شَخْصياتُنا الرِّوائيةُ تُحبُّ أحسنَ منّا!

شَخْصياتُنا الرِّوائيةُ تُحبُّ أحسنَ منّا!
الأربعاء 31 ماي 2023 - 23:42

1

لماذا لم تجد الرواية طريقها إلى احتضان الحب العذري بعدما سبقها الشعر إلى ذلك؟

أفترض أن أية محاولة للإجابة على هذا السؤال المُركب تتطلب الانتباه إلى توزّع مرجعيته النظرية بين حقول الفلسفة وعلم النفس والأدب، على الأقل. لذلك، لا ينبغي أن نشغل البال كثيرا بالتساؤل عن: ما هو الحبّ؟ بل أن نفكّر في سؤال أكثر إجرائية: لأي شيء يصلح الحبّ في الرواية؟ الحبّ بوصفه موضوعا حكائيا تستثمره الرواية في كل أنواعها: الرواية التاريخية والواقعية، والرمزية، والبوليسية، والتعليمية. مجالُ الحديث عن الحبّ هو العواطف والأهواء والأحاسيس؛ منطقة صعبة وملتبسة في نفسية الإنسان، سواء تعلّق الأمر بالحبّ في الحياة أو في الكتب. وهذا ما يجعل موضوع الحبّ مركّبا ومتفرعا إلى جملة من المواضيع المتخلَّلة مثل: السعادة والجمال والإحباط والجنس والحزن والفرح والتردّد والنشوة واللوعة والحرقة، والإثارة، والملل.

في السؤال السالف عبارة لعلها تثير الانتباه: الرواية لم تجد طريقها إلى احتضان ديمومة الحب؛ فرضًا: إذا احتضنت الرواية هذا الحبّ، فإنها ستصبح أسيرة له، أي أن هذا الاحتضان هو انتصار للمثالية، والحال أن الرواية هي دوما بحث في المجهول والملتبس، وضد كل المثاليات؛ ربما لهذا السبب ستظل الرواية عاجزة عن احتضان الحبّ، الذي اتخذ منه الرومانسيون الألمان، خاصة هلدرلين ونوفاليس، مدار تأملات عميقة باعتباره رغبة في تملّك شيء مجهول، لذلك لا يحضر الحب في الأدب بصفته عاطفة، بل عادة ما يتم توظيفه باعتباره فكرةً. نعم، لا أحد يجادل: الحبّ عاطفة، لكن معرفتها لا تتطلب فقط الإحساس بها، بل ينبغي أن يضاف إلى ذلك” تعقيلها”، ما دام الحب حالة قبل أن يكون علاقة، أي لا يمكن فصله عن حالات الغضب أو الحزن أو اللذة مثلا.

يحلّ الحبّ بالأجساد ويعدّلها؛ ينطلق التغزّل والتنظير الفلسفي للشهوانية من مادية الحبّ ومن فيزيائيته. ولذلك، فالمنهج الخاص بهذه العاطفة لا يمكنه أن يكون نفسانيا أو ظاهراتيا فحسب، بل بإمكانه أن يكون، أيضا، منطقيا ووجوديا. الحب تجربة وجودية. هناك علاقة بين الحبّ والفكر، أي أن تأمّل تجربة الحبّ يقود إلى خلق طريقة جديدة في التفكير، وهذا ما انتبه إليهBenoît Proux في بحثه القيّم: Pour une érotique philosophique.

يُبحر بنا أوكتافيو باث في كتابه «اللّهب المزدوج» والذي ترجمَه المهدي أخريف- ببارعة الشاعر الأديب- إلى عوالم النفس الإنسانية في ملمحها الإيروتيكي، ونكتشف أن عاطفة الحب كانت مذمومة من قبل المجتمع القديم؛ فقد اعتبره أفلاطون ضربا من الهذيان؛ ولم يكن الفلاسفة الآخرون أقلّ صرامة … حتى أبيقور رأى في الحب تهديدا لصفاء الروح. بينما عرّف الإغريق والرومان الحب دوما باعتباره عاطفة مؤلمة، جديرة بأن تعاش. هذه الحقيقة لم تفقد شيئا من راهنيتها الإنسانية: الحب رغبة في اكتمالٍ ما؛ بيد أن العالم القديم – ولحكمة ما – كان يفتقر إلى مذهب في الحبّ، أي إلى مجموعة أفكار مجسّدة في تصوّر مقبول ومعقول يراعي أساسيات نظرية فلسفية وأدبية بخصوص مفهوم الإيروس كما بينته تلك الأدبيات. ثمّة علاقة بين الحب العذري والمتعة وحرية الجسد:

