عبارة "كما لا يخفى عليكم" .. عبارة منمقة بين وضوح الظاهر وغموض الباطن

عبارة "كما لا يخفى عليكم" .. عبارة منمقة بين وضوح الظاهر وغموض الباطن
صورة: أرشيف
الأحد 12 أبريل 2026 - 03:00

ما الذي يريد المتكلّمُ الواثقُ أن يقوله فعلًا حين يبدأ خطابه بعبارة: ” وكما لا يخفى عليكم…”؟ أهو تمهيدٌ لقولٍ واضح، أم ستارٌ أنيق يُسدل قبل بدء المراوغة؟ ولماذا تبدو هذه العبارة، في كل مرة، كأنها تستبق الفهم بدل أن تبنيَهُ، وتفترض علمًا مشتركًا بدل أن تقدّم معرفة حقيقية؟ وهل هي تعبير عن ثقة في وعي المخاطَبين، أم عن رغبة في إعفاء النفس من الشرح والمساءلة؟ ثم ما الذي لا يخفَى علينا حقًا: مضمون الخطاب، أم الحيلة البلاغية التي يتخفّى داخلها؟ وهل نحن أمام لغةٍ تريد أن تكشف، أم أمام لغةٍ تعلمت كيف تجعل الغموض يبدو في هيئة الوَقَار؟

حين يبدأ المتكلّمُ من حيث تنتهي الحَقيقة

حين يفتتح المتحدّث خطابه بعبارة: “كما لا يخفى عليكم…”، فهو نادرًا ما يكون بصدد كشف أمرٍ خفيّ، بقدر ما يكون بصدد تدشين جولةٍ جديدة من التكرار المنمّق. إنها صيغة بلاغية جاهزة تمنح المتكلّم سلطة العارف، وتعفيه، في الوقت نفسه، من عبء الشرح، ومن مشقّة تسمية الأشياء بأسمائها، ومن مسؤولية قول الحقيقة من غير وسائط تجميلية. تبدو العبارة في ظاهرها وكأنها إشراكٌ للسّامعين في معرفةٍ مشتركة، لكنها في العمق ليست سوى وسيلة ذكية لتفادي الشرح، والالتفاف على صعوبة التسمية الدقيقة، والهروب من قول الحقيقة بصورتها المباشرة.

إنّها جملة تمنح المتكلم هيئة الواثق العارف، من غير أن تُلزمه بأن يقدّم معرفة فعلية تستحق هذا اليقين. المفارقة أنّ هذه العبارة تأتي غالبًا في السياقات التي يكون فيها كثيرٌ من الأمور مخفيًا أصلًا، لا بحكم الصدفة، وإنما بفعل الغموض المنظّم. لذلك تبدو عبارة ” كما لا يخفى عليكم” كأنها صيغةٌ رسمية لإعفاء الشخص من مسؤولية الشفافية، وكأنه يقول للناس: أنتم تعرفون، فلا داعي لأن أشرح، مع أنّ المشكلة كلّها كانت دائمًا في أن ما يجب أن يكون واضحًا قد بقيَ غامضًا، وما ينبغي أن يتمّ قولهُ بوضوح قد دُفن تحت طبقات من البلاغة الباردة. ثم إنّ هذه العبارة تنطوي على شكلٍ مخصوص من الاستعلاء المهذّب؛ فهي تتوجّه إلى الجمهور باعتباره متلقّيًا ينبغي تطويقه بلغةٍ مصقولة تُهذّب ظاهر الموقف وتُبقي جوهره على حاله. وحين تصدر بهذه الثقة الناعمة، فهي تبثّ إحساسًا مُصطنعًا بوجودها، ولا تزيح الحجاب عن الحقيقة، بقدر ما تُسدله عليها في صورة من الأناقة البلاغية.

ماذا يخفي المتحدثُ حين يقول ” كما لا يخفى عليكم”؟

لهذا كلّه، لا تبدو العبارة مجرد افتتاحية عابرة، لعلها طريقة تحرص على الهيبة أكثر من حرصها على الوضوح، وعلى الإيحاء أكثر من حرصها على التفسير، وعلى حماية المتكلم من المساءلة أكثر من حرصها على احترام السَّامع؛ هي عبارة أنيقة في شكلها، لكنها فقيرة في معناها، متماسكة في نبْرتها، رخوة أمام أيِّ طلب حقيقي للصِّدق.

