ضبط شهود الزور

ضبط شهود الزور
الثلاثاء 20 يونيو 2023 - 07:40

في أواخر شهر فبراير من سنة 2023 انتشر عبر مواقع التوصل والتراسل إخبار برأسية المجلس الأعلى للسلطة القضائية، مرسل للسادة الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف، والسادة رؤساء المحاكم الابتدائية، أشير فيه إلى أن وزارة العدل طورت برنامجا بموجبه يتم إدخال معلومات كل شاهد شهد في قضية زجرية باسمه العائلي والشخصي ورقم بطاقته الوطنية، والتصريحات التي يمكن أن يكون المعني بالأمر قد صرح بها أمام الضابطة القضائية، أو الشهادات التي شهد فيها أمام المحاكم الزجرية، مبرزا أن الهدف من وراء العمل بهذه التقنية هو ضبط محترفي شهادة الزور، والمساهمة في ردع هذه الظاهرة المشينة.

وكذلك بعدها صرح السيد وزير العدل الأستاذ عبد اللطيف وهبي بأن شخصا معينا شهد زورا في أربعين شهادة، وبأن ذلك تم كشفه باعتماد هذه الآلية.

وفي جوابه عن سؤال كتابي بالبرلمان، أكد السيد وزير العدل أن نظام ساج 2 الذي وضعته وزارة العدل، الخاص بالقضايا الزجرية، يساعد على ضبط شهادة الشهود بمختلف القضايا الزجرية وتضمين اسم من شهد فيها، وأنه بمجرد البحث برقم بطاقة تعريف أي شخص أو اسمه العائلي يمكن معرفة عدد القضايا التي شهد فيها.

هذا عن إخبار المجلس الأعلى للسلطة القضائية وتصريح السيد وزير العدل عن آلية الشهود، ولكن سأنقل لكم حالة من واقع الحال، بعد انسياب الحديث عن هذه الآلية في وسائل التواصل والمواقع الإخبارية، فقد حضر لمكتبي شخص يريد تقديم شكاية ضد شخص هجم عليه ليلا بمنزله بالبادية، واعتدى عليه بالضرب، وكان أحد جيرانه هو الوحيد الذي شهد الواقعة، وقام بثني المعتدي عن الاستمرار في الاعتداء على الموكل، وفي الصباح توجه الموكل للمستشفى وحصل على شهادة طبية مدة العجز بها خمسة عشرة يوما، وحضر لمكتبي، لكي أحرر له شكاية لفائدته بالهجوم على مسكن الغير والضرب تُقدم للسيد وكيل الملك بالجديدة، وطلبت منه أن يحضر لي شاهدا على الواقعة، فأخبرني بأن أحد جيرانه حضر الواقعة، وهو الذي أوقف المعتدي عن الاستمرار في اعتدائه عليه، وبالفعل رجع إلى منزله لكي يطلب من الشاهد أن يشهد له على ما وقع بعد تضمين اسمه في الشكاية، فرفض الشخص الشهادة له بعلة أنه اطلع على أحد الفيديوهات بمنصة لعرض الفيديوهات الصغيرة تشير إلى أن وزارة العدل وضعت برنامجا لمراقبة من لهم شهادات سابقة، وأنه سبق أن شهد قبل عشر سنوات في قضية، وشهد بعدها في إراثتين، ويخاف أن يتم اعتقاله أو متابعته من أجل احتراف الشهادة، ورفض رفضا باتا الشهادة للموكل رغم أنه حضر الواقعة، والسبب في رفضه تقديمه شهادة حق هو سماعه عن هذه الآلية التي أصبحت تخيف شهود الحق وتنفرهم عن تقديم الشهادة أكثر من تخويف شهود الباطل؛ فسألت الموكل هل لديه فيديو وصور عن الهجوم والاعتداء فأكد عدم وجود ذلك، وسألته عن خصمه، هل هو شخص يمكن أن يخاف أمام الضابطة القضائية أثناء البحث معه، ويعترف تلقائيا بارتكاب الفعل، فأكد لي أنه شخص لا يمكن أن يعترف بالجرم الذي ارتكبه، وخصه بالعبارة التالية: إنه “شرايعي”، فطلبت أن يرفع أمره إلى الله وينسى أمر الشكاية، لأنه سيتم حفظها من طرف النيابة العامة، وحتى لو تابعته النيابة العامة سيحكم عليه بالبراءة، بسبب عدم وجود أي وسيلة إثبات ضده تفيد ارتكابه الجرمين، وبسبب رفض الشاهد الوحيد الشهادة له.