كتابان وعلامتان بارزتان في الثقافة العربية يُمكن العودة إليهما لفهم هذه العلاقة واستخلاص بعض التجليات المتعلقة بعلاقة الحب بالمتعة مع أخذ بعين الاعتبار هذا الفارق: الحُسْن بالنسبة للمرأة، والوَسَامة بالنسبة للرجل: كتاب “الزهرة” لابن أبي بكر محمد بن داود الأصبهاني و”طوق الحمامة ” لابن حزم.

الحب في ” الزهرة” يُولد من النظر إلى جسد بهيّ، فدرجات الحب تتدرج من الجسم إلى الروح؛ وفي ” طوق الحمامة” يولد الحب أيضا من حسن الجمال، والتدرج يكون بالانتقال من الفيزيقي إلى الروحي.

لي أن أستخلص أن الحب العذري ليس تاريخَ فنّ وأدب، بل إنه تاريخُ إحساسٍ.

فهل يمكن التأريخ للوجدان؟

وكيف تكون الكتابة الأدبية معادلة للحنين الذي يجعلنا نُقبل على الحياة رغم أنها تحملُ بين طياتها أياما عادية، وأخرى عسيرة؟

إليكم البيان:

2

تستثمر رواية “الضوء الهارب” لمحمد برادة صورة الحبّ بوصفه هوًى مشتركا بين شخصياتها الرئيسية: العيشوني وفاطمة وغيلانة؛ تتعلّق هذه الصورة بجملة من الأحاسيس: التذكر والقلق، والاعتراف، والهيام، والإغراء. ثلاث حكايات في الرواية:

حكاية العيشوني، بطل الرواية، رسام من أب إسباني بالتبني، غير متزوج قرر القدوم إلى طنجة للعيش فيها مفتونا بالفن ومتع الحياة. وحكاية غيلانة التي عرفها العيشوني في طنجة وكانت له معها تجربة عشق نادرة؛ وأخيرا حكاية فاطمة ابنة غيلانة وحبيبة العيشوني، وقد استهوتها لعبة اكتشاف العلاقة جمعت بين أمها غيلانة والعيشوني؛ ذلك ما حدث ذات يوم حين حدّثت فاطمة أمها بإعجاب عن العيشوني، وقررت أن تتعرف عليه، وبالفعل تمكنت من إثارة انتباهه حتى دفعه للحديث معها عن العلاقة التي تقاسمها مع أمها.

من أجل دفن الحنين وتخطّي المرارة، يغدو الجسد، في الضوء الهارب، محور العلاقة ومركز جاذبيتها؛ بهذا تنتصر الحكايات الثلاث لفكرتين:

“المرأة عندما لا تغري تعيش انسحاقا وجوديا، ولكي تلغي الموت عن جسدها تُمارس التمويه”؛

“كنت فيما يخيل إليّ الآن حريصة على أن أعيش تحرري في حالته القصوى”.

إن عالم المرأة، في هذه الرواية، عالم مُتسم بالاهتزاز والتّفكك؛ هو تفكك وتصدع أسرة ومجتمع، الأمر الذي يجعل المرأة هاربة من زمن ماض، وهاربة من مكان معلوم ومجهول في آن، تقول فاطمة “كنت معلقة هاربة كما قلت لك من ذاكرتي متشبثة بالأمور التافهة، مدمنة على التجوال.. عبر شوارع باريس باحثة عن وسيلة تمكنني من البقاء فيها وقطع الصلة مع الماضي وبلدي”؛ لماذا الهروب وما معنى القطع؟

