"على باب السيما"..

"على باب السيما"..
الإثنين 23 مارس 2026 - 12:56

في زمن استئساد الصورة، أبحث عن سينما بلدي، وبالكاد أعثر عليها، حيث يجب أن أعثر عليها.. قطاعات كثيرة اجتهدنا ونجتهد فيها، ونُعبر في كل يوم عن افتخارنا بما يتحقق. في السينما، هناك كلام آخر. ما الذي يقع بالتحديد؟ نحتاج أن نكون أقوياء في مجال الصورة، لأن التجارب تبين لنا بأن كل المعارك تُربح بالصورة..

عزيزي المتتبع،

أكتب اليوم، من منطلق معرفتي بالشيء، وتفاصيل الشيء..

أكتب اليوم، بعد أن انتظرت طويلاً، لأتحدث عن سينمانا، وعن المشاركات المغربية في أسواق الأفلام في المهرجانات السينمائية الكبرى. أكتب من منطلق تغطيتي للأحداث الكبرى من أزيد من عشرين عاما، وما أخطه اليوم في هذا الركن هو وجهة نظر مهنية صرفة.

حين يستثمر مركزنا السينمائي المغربي للحضور في سوق من أسواق الفيلم، يفترض أن نكون قد هيأنا الأرضية، وأن تكون لنا مشاريع سينمائية تثير اهتمام من يودع ويبيع ويمول، وهذه العملية لا تتحقق بيسر. بلدنا كان ضيف الشرف في السوق الأوربية للفيلم ببرلين في فبراير المنصرم، علما بأن الأوروبيين أنفسهم يعيشون أزمة، ويبحثون عن الإنتاج المشترك الذي يخدم مصالحهم. في هذه الحالة، لا زلت أبحث بصدق عن ما يثير في المشاركة في السوق الأوروبية للفيلم في برلين، خصوصا وأن حجم التعاقدات تنشر في آخر الدورة، وبُعث بها للإعلاميين المعتمدين، ومن ضمنهم صاحب هذه السطور.

الاستثمار في أسواق الفيلم، يعود بالنفع على بلدان لها صناعة سينمائية، وتبحث عن الترويج لهذه الصناعة لتحقيق أرباح في الأسواق العالمية. لكي تكون كلماتي واضحة، أعطي المثال باليابان التي تم اختيارها كدولة الشرف للنسخة المقبلة من سوق الفيلم بمهرجان كان.

عزيزي المتتبع،

من حق اليابان أن تستثمر في سوق الفيلم بمهرجان كان، لأن اليابان بلد ينتج نحو ألفين ومائتي شريط سنويا، ولأنه بلد له تاريخ سينمائي يتجاوز القرن بسنوات عديدة، ولأنه بلد ينتج أعمالا تباع، ويروج لها على الصعيد العالمي، ولأنه بلد أوزو وكوروساوا وناومي كاواسي وكوري إيدا هيروكازو والقائمة طويلة. هو فوق كل هذا وذاك، بلد له شركات مبيعات من ضمن الأعرق في العالم. من هي البلدان التي سبقت اليابان في سوق الفيلم بكان؟ تعثر على عديد من دول منها إسبانيا والهند والبرازيل، والقاسم المشترك بينها أنها دول لها وبها صناعة سينمائية. لا يحضرون من أجل تحقيق الإشعاع، بل يشاركون من أجل تحقيق الربح، وهذه هي الفكرة التي أود تمريرها.

بالنسبة للبلدان التي يشبه وضع السينما فيها وضعنا، هناك البحث عن تحقيق الإشعاع، وتحقيق الإشعاع يتأتى بطرق كثيرة لا تمر أساسا عبر سوق أفلام ليس لديك ما تبيعه فيها أصلا. الإشعاع يتحقق بربط علاقات بموزعين عالميين، وبالبحث عن دعم بعض من أفلام لتصل إلى فئة من الفئات الرسمية. هنا يتحقق شيء من الإشعاع، مثلما يحصل حاليا مع أفلام تونسية تصل لمسابقات رسمية لمهرجانات كبرى، ومنها شريط صوت هند رجب لكوثر بن هنية الذي حصد أسدا فضيا في البندقية، وبلغ المنافسة النهائية لأوسكار أفضل فيلم أجنبي مُمثِّلا لتونس، و سماء بلا أرض لأريج السحيري الذي انطلق من مهرجان كان، وحصل فيما بعد على جوائز كبيرة منها النجمة الذهبية لمراكش، أو مؤخرًا فيلم بيت الحس لليلى بوزيد في المسابقة الرسمية لبرلين. طيلة أربع وعشرين ساعة، عشت في برلين تركيز الإعلام العالمي على عرض الفيلم التونسي في المسابقة، وهي نفس الفترة التي كان فيها المركز السينمائي المغربي يزاول بعضا من أنشطة في منطقة أخرى، ومكان آخر اسمه السوق الأوربية للفيلم، دون أن يكون لنا ولو شريط واحد في فئة كبيرة من مهرجان سينمائي عالمي.