حين يفتتح المتحدّثُ كلمتهُ بعبارة: ” كما لا يخفى عليكم…”، فاعلم أن ما سيأتي في الغالب هو إعادة تقديمٍ لما تمّ إخفاؤه طويلًا حتى بَلِي، ثم أخرجه المتكلمُ في اللحظة المناسبة بعد أن فقد معناه. فهذه العبارة تُقال لتوحي بالإضاءة، ولتُعفي قائلها من عبء الشرح. إنها جملة تدخل القاعة مرفوعة الرأس، متأنقة النبرة، مشدودة القوام، لكنها في حقيقتها لا تحمل من المعرفة إلا قشرتها، ولا من الصراحة إلا ما يكفي لتأجيلها مرة أخرى.

تبدو العبارة، في ظاهرها، كأنها إشراكٌ نبيل للسامعين في معرفةٍ مشتركة، وكأن المتكلم يفترض فيهم وعيًا سابقًا واطلاعًا قائمًا؛ ذلك أنها تقول لكَ ضمْنًا: أنت تعرف، ولذلك لن أشرح. مع أن الحقيقة في كثير من الأحيان هي أن الناس ينقصُهم خطاب يحترم هذا الفهم بما يكفي ليقول الأشياء بأسمائها، من غير لفٍّ ولا دورانٍ. والمفارقة الأشدّ مرارة أن هذه العبارة تزدهر بالذات في البيئات التي يصرّ فيها أصحابها على إخفاء الحقيقة وراء ستار من اللغة المنمّقة. فهم يخفّفون الوقائع، ويبدّلون أسماء الأخطاء، ويعرضون الأزمات كأنها مجرد “تحديات”، ويحوّلون العجز إلى “مرحلة دقيقة”، ويقدّمون التأجيل في صورة “تدرّج” محسوب، كأن تغيير الألفاظ قادر وحده على إصلاح ما أفسدته الوقائع. هناك يغدو الخفاء جزءًا من بنية الخطاب نفسه؛ أسلوبًا في الإدارة، وأداةً في السيطرة، وتقنيةً راقية لتوزيع الغموض بالتساوي.

لهذا تبدو العبارة أحيانًا أشبه بمفتاحٍ ذهبي لبابٍ لا يؤدي إلى شيء. تفتح النبرة ولا تفتح المعنى، وتمنح المتكلم هيئة العارف من غير أن تُلزمه بتقديم معرفة، وتُعطي السامع دور الشاهد من غير أن تمنحه حق السؤال الحقيقي. إنها افتتاحية مثالية لخطابٍ يشتغل على الهيبة أكثر مما يشتغل على الحقيقة. فليس مهمًا، في مثل هذه البلاغة أن تقول شيئًا واضحًا، يكفي أن تقول “اللاَّواضح” بطريقة تمنعه من أن يبدو فارغًا.

في هذه العبارة أيضًا ملمحٌ مسرحي لا تخطئه الأذن. فالمتحدثُ لا يبدأ بها لأنه واثق من علم الناس، ولأنه يريد أن يبدو هو نفسه في موضع من يملك العلم ويوزّعه بإيقاع محسوب. إنها حركة استهلالية تمنحه سلطةً مجانية: سلطة النبرة، لا سلطة الفكرة. ومع تكرارها، تتحول ” كما لا يخفى عليكم” من مجرد عبارة افتتاحية إلى علامة شبه مؤكدة على أن الحقيقة ستدخل متأخرة، إنْ دخلت أصلًا؛ فهي ليست مدخلًا إلى الوضوح، إنها علامة مبكرة على أنّنا بإزاء كلامٍ يحرص على سلامة بنائه وتناسق جمله، أكثر مما يحرص على النفاذ إلى جوهر المسألة.

