عن النّبي الذي لا يقْرأ ولا يُورَث..

عن النّبي الذي لا يقْرأ ولا يُورَث..
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:05

المعلوم بالضّرورة أنّه اضْطُربت حول التّراث الإسلامي هالَة من التّقْديس منذ أربعة عشر قرنًا أو يزيد، وبالتّالي فإنّ محاولة نقْده ووضْعه تحت المِسْبار العلمي، هي عمليّة مسْتفزّة للعقْل المسلم، خصوصًا عندما يصْدر هذا النّقد من دكتور متخصّص في التّغذية، لكنه تعدّاها بحُكْم معْرفتِه العلمية، وحفْظِه للقرآن الحكيم، إلى حركة تنْويرية تصْحيحيّة كما يعتقدها هو على الأقلّ.

مِثل هذا الإسْتفزاز، شهدْناه أيّام نشْر صور كاريكاتورية، تصوّر النّبي محمّد (صلى الله عليه وآله)، في صورة اعْتُبرت “مُسيئة للنّبي”، وشكّلت جرْحًا لمشاعر الغالبيّة العظْمى من المسلمين، فكانت بذلك ردّة فعْل، على الصّعيدين الشّعبي والسّياسي، من قبيل خروج مظاهرات وإقالة كبير محرّري الجريدة الفرنسية، من طرف رئيس تحْريرها ومالكها، فضلًا عن حمَلات مقاطعة لمنْتوجات اسْتهلاكية.

لكن ههنا يُطرح السؤال: من الذي يُسيء للنّبي محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أهُو تراث السّلفين أم الغربيّون والمنْتقدون لهذا التّراث؟ ألم ينطلق أصْحاب هذه الرّسومات والانتقادات، ممّا يوجد في بُطون أمّهات الكتب التّراثية؟

وعليه يجب أن نتتبّع أصْل المشْكل، الذي أثار هذا النّقد، وبالتّالي طرْح السّؤال: ما عِلّة نقْد التّراث؟ لماذا تخْتلف صورة النّبيّ محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لدى الطّائفة الأكْثر من المسلمين، عنْ صورة النّبيّ لدى الأقلّية منْهم، وكلاهما مسْلمون؟

أكيد أنّ هناك إشكالًا ضاربًا في التّاريخ، إذ المعلوم أيضًا بالضّرورة، أنّ القرآن الحكيم وحده المحفوظ، وأنّ باقي التّراث لعبت به أهواء التّسييس والأدْلجة، بحيث بات من يقرأ هذا التراث قراءة علميّة، كمن يلُفّ عنقه بحبل المشنقة.

ذلك ما وقع فيه الكاتب الموريتاني محمد الشيخ ولد مْخيطير، الذي خاطر بتناول للتّراث الإسلامي بطريقة علميّة (1)، حيث بدأ مقالته مُتسائلًا: “إنْ صحّ ما تقولون..” لكي يتناول بعد ذلك، الفرْق بين الدّين و”التّدين”، يقول:

تعالوا بنا لنأْخذ بعض المَشاهد من عصْر الدّين:

الزّمان: بعيد معركة بدر 624 ميلادية.

المكان: يثْرب.

ماذا حدث؟

الأسْرى من قريْش في قبْضة المسلمين، والحُكم قد صدر بما يلي:

قال المسْتشار الأوّل لرسولِ الله، أبو بكر الصديق: “يا رسول الله، هؤلاء بنُو العمّ والعشيرة والإخْوان، وإنّي أرى أن تأخذ منْهم الفِدْية، فيكون ما أخذْناه قوّةً لنا على الكفّار، وعسى أن يهْديَهم الله فيكونوا لنا عضُدًا”.

ملاحظة: منْ هم الكفّار إذًا في رأي أبي بكر…؟

ثمّ كان بعد ذلك قرار أبي بكر، هو القرار النّهائي مع إضافة عمليّة التّعليم، لِمن لا يمْلك المال.

لكن مهلا… لقد كانت هنالك حالة اسْتثنائية، فقد أرادت زينب بنت رسول الله، افْتداء زوْجها أبي العاص، بقِلادة لها كانت عند خديجة، فلمّا رآها رسول الله، رقّ لها رقّةً شديدة، وقال لأصْحابه: إنْ رأيْتم أنْ تُطلقوا لها أسيرَها، وتردّوا عليها الذي لها، فوافقوا على ذلك” رواه أبو داود.

برأيكم ما هذا الإسْتثناء..؟

الزمان: 625 ميلادية.

المكان: أُحد.

الحدث: قتال بين المسلمين وقريش.

قريش في مواجهة المسلمين، انتقامًا لبدر ورغبة في القضاء على محمد وأتباعه، هند بنت عتْبة تسْتأجر وحْشيًا، لقتل حمزة مقابل حرّيته ومكافأة مالية تتمثّل في حليّها.

هنْد تصل للهدف وتُمثّل بجثّة حمزة.

وبعد سنوات عدّة وأيام ما يُعرف بفتْح مكّة، دخلت هنْد في الإسلام، لتنال اللّقب الشّهير “عزيزة في الكفر… عزيزة في الإسلام”، أمّا وحْشي فأمره النّبي، أن يتوارى عن أنْظاره عند دخوله الإسلام.

هنْد قرشيّة ووحْشي حبَشي، وإلا فما هو سبب التّمييز بينهما، وهم في الجُرْم على الأقلّ سواء، أو إنْ شئتم الدّقّة، فهند هي المُذْنب الحقيقي، وما ذنْب عبد مأجور؟

دائمًا وفي نفس المعركة “أُحد”، ولنْقارن ما حدث لـ”وحْشي”، مع دوْر شخص آخر هو خالد بن الوليد، حيث أنّ هذا الرّجل كان السّبب الرئيسي، في هزيمة المسلمين في “أحد”، إذ قتل عددًا من المسلمين، وعند دخوله الإسلام، أخذ اللّقب الشهير “سيْف الله المسْلول”، فلماذا لا يتمّ استقبال وحْشي، ويأخذ مثلًا لقب “حرّبة الله التي لا تُخطئ الهدف”..؟

المكان: مكّة.

الزمان: 630 ميلادية.

الحدث: فتْح مكّة.

ما هي النّتيجة…؟

نال أهلُ مكّة عفوًا عامًّا، رغْم أنواع الأذى التي ألْحقوها بالرسول محمدٍ ودعْوته، ومع قدْرة الجيش الإسلامي على إبادتهم، إلّا أنّه جاء إعلان العفْو عنهم، وهم مجتمعون قرْب الكعبة، ينْتظرون حُكم الرسول محمد فيهم، فقال: “ما تظنّون أنّي فاعل بكم؟”، فقالوا: “خيرًا أخٌ كريمