئ بما تشعر به شخصياتها، بدل أن تجعله يعيش تلك المشاعر عبر المشهد نفسه. فوصف الخوف والارتباك والشجاعة يتكرر بصيغ متشابهة، بينما كان يمكن للتفاصيل الحسية وللحوار أن يمنحا هذه الانفعالات وقعا أكثر تأثيرا.
أما الكشوف الكبرى، فتأتي غالبا في اللحظة التي تحتاج فيها الأحداث إلى دفعة جديدة، أكثر مما تأتي كنتيجة طبيعية لتطور البناء الدرامي. لذلك يشعر القارئ أحيانا أن بعض المفاجآت وُضعت لتُبقي الحركة مستمرة أكثر مما وُضعت لتخدم منطق الحكاية.
ومع كل هذه الملاحظات، يصعب إنكار أن الرواية تحمل واحدة من أجرأ الأفكار في المشهد الروائي المغربي المعاصر. فهي تقتحم منطقة نادرا ما يقترب منها السرد العربي، وتطرح أسئلة حول الهندسة الوراثية، والذاكرة المزروعة، وقدرة التكنولوجيا على إعادة تشكيل الإنسان من جديد. مغامرة فكرية تستحق التقدير، لأنها توسّع أفق الرواية العربية وتدفعها بعيدا عن هيمنة الواقعية المعتادة.
ويُحسب للكاتب أيضا أنه حافظ على عنصر التشويق حتى آخر صفحة. فالرواية تعرف كيف تترك في نهاية كل فصل ما يدفعك لمواصلة القراءة، وهذه مهارة سردية ليست هينة في عمل يتجاوز المئتي صفحة.
كما تلفت الرواية الانتباه إلى قضية باتت أكثر حضورا مع تسارع الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحيوية: أن صراع المستقبل قد لا يكون على الأرض أو الثروة فقط، بل على الذاكرة ذاتها. فمن يملك القدرة على إعادة تشكيل الذاكرة، يملك القدرة على إعادة تشكيل الإنسان نفسه. ولهذا تبدو فرضية الرواية أقرب إلى أسئلة الغد منها إلى خيال بعيد المنال.
غير أن الخاتمة تنتقل بشكل مفاجئ إلى خطاب إيماني مباشر، بعدما ظل النص طوال معظمه يتحرك في أفق علمي وفلسفي. والمشكلة ليست في حضور البعد الديني بحد ذاته، فهو عنصر مشروع في الأدب، بل في أنه لم يُمهَّد له بما يكفي منذ البداية، فجاء أقرب إلى جواب جاهز يغلق الأسئلة التي ظلت الرواية تبنيها، بينما كان يمكن دمجه بشكل عضوي في النسيج السردي منذ الصفحات الأولى.
في النهاية، “شظايا ذاكرة مبرمجة” تجربة تستحق القراءة، لا لأنها رواية مكتملة، بل لأنها رواية طموحة. تفتح بابا ما يزال مواربا في الأدب المغربي، وتغامر بأسئلة تخرج عن المألوف، حتى وإن لم تنجح دائما في تحويل طموحها الفكري إلى بناء روائي متوازن.
امتلكت الرواية فكرة كبيرة، ربما أكبر من أدواتها السردية في بعض المواضع، لكنها رغم ذلك تؤكد أن الخيال العلمي المغربي بدأ يبحث عن موطئ قدم له، وأن الكتابة عن التكنولوجيا والهوية والذاكرة لم تعد ترفا أدبيا، بل صارت ضرورة يفرضها واقع يتغير بسرعة غير مسبوقة. ويبقى السؤال الذي تتركه الرواية معلقا بعد إغلاق صفحتها الأخيرة: إذا أصبحت الذاكرة قابلة للبرمجة، فكيف سنعرف أننا ما زلنا نحن؟
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.