القوْلُ الذي يبدأ من فَوق ولاَ يصلُ إلى شَيء

فماذا يبقى، بعد كل هذا، من عبارةٍ تبدو في ظاهرها بريئة ومألوفة؟ هل هي مجرد افتتاحية عابرة، أم أنها مفتاحٌ صغير لبنيةٍ تامّة من الخطاب الذي يفضّل التلميح على التصريح، والهيبة على الوضوح؟ وإذا كان المتحدثُ يفترض منذ البداية أن الأمر لا يخفى علينا، فلماذا يظلّ أكثر ما يعنينا غارقًا في الضباب؟ ولماذا يبدو الخطاب، كلما ازداد أناقةً، أقلّ قدرة على قول الأشياء كما هي؟ ثم أليْس أكثر ما يفضَحُ هذه العبارة أنها تكشف، من حيث لا تقصد، أن الخفاء لم يكن يومًا عجزًا في فهم الناس، وإنما مهارةً في يَدِ من يُتقنون إدارَته؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

14
  • عبدالله بوكطب
    الأحد 12 أبريل 2026 - 04:40

    كما لآ يخفى عليك فهية مختصر للشرح للمتلقي الحاضر والمطلع على ماهو خفي في بلاغاتها لموضوع الحوار وتدليس على الحاضر والغير المطلع على حقائق لايعرفها إلا حفنة من الناس ومنطوية على الباقي،،،

  • يوسف
    الأحد 12 أبريل 2026 - 05:09

    كما لايخفى على المغاربة ان الحسن الثاني رحمه الله، كان يستعمل هذه العبارة في خطبه ،ومعروف أن الحسن الثاني رحمة الله عليه، كان يخطب من غير ورقة وباسترسال فهو أفصح رئيس وزعيم عربي في زمانه ،له دقة عجيبة في الإنشاء والتعبير والوصف الدقيق للأمور ، بالسان العربي والفرنسي ،
    فكان يستخدم هذه العبارة كما لايخفى عليكم وكما تعلمون الخ في سياق واتساق وسباق منقطع النظير بل ببديهية وقريحة وقادة حتى مع الصحفيين المحترفين فيبهتهم ويبتكهم ويجعلهم صاغرين أمامه ،رحمه الله تعالى رحمة واسعة وأسكنه فسيح الجنان امين
    فياحبذا لو جمعت خطبه وأقواله وأجوبته ورده على الصحفيين وطبعت في كتاب ، لاستفاد منها المغاربة في حياتهم……

  • M
    الأحد 12 أبريل 2026 - 05:26

    “أصحـاب المعـالي والسعادة، حضـرات السيـدات والسادة، كما لا يخفى عليكم، يكتسي التعاون الدولي وتبادل المعلومات والتجارب أهمية كبرى في مختلف المجالات…”

  • يوسف السيتل
    الأحد 12 أبريل 2026 - 07:14

    ماذا الأمر لا يخفى علينا فما لهذا الأمر انها لغة الخشب

  • مغربي
    الأحد 12 أبريل 2026 - 08:07

    كما لا يخفى عليكم توضيحي سيكون على ما جاءفي المقال: “هي عبارةعن كلمة انيقة في شكلها، لكن فقيرة في معناها”.
    _”كما لا يخفى عليكم” ما جرى في نهائي كأس افريقيا مؤخرا “وكما تعلمون” وباختصار كبير الكاس مغربية لا غبار عليها.
    _اضاحي العيد الكبير ارتفعت بشكل حاد “كما تعلمون” جميع الخراف، المعز، البقر الجمال… لا يمر من مضيق هرمز.
    لها معنا على حسب الموضوع لم يكن ابدا شيء بون معنى معاد اذا مرت عدة سنين والاجيال… كما كلمة: “حريرة هذه”.
    حتى في لغات اخرى بعض الكماليات او جمل رسميا او فصحة لها معنى لكن قد تستعمل لمعنى اخر بعيد مائة بالمئة عن فهمها الحقيقي.

  • radouane lakhal
    الأحد 12 أبريل 2026 - 09:18

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    وما خفي كان أعظم. تحياتي

  • Khalid
    الأحد 12 أبريل 2026 - 09:26

    كما لا يخفى عليكم فهناك عبارة متداولة في العامية المغربية وهي : “لخبار في راسكم” وهناك عبارات اخرى متداولة في اللغة العربية مثل: ” هكذا دواليك” وكما هو متعارف عليه….ألخ.