وبما أن الفكرة التي طرحها الإخبار، ويتكلم عنها السيد وزير العدل، هي فكرة نبيلة هدفها قطع دابر شهادة الزور التي أصبحت تلطخ سمعة البحث الجنائي وتحرف الحقيقة، وتجعل القاضي بحسن نية يصدر حكما ظاهره العدل وباطنه الظلم الذي تسبب فيه شاهد الزور أو حرفته شهادة الزور التي قدمت أمام القاضي.

ولا شك أننا متفقون على أن الشهادات المتعددة لشخص معين قد تثير الشك والريبة، ولكن اتهام شخص معين باحتراف شهادة الزور يقتضي البحث معه، والتأكد من أن شهادته لم تكن حقيقية، إما باعترافه أو باعتماد وسائل قانونية تؤكد أن شهادته التي شهد بها كانت مزورة وغير حقيقية، وصدور حكم يدينه بذلك. وبما أن المتهم يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته بحكم حائز لقوة الشيء المقضي به فكلما سلك في فعل شهادة زور طرقا من طرق الطعن مازال متاحا له، ولا يصبح شاهد زور إلا بعد إدانته واستنفاده كل طرق الطعن التي يكفلها له القانون. أما إذا ما تمسك الشاهد بشهادته التي شهد بها أمام المحكمة، ولم يتراجع عنها، ولم يستطع خصومه إثبات زور شهادته بأي وسيلة قانونية لا يمكن اعتبار شهادته شهادة زور، حتى ولو كانت في باطنها شهادة زور.

ونرجع بعده إلى الإخبار، بما أنه طلب من السادة الرؤساء أن يُعلموا المسؤولين بالمجلس عن الصعوبات التي قد تعترض المضي في الاطلاع على المعلومات المضمنة بهذه الآلية؛ ولا شك أنه لم يبين الطريقة التي سيتعامل بها السادة القضاة معها، إذ من المنتظر أن يفرز الواقع العملي الكثير من الصعوبات، والواسع من المطبات.. ومن خلال اطلاع سريع وغير معمق أريد أن أسلط الضوء على بعض الصعوبات التي قد تواجه تطبيق هذه الآلية، وهي كما يلي:

ما علاقة السادة الرؤساء، أو السادة القضاة، بهذه الآلية؟ وهل إذا ما قدم لهم طلب الاستماع إلى شاهد معين في ملف معروض عليهم سيدخلون إلى هذه الآلية لمراقبة سجل هذا الشاهد؟ وهل إذا ظهر لهم، بعد دخولهم إلى منصة المصرحين والشهود، أن هذا الشاهد صرح في مجموعة من محاضر الضابطة القضائية، وشهد في مجموعة من الملفات أمام المحاكم، سيستبعدون شهادته أم سيخبرون رؤساءهم أم النيابة العامة؟ أم إن السادة الرؤساء هم من سيبحثون عن أسماء المصرحين في كل محضر، ويخبروا المحكمة بتاريخ هذا الشاهد مع الشهادة؟ أم إن هذا البحث سيكون موكولا لأطراف الدعوى ودفاعهم؟ وهل الوقوف على وجود شهادات متعددة لشخص معين، مثبتة بهذه الآلية، كاف لاستبعاد شهادته والطعن فيها واعتبار أنها ستكون شهادة زور؟ وهل هناك معيار عددي للشهادات التي تجعل الشخص مشتبها في شهاداته السابقة أو التي سيشهد فيها في ملف رائج أمام المحكمة؟.

