صناعة التفاهة في زمن الخوارزميات .. حين تتراجع المعرفة أمام المشاهدات

صناعة التفاهة في زمن الخوارزميات .. حين تتراجع المعرفة أمام المشاهدات
كاريكاتير: عماد السنوني
الخميس 27 غشت 2026 - 01:00

أحدث التحول الرقمي، بما يحيل إليه الأمر من اعتماد آليات تقنية ومتطورة في مختلف مناحي الحياة العلمية والعملية في المجتمع، ودمج التكنولوجيا الحديثة وما يتصل بها من رقمنة وذكاء اصطناعي في هذا الخصوص، ثورة حقيقية في مختلف مناحي الحياة الإنسانية عبر العالم، بعدما اكتسح عدداً من المجالات الصناعية والإدارية والتعليمية.

تنطوي الرقمنة بشكل عام على قدر كبير من الأهمية، باعتبارها تدعم التطور التكنولوجي، وتتيح حفظ المعلومات والأرشيف، علاوة على ضمان حماية المعطيات والبيانات ومنع ضياعها تحت تأثير الزمن أو اعتبارات أخرى، كما لا تخفى أهميتها على مستوى تعزيز التواصل الإنساني، وتحسين الخدمات الإدارية، وتجاوز الإشكالات البيروقراطية والتقليل من الأخطاء البشرية.

ومن جهة أخرى، وفّرت الرقمنة والتكنولوجيا الحديثة فرصاً كبيرة لتطوير منظومة التعليم والتربية، حيث أصبح التعليم عن بعد أحد السبل الداعمة للجودة وتطوير المناهج، وتجاوز الإكراهات الناجمة عن ضعف الإمكانيات ونقص البنى التحتية والأطقم التربوية.

كما برزت المدن الذكية كفضاءات منفتحة على الطفرة الرقمية، وبخاصة على مستوى تعزيز الاستجابة للتطورات المجتمعية المتصلة بتمدّد المجالات الحضرية، والمحافظة على البيئة، وتحقيق الأمن الإنساني وتدبير الكوارث، وتيسير تدفق المعلومات، وإضفاء طابع من الحوكمة على الخدمات المقدمة للمواطن.

وإضافة إلى ذلك، مثّل الإعلام الرقمي ثورة حقيقية في مجال الصحافة، بعد ظهور قنوات ومواقع متعددة، بالإضافة إلى شبكات التواصل الاجتماعي، التي انتشرت عبر العالم، وساهمت في تقديم معلومات وافية حول عدد من المواضيع، وإثارة قضايا مختلفة، كما وجّهت انتقادات للسياسات، ما ساهم في تزايد تأثيرها في أوساط الرأي العام وطنياً ودولياً.

وفي مقابل ذلك، طرح التحول الرقمي بتسارعه الكثير من الإشكالات، وبخاصة على مستوى التهديدات المرتبطة بالقرصنة واختراق الخصوصيات، والمسّ بحقوق الأفراد والجماعات، زيادة على تكريس هوّة رقمية بين دول تصنع وتتحكم في هذه التكنولوجيا، وأخرى تستهلكها بشكل عشوائي ودون أن تمسك بخيوطها.

وعلى المستوى الاجتماعي، كرّست هذه التقنيات مجموعة من الممارسات والسلوكات غير السليمة، كما هو الأمر بالنسبة لتراجع الروابط الأسرية، والاعتماد المبالغ فيه على الرقمنة في الحصول على المعلومات والبحث العلمي، على حساب التنكر لمجموعة من القنوات التقليدية التي لا تخلو من أهمية، كالكتاب الورقي والنقاشات الواقعية. فيما تغيّرت الكثير من المفاهيم بصورة كبيرة، كالعمل والتواصل والانتماء والتفاعل والخصوصيات، من طابعها التقليدي إلى طابع افتراضي.

قبل أكثر من سبعة عقود، تنبأ الكاتب “جورج أورويل”، ضمن كتابه الموسوم بـ”1984″، بهيمنة التكنولوجيا على حياة الإنسان، وتحكّمها فيه جسدياً ونفسياً، من خلال أجهزة بثّ للدعاية السياسية ومراقبة تحرّك الأفراد، والتنصّت عليهم في كل مكان. وكذا استعمال تقنيات متطورة لإعادة صياغة الصحف القديمة، بما يجرّد الأفراد من ذاكرتهم ويكرّس رؤية الحزب المهيمن. بالإضافة إلى اعتماد هندسة لغوية تختزل الكلمات، كسبيل لمنع الأفراد من الاجتهاد أو بلورة أفكار متحررة من خلال جهود وتأثيرات ما يسميها بـ”وزارة الحقيقة”.

يبدو أن التحول الرقمي أسهم بشكل كبير في تحقيق بعض مما ذهب إليه “أورويل”، بعدما أضحت الهواتف الذكية والكاميرات المنتشرة في كل مكان تترصّد تحركات الأفراد، وتؤثر في ميولاتهم وأذواقهم، حيث انخرطت مجموعة من الشركات العالمية الكبرى العاملة في هذا الخصوص في التأثير على سلوكيات الأفراد، وفي توجهاتهم السياسية والثقافية والاقتصادية.

لقد ساهمت التحولات التي رافقت هذه المتغيرات، وبخاصة مع تصاعد أدوار شبكات التواصل الاجتماعي التي تحظى بإقبال جماهيري كبير وبين مختلف الفئات الاجتماعية وفي مناطق مختلفة من العالم، في نشر الكثير من الأخبار الزائفة، والمعلومات التافهة التي تفتقد إلى أي عمق معرفي أو علمي.