  • chokri
    الأحد 12 أبريل 2026 - 09:31

    Mes remerciements à Monsieur Lahjomri pour cette lecture profonde, qui a su arracher l’expression à son innocence apparente et dévoiler, derrière sa simplicité familière, tout un système de parole et d’orientation. À travers la pertinence de ses questions et sa capacité à pénétrer les strates du sens, il a montré que certaines formules ne sont pas dites seulement pour être comprises, mais pour remplir une fonction symbolique plus large, où le discours mise davantage sur la suggestion que sur l’explicitation, et sur l’affirmation de l’autorité plus que sur la clarté.

  • مغربي وطني
    الأحد 12 أبريل 2026 - 09:53

    كما يجدر الإشارة بكلمة ” أكيد” التي نسمعها مرارا وتكرارا بقناة الرياضية

  • الورزازي
    الأحد 12 أبريل 2026 - 10:19

    مقال رائع وفي الصميم، اعرف ذلك لأنني استعملها احيانا ، الكاتب اصاب كبد الحقيقة كما يقال

  • الوجدي
    الأحد 12 أبريل 2026 - 11:32

    هذه العبارة لا يستعملها المغاربة لكن تجدها في خطب رؤساء الجزائر، ويستعملونها بتكرار في خطبهم
    وهي عبارة يستعملونها للتضليل

  • بنعباس
    الأحد 12 أبريل 2026 - 12:03

    ليس دائما ، يمكن قولها كذلك للامور التي يعرفها الجميع وبالتالي قد يقولها الصادق وقد يراوغ بها من تكلم الكاتب عنهم

  • س شكيب
    الأحد 12 أبريل 2026 - 13:13

    مناقشة مهمة لهذه العبارة التي أصبحت تستعمل بطريقة إعتباطية. وهناك من يقول انها ترجمة لعبارة وردت في خطابات فرنسية القديمة comme vous le savez. ولا يعرفون انها في الفرنسية وردت في خطابات تعبر عن الأسف المرير لفقدان شيء او ضياعه استعدادا لتعويضه بأشياء أو إجراءات أخرى. والأصل الصحيح في اللغة العربية، انها عبارة وردت في خطب أهل الذكر وذكرهم الله بخير، حيث كانوا يلقون محاضرات وخطب للنهي عن منكر يكرره الناس علما منهم بأنه منكر ويذكرون في الخطب أنه يفعل كذا وبالطريقة كذا والحجة كذا ثم يأمرون الى الإصلاح بالمعروف. وقد استنبطه أهل الذكر من سورة آل عمران العظيمة. بسم الله الرحمن الرحيم.قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ (29) يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ (30). صدق العلي العظيم

  • حلاوة بيه العنتبلي
    الأحد 12 أبريل 2026 - 13:18

    أقترح على الاستاذ الكريم أن يتناول بالتحليل كلمة “السردية” التي أصبحت منذ السنة الفارطة على كل لسان و كل قلم حتى أصبحت السرديات بعدد سكان الوطن العربي. كلما أمسك أحدهم بقلم أو وجد نفسه أمام كاميرا و ميكروفون، إلا و حشر هذه الكلمة بسياق أو بدونه. شخصيا لم يسبق لي أن كرهت كلمة مثل هاته.

صوت وصورة
محطة عشوائية في حديقة بسلا
الثلاثاء 29 شتنبر 2026 - 11:28 5

محطة عشوائية في حديقة بسلا

صوت وصورة
انطلاق أشغال ملعب تيسيما
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 23:12

انطلاق أشغال ملعب تيسيما

صوت وصورة
طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:19 7

طلبة يطالبون بإنصاف الشهادات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | عصام الشرعي
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | عصام الشرعي

صوت وصورة
توقف أشغال يعرقل السير بطنجة
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 15:42 3

توقف أشغال يعرقل السير بطنجة

صوت وصورة
حريق سوق المسيرة بالبيضاء
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 13:09 6

حريق سوق المسيرة بالبيضاء