هل يحق للسادة القضاة أن يطلعوا على تاريخ هذا الشاهد في هذه الآلية، لأنهم بفعلهم هذا حسب اعتقادي سيكونون قد خرقوا واجب الحياد المفترض فيهم، الملزمين بتطبيقه بشكل متوازن بين أطراف الخصومة الجنائية، أم سيعرض عليهم سجل شهادة هذا الشخص في الشهادة من أطراف الخصومة أو دفاعهم؟.

القاضي الجنائي كما نعلم يحكم بحسب ما ضمن بأوراق الملف المعروض عليه، وما نوقش أمامه من معطيات، وبحسب اعتقاده الصميم الذي كونه منهما، ولا يحكم بحسب علمه خارج دائرة وثائق الملف، فهل يحق له أن يدخل إلى منصة الشهود هذه، ويحصل على سجل الشاهد في الشهادة أمام المحاكم وتصريحاته أمام الضابطة القضائية؟ ألا يعتبر هذا تجاوزا لاختصاصه وعمله، وتمييزا ضد الطرف الذي سيعتمد على هذا الشاهد، لأن القاضي سيبدأ في البحث عن وسيلة تُشكك في شهادة هذا الشاهد، وتجعل القاضي بعد تأكده من تعدد شهادات الشاهد الذي بحث في سجله بهذه المنصة بعد دخوله إلى منصة الشهود التي أوجدتها وزارة العدل يجتهد لاستبعاد شهادته؟.

هل يمكن أن نعتبر هذه الآلية ودعوة السادة القضاة إلى اعتمادها بدون نصوص قانونية تنظمها وتحددها مسا باستقلالية القاضي وبوسائل الإثبات التي سطرها القانون، وآلية جديدة تم خلقها في غياب النص القانوني، لتجريح الشهود أو التشكيك أو الطعن في شهادتهم، التي كان يمكن للأطراف أن يتمسكوا بها؟.

هل هذا الإخبار إذا ما تم تطبيقه سيصبح القاضي المفترض فيه الحياد، والذي يأخذ مسافة كبيرة بين جميع الأطراف، ويوازن بين كل طرف، ولا ينحاز لطرف على آخر، هو من سيقوم بهذه المهمة، أم ستقوم بها النيابة العامة أم الخصوم ودفاعهم؟.

ألم يكن جديرا بمن طرحوا هذه الفكرة النبيلة أن يجعلوا الاطلاع على هذه المنصة مكفولا لخصوم الدعوى الجنائية، وإبعاد هذه المهمة عن السادة القضاة؟ فكل خصم يمكنه أن يطلع على سجل الشاهد الذي سيشهد ضده وتاريخه، بعد إذن من النيابة العامة، وإذا ما ظهر له مبرر يمكنه أن يتقدم بشكاية ضد هذا الشاهد، مع تحفظي الشديد حول هذه الآلية، الذي سأبين سببه بعد حين.

أليست وسائل الإثبات الكبرى والمهمة في نظامنا الجنائي لإثبات أغلب الجرائم مبنية على الاعتراف وشهادة الشهود؟ ألا يمكن بهذه الآلية أن نضرب الإثبات الجنائي في مقتل، ونُخوف الناس من تقديم شهادتهم في القضايا الجنائية؟ وهنا نقصد تخويف أصحاب الشهادات الحقيقية ونجعلهم يكتمون الشهادة وهم يعلمون مرتكبي الجريمة، بعد هذا الإخبار.