عزيزي المتتبع،

أنا أكتب فقط وجهة نظري، كمتتبع عارف، قادر على أن يناقش التفاصيل الدقيقة التي تخدم مصلحة السينما في بلدي. أتساءل فقط: ما الذي يدفعنا لنحرق المراحل؟ ما الذي نجنيه عمليا من مشاركات معينة في أمكنة لا نفيد ولا نستفيد فيها ومنها؟ ما الذي يمنعنا من الدفع ببعض من أفضل أفلامنا في مهرجانات خاصة بالأفلام؟ لماذا نطمح لدخول الأسواق، دون أن نتوفر على ما نبيعه في هذه الأسواق؟

أطرح هذه الأسئلة، ولدي القدرة لمناقشة الأمر مع أي كان، خدمة لمصلحة السينما والسينمائيين في بلدي. أطرح هذه الأسئلة، وأذكر في الختام بالحكاية الشعبية، التي قد تنطبق علي قبل الآخرين في مجالات عديدة. أتحدث هنا عن قصة الغراب الذي حاول تقليد مشية الحمامة.. لم يتقنها ولم يضبطها، وحين حاول جاهداً العودة لمشيته الطبيعية، نسيها، بل وصار مضربا للمثل في الفشل.

عزيزي المتتبع،

كتبت وأكتب، وأقترح بدون مقابل، وأفتح المجال للنقاش الهادف، وغرضي هو مصلحة السينما في بلدي. كتبت هذا الركن مباشرة بعد أن غادرت قاعة سينمائية، وكنت كالعادة وحيدا. شاهدت شريط “مارتي العظيم” لجوش سافدي الذي تكلم عنه الخلق في ليلة الأوسكار.

شاهدته في قاعة من قاعاتنا، إلى جانب شخصين آخرين، وعشت مع مالك القاعة كسادا لا نتحدث عنه في ندواتنا ولقاءاتنا التي نطبل فيها لبعضنا البعض.

في كل البقاع تعثر على مئات يتزاحمون ليشاهدوا تيموثي شالامي بطل الشريط، والمساهم في إنتاجه. الكل يتحدث عن هذا العمل، لكني شاهدته هنا، أو بالأحرى أعدت مشاهدته في قاعة من قاعاتنا القليلة، تكاد تصاب فيها بالخوف لغياب مشاهدين. هل هذا أمر عادي؟ أبدا، وأكتب لأني لا زلت متفائلا بأن وضع سينمانا يمكن أن يتحسن ولو قليلا في المستقبل.

أريد فقط أن أفتح عيني صباح الغد، وأعثر على اسم المغرب في مهرجانات عالمية، من خلال أفلام كبيرة، وليس من خلال مشاركات شكلية ستكون مفيدة في ظروف أخرى مختلفة. بلدي يدعم السينما والسينمائيين، لذلك من غير المقبول أن أعثر على أفلام دول لا تدعم السينما، لنغيب نحن. في أول وآخر المطاف، إسم المغرب هو الذي يهمني، والسلام.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

7
  • Sara Mrani
    الإثنين 23 مارس 2026 - 16:29

    La plus belle des plumes. Merci si Mermid pour cet article très pertinent qui décrit la situation avec objectivité

  • موكاعي
    الإثنين 23 مارس 2026 - 21:13

    الفن عموما هو إنتاج إبداعي يولد من رحم الحرية ويتطور في بيئة حرة حيث يعبر الفنان عن أفكاره وخياله بكل جرأة وبعيدا عن الفيود بحيث لايمكن حصر الفن في التسلية بل هو ضرورة حيوية تتطلب بيئة حرة لتنمو وتؤثر في المجتمع وتواكب مشاكله ومعاناته وآلامه وآماله.في بلدنا تنعدم هذه الحرية وبالتالي ينعدم كل إبداع فني بما في ذلك السينما لأن هناك طابوهات محرمة لايمكن لأي مخرج سينمائي أن يتناولها.

  • عدنان
    الثلاثاء 24 مارس 2026 - 01:51

    مقال جميل وفي توقيت مناسب يشرح وضع السينما عندنا، ونتمنى بان يتحسن وضعها لترافق تقدم مجالات اخرى
    لاحظنا في كاس افريقيا الاخيرة باننا اجتهدنا في تقديم احسن نسخة في تاريخ ولكن مرافقتنا بالصورة كان ضعيفا وهنا اتفق مع السي مريمد الرجل العارف

  • مواطن علماني
    الثلاثاء 24 مارس 2026 - 13:49

    التعليق رقم 2 اختصر المسألة لأنه بدون حرية لا وجود للإيداع .

  • Cinéphile
    الثلاثاء 24 مارس 2026 - 17:56

    منذ أن توفي الراحل صايل صرنا نتراجع للوراء في هذا المجال واتذكر هنا ثلاثة حوارات له مع بلال مرميد روعة
    الآن والله لا نعرف حتى من يسير سينما في المغرب

  • رياض عيد القادر
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 16:28

    السينما كان من المفترض أن تكون قوية بمبدعين حقيقيين في الوقت الحالي ولكننا اخلفنا موعدنا مع التاريخ
    تحياتي للسي بلال

  • عنبر جميل
    الأربعاء 25 مارس 2026 - 17:20

    صاحب الركن لا يكذب علينا
    يعرف ما يفعل و يفعل ما يريد هو ليس كباقي النقاقيد
    انه بلال مرميد

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02

بنكيران: البيجيدي في المعارضة