فقد تمّ تصميم هذه الشبكات بشكل ذكي حتى تشدّ انتباه المرتادين عبر نشر يوميات تافهة بمقاربات سطحية، تعيد تشكيل الوعي بما يخدم الاستهلاك السلبي المستدام الذي يصب في مصلحة الشركات التكنولوجية الكبرى، حيث ساهمت في قلب الكثير من المفاهيم، فالشهرة أضحت متاحة للمؤثرين من ناشري هذه المحتويات المبنية على الإثارة وأرقام المشاهدات، في مقابل تغييب النخب المثقفة والأكاديمية، وكل المحتويات المفيدة.

ومن جانب آخر، أسهمت هذه الطفرة الرقمية المبنية في جزء منها على ما يسمى بـ”اقتصاد الانتباه” في تعزيز الإدمان على متابعة ما تقدمه هذه الشبكات من محتويات قصيرة المدة، مدعومة بخوارزميات تعزز انتشارها، وفي تكريس العزلة داخل المجتمع، وتسطيح وعي النشء بشكل خاص والعلاقات الإنسانية بشكل عام، عبر الدفع باتجاه تضييع وقت كبير في متابعة محتويات هذه الشبكات التي تتجاوز الرقابة التقليدية.

رغم فوائده المتعددة، فقد فرض التحول الرقمي واقعاً جديداً، سمح بالتحول من “مجتمع المعرفة إلى مجتمع المنصات والشبكات الرقمية”، ومن التثقيف إلى الترفيه، مما أدى إلى تهميش النقاشات الفكرية النقدية والمنفتحة على قضايا المجتمع الحقيقية، في مقابل ترويج التفاهات والنقاشات السطحية التي لا تجدي نفعاً.

إن مواجهة طوفان التفاهة هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها الدولة والمجتمع، وهي تتطلب سنّ قوانين توازن بين حرية التعبير من جهة وحماية الحقوق والحريات من جهة أخرى، ثم إدراج الوعي الرقمي ضمن البرامج التعليمية، بما يسمح بتهميش وإزاحة المنشورات التافهة، وانخراط النخب المثقفة والمبدعة في استثمار الشبكات الرقمية على مستوى نشر محتويات بناءة تحدّ من زخم التفاهة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • رضوان الشمالي
    الخميس 27 غشت 2026 - 01:04

    من أجمل مقالات هسبريس إلى حدود اللحظة …

  • عبد الحق
    الخميس 27 غشت 2026 - 01:11

    أصبح المغرب في المرتبة الأولى عالمياً في التفاهات والخوارزميات والثثقيف والمعرفة والثقافة والعلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية

  • بناجي
    الخميس 27 غشت 2026 - 01:16

    هي آلة الزمن دخلنا لها من باب آواخر التسعينات ونصل الى سنة2026 وقد تم ضبط مصنعنا عنوة نحن المخضرمين،أما الجيل الحالي فمبرمج ضمنيا…تحول لم ندخله بإرادة بل بعزيمة من تحملوا قيادة العالم ،سواء الى النجاة او الى الغرق،لايهم،المهم عندهم هو الريادة،ونحن كقطيع تابعون،ونوجه أينما وجهت بوصلة فضول اكتشافاتهم…الحياة أصبحت مجرد لعبة يتسلى بها الاغلبية،ولم يعد لها مفهوما ومعنى ومغزى؟!هذا تحول خطير في ضرب كل ماتحقق في الأزمنة الغابرة في الصفر؟!الأمر أصعب من أن يتخيل!!!اللهم ردنا الى دينك ردا جميلا.آمين.

  • ÖBSERVER
    الخميس 27 غشت 2026 - 01:37

    لمحاربة التفاهة يجب تصنيف القنوات في التواصل الاجتماعي حسب “المحتوى” وذلك تحت تأطير وزارة الثقافة بين القنوات التي تقدم محتوى : سياسي وتأريخي وادبي ومعرفي وطبي وتراثي و ديني ..ثم تأتي في المراتب الأخيرة التي تصنف ضمن التفاهات وذلك بإشراف يومي للجنة وطنية وجهوية وإقليمية و أخرى دولية والهدف من هذا هو فرض ضرائب على العائدات من هذه القنوات و لاسيما المحتوى التفاهي تكون ضريبته اغلى حتى لايترك للمشرفين عليه إلا النزر القليل والضئيل وبالتالي الانسحاب …

  • الخوارزمي
    الخميس 27 غشت 2026 - 05:59

    هناک من هم اخطر من صناع التفاهة في زمن الخوارزميات.. اصحاب الطاكسيات اللذين لا يفهمون في الخوارزميات ويخافونها الى درجة انهم يقتلون ويعنفون. على الاقل صناع التفاهة يربحون اموالا ويمكن للدولة فرض ضرائب تدخل خزينة الدولة. ثم من يحدد ما هي التفاهة؟ كيف سنصنف المقال اعلاه ولماذا؟ هل جاء بشيء جديد؟

صوت وصورة
تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي
الأحد 11 أكتوبر 2026 - 10:57 2

تشييع المغربية ضحية الهجوم الحوثي

صوت وصورة
معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 23:30

معرض الطيران يجمع الفرجة والمعرفة

صوت وصورة
مضادات "درون" مصنوعة مغربيا
السبت 10 أكتوبر 2026 - 21:30 3

مضادات "درون" مصنوعة مغربيا

صوت وصورة
الدار البيضاء تتضامن مع غزة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 20:15 5

الدار البيضاء تتضامن مع غزة

صوت وصورة
سعر الدجاج بـ24 درهما
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:45 11

سعر الدجاج بـ24 درهما

صوت وصورة
لشكر .. تحالف "البام" والكتلة
السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:15 9

لشكر .. تحالف "البام" والكتلة