هل يمكن لشخص متعلم أو حتى أمي، سمع بأمر هذا الإخبار، وكان من قبل شاهدا مثلا قبل سنتين في قضية ضرب وجرح حضر أطوارها، وبعد مدة منها كان الشاهد الوحيد ممن عاين من شرفته جريمة قتل مثلا، وعرف القاتل فيها، أن يغامر ويذهب ليشهد في هذه الجريمة الخطيرة ويجعل العدالة تتحقق، حتى لا يفلت المتهم من جريمته، بعد أن أصبحت لديه سابقة في الشهادة وسمع بأمر هذا الإخبار؟ بطبيعة الحال سيرفض أداء الشهادة، خوفا من أن يعتبره القاضي شاهدا محترفا للشهادة، ما قد يضعف شهادته أمام الهيئة التي اطلعت على هذه الآلية ووجدت أن هذا الشاهد شهد قبل ذلك مرة أو مرات. وهل سيصبح هذا الشاهد، الذي أراد فقط أن يقدم خدمة جليلة للعدالة ويؤدي شهادته لينال القاتل عقابه وتتحقق العدالة، على مرمى شكاية تُقدم ضده بشأن شهادة الزور، اعتمادا فقط على تعدد شهاداته حتى ولو كانت حقيقية، ويتحول من شاهد حقيقة إلى متهم باحتراف الزور وتضليل العدالة.

من يريد أن يقدم شهادة صادقة مثلا في جناية بعد هذا الإخبار سيكون بين نارين، بعد تقديم شهادته سيصبح اسمه مسجلا في سجل الشهود، وتصبح لديه سابقة شهادة، أو يمتنع عن تقديم الشهادة خوفا من ملء صحيفة الشهادة التي أصبح كل شخص شاهد مرشحا لتضمين اسمه بها، ويصبح حينئذ مواجها بمقتضيات الفصل 378 التي تنص على أنه “من كان يعلم دليلا على براءة متهم محبوس احتياطيا، أو مقدم للمحاكمة من أجل جناية أو جنحة، وسكت عمدا عن الإدلاء بشهادته عنه فورا إلى السلطات القضائية أو الشرطة، يعاقب بما يلي: الحبس من سنتين إلى خمس سنوات والغرامة من مائتين وخمسين إلى ألف درهم، إذا كان الأمر متعلقا بجناية…”.

ألا يمكن لهذه الآلية أن تجعل محامي المتهم يشكك في شهادة الشاهد الوحيد والحقيقي الذي ثبت مثلا أنه شهد في قضية ضرب وجرح، وشهد في قضية تهديد، والذي شاهد قيام المتهم بطعن وقتل الضحية، أمام غرفة الجنايات، ويقول فيها ما لم يقله مالك في الخمر؛ ويتهم الشاهد باحتراف شهادة الزور؟ وهل بسبب دفاع المتهم ستستبعد المحكمة شهادة الشاهد وتقضي ببراءة المتهم القاتل لإنكاره التهمة وشكها في شهادة رجل ضده، فقط لأن الشاهد له سوابق في الشهادة، خصوصا أن الشك حسب قانون المسطرة الجنائية يُفسر لصالح المتهم؟.