في رواية عبد الفتاح كيليطو: خصام الصور: ما كان يدهش عبد الله في كل لقاء عن بُعْد مع ثريا هو الخفق المتسارع والمجنون لقَلبه؛ كان يحبّ ثريا ولم يكن يدرِ. ثم إن ما يحسّ به نحو ثريا كان يفتقد إلى أي قيمة استهلالية، أي إلى أصالة في الحب؛ فما كان عبد الله يحياه هو فقط تكرار لتجارب كان يقرؤها في الكتب والروايات. فبأيّ حبّ يلوذ عبد الله؟ هل بالحبّ البطولي لروايات الفروسية؟ أم بالحب في الأوساط البورجوازية؟ هل يستكين للحب المأساوي أو العذري؟ لم يكن عبد الله يستطيع أن يصنّف حبّه في أي من هذه التصنيفات حيث كان المُحبان، مهما يكن مصيرهما، يتعرّفان على نفسيْهما ويتقبّلان بعضهما ويشكلان زوجا رائعا من المُحبين.

الصنف الوحيد الذي يبدو له مطابقا لحكايته هو صنف المحبيْن اللذين لا يجرؤان على الإفصاح عن حُبهما، بسبب الخجل أو لأنهما يعتقدان أن حبهما ليس مشتركا، لا يقبضان على الفرص الممنوحة للإعلان عن حبهما.

يا للأسف، لم تكن ثريا تحب عبد الله سرّا، كانت متعلقة جهرا ببنمعروف.

حاول عبد الله نسيان ثريا. كان يعيش حبه باعتباره نوعا من السقوط والجبن. كان يعتقد أنه سيكون دوما العاشقَ التعيس. لكن بعد أعوام، عرفت عواطف ثريا تطوّرا غير مُتوقع، وذات مساء تحت شجرة قبّلته.

الحبّ في رواية القوس والفراشة لمحمد الأشعري مسافة غامضة بين الرغبات والأهواء في علاقة يوسف بنسائه: بهية وليلى وفاطمة والغالية وأضيف إليهنّ ديوتيما، وحبيبته المتوهمة التي يكتب إليها رسائله المنشورة؛ نساء يوسف لحظات فانيات، لهنّ حضور الوفيّات لكن سرعان ما يغبن بكبرياء؛ تعلو خدودهن حمرة الخجل، ويقفن رغم ذلك على حافة الانتحار أو الانهيار. في رواية القوس والفراشة صفحاتٌ تحتفلُ بالمُبْهج والحُنوّ، بالبوح وبالمشاعر الحارقة، خاصة في علاقة يوسف بليلى وفاطمة؛ في هذه الصفحات يتحرّر يوسف من رتابة يوميّ تؤثثه مُفارقات البلد. المُبْهجُ في هذه الرواية أن الحبّ يسمحُ بتخطي الخيبة في الحبّ والسياسة والتاريخ؛ ولا يحوّل فاطمة وليلى إلى طيْفين، بل يمنحهُما وُجودا بمشاعر شديدة الاتقاد؛ معهما وبرُفقتهما لا يضعُ يوسف مصيرهُ للمُساومة، ولا يتحدثُ إليهما بلغة الأقنعة. لذلك يخبرنا يوسف في كتاب المراثي أنه للتغلب على الاكتئاب كان يعود إلى العُلبة التي هي خزانات الأحاسيس والصور والكلمات التي نضع فيها تلقائيا كل ما يحصل لنا في لحظات الحبّ الكثيفة، وحيث اللقاء مع امرأة لها قدرة خارقة على جعل الكلمات والأشياء متعادلة تماما في الكثافة والهشاشة.