جريمة شهادة الزور كما نعلم، في القانون وفي نظري، هي كما أسميها جريمة الإصرار، فهي لا ثبتت في حق أي متهم إلا إذا حضر إلى المحكمة وبقي مصرا على شهادته أمامها، وثبت بعد ذلك بوسائل الإثبات القانونية أن شهادته لم تكن حقيقية، وأنها شهادة زور. لكن الشخص الذي يشهد أمام المحكمة ويؤدي اليمين القانونية، وكانت شهادته مزورة، وقبل أن ترفع الجلسة تراجع عن شهادته، وسجل ذلك في محضر الجلسة، لا يعتبر شاهد زور، ولا يكون قد ارتكب شهادة الزور، لأنه تراجع عن شهادته الأولى التي كانت مزورة، وشهد في شهادته الثانية بالحقيقة قبل أن ترفع الجلسة لأن الفصل 368 الذي يتكلم عن شهادة الزور ينص على “شهادة الزور هي تغيير الحقيقة عمدا، تغييرا من شأنه تضليل العدالة لصالح أحد الخصوم أو ضده، إذا أدلى بها شاهد، بعد حلف اليمين، في قضية جنائية أو مدنية أو إدارية، متى أصبحت أقواله نهائية”. وهذا يعني أن الشاهد متى تراجع عن أقواله قبل إقفال باب المرافعة وقبل الحكم في القضية لا تتحقق جريمة شهادة الزور تجاهه؛ لذلك فشهادة الزور لا تنتهي جميع عناصرها إلا إذا بقي الشاهد مصرا على شهادته، وكانت شهادته نهائية، ولم يتراجع عنها قبل قفل باب المرافعة، لذلك أسميها جريمة الإصرار. وحكمة المشرع في جعل شهادة الزور لا تقوم إلا بعد أن تصبح نهائية طرح يُراد منه تشجيع الشاهد على التراجع عن شهادته المزورة، ومنحه رخصة قانونية قصيرة لكي يراجع نفسه وضميره، ويتراجع عن شهادته متى كانت مزورة ويُصرح بالحقيقة قبل قفل باب المرافعة، لأن معاقبته بعد شهادته وحلفه اليمين، وعدم منحه هذه الرخصة القانونية، قد يجعله متشبثا بشهادة زور خوفا من الإدانة، ما يجعله متمسكا بهذه الشهادة المزورة من بداية الجلسة إلى انتهاء أطوار المحاكمة، إما بسبب الخوف من العقوبة أو الاعتقال والإدانة، وإذا لم يتراجع عنها قد تصيب شهادته العدالة في مقتل حين تعتمدها المحكمة، وهذا هو السر الذي جعل المشرع المغربي لا يعاقب الشاهد الذي شهد زورا في بداية الجلسة، وتراجع عن شهادته وصرح بالحقيقة قبل انتهائها، فالقانون يشجعه على التراجع عن شهادة الزور، ويكفل له عدم عقابه.

مقدمو هذه الآلية والعاملون عليها من المؤكد أنهم يسعون إلى تنقية جسم العدالة من محترفي شهادة الزور، لكن هذه الآلية يمكن أن تكون آثارها السلبية على نظامنا الجنائي أخطر من الهدف النبيل المسطر لها، فهي ستشل نظام الشهادة وتُنفر الناس من تأدية واجبها، خصوصا وأننا حتى قبل ظهور أمر هذه الآلية وانتشار خبرها نعلم أن الكثير من الأشخاص في عصرنا الحالي يستنكفون عن تقديم التصريح أمام الضابطة القضائية أو الشهادة أمام المحاكم، لأن ذلك قد يكلفهم وقتا ثمينا من عملهم أمام الضابطة القضائية وأمام قاضي التحقيق والمحكمة، وقد يجر عليهم عداوات، وإن كان قانون المسطرة الجنائية في تعديلاته أوجد آليات قانونية ومسطرية لحماية الشهود.

كما أن تقديم شهادة أمام المحاكم قد يتطلب من الشاهد حضور عدة جلسات حتى يصير الملف جاهزا قبل سماع شهادته، وإن تخلف قد يحكم عليه بالغرامة أو يتم اقتياده بالقوة للمحكمة، وقد يصبح محل شكاية كيدية من طرف من سيشهد ضدهم موضوعها شهادة الزور، دون أن ننسى ما قد يتعرض له بعض المصرحين أمام الضابطة القضائية من إهانة وترهيب، والأمر نفسه الذي قد يكون أمام قاض ضيق الصدر، قد ينهر الشاهد ولا يعامله ويشكره على تحمل مشاق الحضور لمساعدة العدالة في الوصول إلى الحقيقية… كل هذا الحمل الذي مازال يتحمله بعض شهود الحقيقة، ممن لا يريدون كتمان الشهادة، ويسعون إلى الحصول على أجرها، وعدم إثقال ميزانهم بالإثم عن كتمانها. وشهود الحق والحقيقة يجب أن نشجعهم ونشكرهم، لأنهم يساعدون العدالة في سبيل الحكم بحكم عادل يجعل كل مذنب لا يفلت من عاقبة جرمه، لكن تداعيات هذا الإخبار الذي لا شك أن صداه وصل إلى الكل لا تسر، لأن الكثيرين ممن كانوا شهودا على جرائم وقعت أمامهم، وكان يمكن قبل هذا الإخبار أن يشهدوا، سيهربون من إعلان شهادتهم في الجريمة التي شاهدوها، مخافة أن يصبح لهم سجل في تقديم الشهادات، خصوصا أننا نعلم أن المغاربة يفتخرون ببياض صحفهم ويقولون “ماعنديش الوسخ”، ولن يفرحوا بالكتابة فيها حتى ولو كانت ستضمن فيها شهادة لهم في ملف في يوم من الأيام.

13– محاربة شهود الزور في اعتقادي والقضاء على شهادة الزور يمكن أن تكون بتعديل قوانين المسطرة الجنائية والتنصيص على جعل وسائل الإثبات الجديدة المعتمدة على التقنيات الجديدة من حيث الإثبات أفضل وأقوى من شهادة الشهود، ومنها الصور المرئية أو الصوتية الملتقطة لظروف الجريمة ووقائعها؛ فلا يمكن للمحكمة أن تعتمد على شهادة شاهد وتنحي جانبا شهادة الصورة والصوت التي لا يمكن بتاتا أن تكون كاذبة أو مزورة، إلا إذا تدخل الإنسان وقام باللعب في صورتها وصوتها، وحتى لو فعل فبإمكان خبرة تقنية بسيطة وغير معقدة أن تبين صدقية الصورة أو الصوت من تحويرها الملتقط لظروف الجريمة، متى تمسك المتضرر بها وقال إن الصوت والصورة المقدمة من خصمه مفبركين.

14 – محاربة شهادة الزور وشهود الزور في نظري تبدأ بحث كل الجماعات على تركيب كاميرات بتقنية كبيرة في كل شوارع المدنية والجماعات القروية والحضرية، وإجبار أصحاب المحلات التجارية على وضع كاميرات، بشروط معينة، تسلط على المساحات الموجودة أمام المحل، وتغطي جزءا من الشارع. وهنا أشيد بتصريح وزير الداخلية الأخير الذي طالب فيه ببدء وضع الكاميرات بالشوارع لتوثيق كل جريمة قد تقع، وهذا من شأنه أن يسهل على رجال الضابطة القضائية الوصول بسرعة إلى مقترف الجريمة.

15-محاربة شهود الزور كذلك تبدأ في نظري بالضرب بيد من حديد، ومتابعة كل من ثبت أن شهادته تكذبها وسيلة تقنية جديدة لا يمكنها أن تكذب في حالة اعتقال.

16- في الجرائم الخطيرة، كالجنايات، التي يمكن أن تكون فيها العقوبة بالسنوات الطويلة، ويمكن لشهادة زور واحدة أن ترمي بشخص لم يرتكب أي جريمة وراء القضبان لسنوات مديدة، يمكن في حالة التشكيك في شهادة الشاهد من طرف المتهم أو المتضرر أو النيابة العامة، متى كانت الشهادة المُشكك فيها قد تدين بريئا أو تخلي ساحة فاعل مذنب، أن يتم اللجوء إلى إجراء خبرة على مكان هاتف الشاهد يوم وقوع الجريمة للتأكد هل فعلا كان بمكان الجريمة التي سيشهد فيها، أم إنه كان في مكان بعيد وأجرى مكالمات منه في وقت وقع الجريمة. وإن كان قد يدفع بعض الشهود بأنهم لم يكونوا حاملين هواتفهم، لكن الخبرة التقنية ستبين صدق قولهم أو كذبه، على أن يتم الاعتماد بعد ذلك على التأكد من مكان الشاهد بعد ذلك في مختلف الجرائم حتى ولو كانت جنحية أو مدنية أو إدارية.

17-من أجل تشجيع الشهود على أداء الشهادة أقترح الزيادة في التعويضات الممنوحة لهم، ومنحهم رخصا من المحاكم للتغيب عن عملهم، وتحصينهم من كل طرد أو أي عقاب إداري يكون بسبب تغيبهم عن العمل للشهادة.