وفي رواية طوق الإلاف للميلودي شغموم، مِن عادة خديجة أن تظهر وتختفي شهرا أو سنة بدون إعلام أو أدنى مبالاة. يحلو لها أن تغيب، وإن عادت يرحب بها سمير لأنها تهزّ روحه وتغرقه في الوضوح الغامض. تعود علاقتها بسمير إلى زمن الطفولة البعيدة لما كانا يدرسان في نفس المدرسة، تقاعدت هي وسمير في إطار المغادرة الطوعية؛ كانت رئيسة للقسم الثقافي بعمالة سلا، وكان هو مفتشا في وزارة المالية. يقطن في حيّ حسان، وتقطن في حي بطانة. ليس لخديجة عُمْر، حتى وهي في السّتين. تجاوزت أزمة سنّ اليأس بسهولة، وبروح إيجابية، كانت تكبر وهي تعبر مراحل العمر من غير أن تشيخ. بقيت ملكَ نفسها، امرأة، ذكية رغم غموض بعض أفكارها، بيد أن حياتها ستنتهي إلى فاجعة حين ستتعرّف على ضابط أمن يمارس الرسم والكتابة، اغتصبها فاغتالته لأنها اعتبرت ذلك مسّا بحرّيتها. ستصبح خديجة امرأة مجروحة ومطعونة في كرامتها. لخديجة قلب حي طافح بالحياة، لكنه قلب مهجور وضائع وموزع بين حكايتين. بهذا المعنى، تبدو علاقة خديجة بسمير، صديق الطفولة، موزعة بين ثلاثة أفعال تصرّف بحسب مقتضيات المزاج وأهواء الرغبة: أفكر وأتذكر وأتخيل. أفعالٌ وجدانية كانت تصل حديث سمير مع خديجة إلى قدر كبير من سَعة الوُجود، فيحسّ بأنه حيّ بالكثير من الصفاء بعد فاجعة موت زوجته وهي تلد، وموتِ ولَده بعد ذلك بأيام.

3

تستثمر الحكاية في هذه الروايات موضوع الحبّ وتؤثث به فصولها من أجل وصف الرغبات والتجارب من عمق اليومي، حين:

– تُؤكد على التحرر الفكري الذي تتمتع به باعتباره جزءا من تحرّرها الجسدي.

– تُحوّل اللحظة العاطفية إلى عالم رحب لا ينقل أفعالا منتهية، إذ غالبا ما تحضر، تلك الأفعال، إما عبر التذكر (استدعاء الذكرى) أو الاعتراف (البوح).

للحبّ في هذه الروايات ثلاث صور، إنه:

بحث عن سعادة جديدة هروبا من تعاسة قديمة؛

كشف ٌ لشفافية داخلية مصحوبة بالشكوى والحرمان؛

كل المُحبين يتَفلسفُون: إما عبر الاعتراف أو الاستسلام للقَدرية.

فما الذي يجعل من رواية ما رواية حبّ؟ أليست قصة الحبّ قصة كلّ الأحاسيس: الغيرة والإثارة والإغراء والفشل، والخجل، والكبرياء؟ هل يمكن للحبّ أن يحميَنا من الضجر والوحدانية؟

عجبا: شخصياتنا الروائية تحبّ أحسن منّا!

هيَ علَى الأقل تقولُ: أحبّكَ وأحبّكِ … وبالعربية.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Lamya
    الخميس 1 يونيو 2023 - 14:11

    من الصعب الحديث عن الحب, لأنه يختلف باختلاف الناس و قصص عشقهم و تجاربهم و اديولوجيتهم و ظروفهم المعيشية…
    حسب تجربتي الخاصة أقوى قصص الحب هو العشق الالاهي و الحب في الله و ما دون ذلك سراب و ربما عذاب بسبب الحنين الدفين الدائم لشيء غير موجود فيمن تحب, لأن الإنسان ناقص و الكمال لله وحده

صوت وصورة
مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن
السبت 24 أكتوبر 2026 - 00:35 2

مؤتمر "التوحيد والإصلاح" الثامن

صوت وصورة
154 ألف حالة طلاق بالمغرب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 21:00 16

154 ألف حالة طلاق بالمغرب

صوت وصورة
عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 20:30 6

عبقري يكشف رؤية جديدة للشباب

صوت وصورة
الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 18:32 4

الأغلبية والمعارضة تناقشان عرض لقجع

صوت وصورة
إصلاح الضريبة على الدخل
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 17:47 4

إصلاح الضريبة على الدخل

صوت وصورة
لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة
الجمعة 23 أكتوبر 2026 - 16:02 8

لقجع يوجه رسائل إلى المعارضة