18-تعديل نصوص المسطرة الجنائية، والتنصيص على الاستماع للشاهد، في أول جلسة يحضر لها، دون انتظار جهوزية الملف، وتضمين شهادته كاملة في الملف وإعفاؤه من الحضور، وعدم تقييد حق المحكمة في مواجهة الشاهد المستمع إليه بداية، متى تبينت لها فائدة في مواجهته بعد ذلك مع شهود أو أطراف الخصومة، وإعادة استدعائه من جديد من أجل ذلك.

19 – العمل على تكوين ضباط الشرطة القضائية في تحرياتهم، للبدء في الاعتماد والتدرب على البحث عن الجرائم ومرتكبيها بالاعتماد بشكل أساسي على الوسائل التقنية الحديثة أساسا، وترك مثلا الشهادة كوسيلة إثبات استثنائية لا يتم اللجوء إليها إلا إذا انعدم الدليل التقني وصعب الحصول عليه.

20-الآلة الملتقطة للصورة أو الصوت لا يمكنها أن تكذب، لأنها لا تميز بين زيد وعمر، ولا تربطها علاقات مصلحية معهما، بل هي ناقلة محايدة لوقائع معينة، ولا يمكنها أن تكذب إلا إذا تدخل الإنسان وقام باللعب في ما سجلته، وإن كشف ذلك بسيط كلما رجع الضابط للآلة الأصلية التي سجلت الوقائع الإجرامية.

20 -مجموعة من المدن العالمية أصبحت بها آلاف الكاميرات، وكل جريمة تقع يتم الكشف عنها بتتبعها وتحركات كل من كان بمسرحها، حتى توقف آخر كاميرا على أبواب مرتكب الجريمة حين خرج للتوجه لارتكاب جُرمه. وفي شوارعنا الكثير من الجرائم والسرقات أصبحت الشرطة القضائية تصل إلى مرتكبيها بفعل الكاميرات الموجودة بالشوارع أو بالمحلات التجارية أو عن طريق فيديوهات الكاميرات التي يوثقها أشخاص كانوا بقرب مسرح الجريمة.

21 – وأخيرا وليس آخرا الآلية التي كان يجب أن يتم اعتمادها هي آلية يسجل فيها من أدينوا بجرم شهادة الزور، أو بعض الجرائم التي يصبح معها هؤلاء الشهود غير عدول. وفي هذه الآلية يكون فقط من حق أطراف الخصومة الجنائية الحصول على سجلاتها، والدفع بعدم أهلية الشاهد للشهادة والتشكيك في شهادته أو الترجيح فيه. وتُخلق هذه الآلية ويتم العمل بها بعد تعديل نصوص المسطرة الجنائية، وتضمينها في هذه النصوص وتنظيمها، مع استبعاد قضاة الحكم من كل عمل أو دخول لتلقي المعلومات عن الشخص الذي سيشهد أمام المحكمة من هذه الآلية، لأن ذلك سيعتبر في نظر القانون انزياحا منه عن الحياد المفترض فيه؛ أما أن تُخلق آلية يسجل فيها كل من أدى الشهادة، ويصبح شهود الحق مشتبهين باحتراف شهادة الزور، كلما تعددت شهادتهم، فهذا لعمري ضرب في بنيان الشهادة وهدم لأركانها ومس بكيانها، وقتل تقني لها بدون وجه حق، وتنفير بدون وجه حق أو قانون لكل من سيريد غدا أن يؤدي شهادة حق.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:34

مباشر | الطريق إلى الانتخابات 2026 | المهدي بنسعيد

صوت وصورة
بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:29

بنعبد الله يهاجم "الفراقشية"

صوت وصورة
أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:17 1

أخنوش ينتقد "مروجي الوعود"

صوت وصورة
المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"
الأحد 20 شتنبر 2026 - 21:02 5

المنصوري بالرحامنة و"رضا الوالدين"

صوت وصورة
أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 20:00 3

أم تتحدث عن تجربة مدارس الريادة

صوت وصورة
الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة
الأحد 20 شتنبر 2026 - 19:49

الحمري يلتقي ساكنة الصخيرات تمارة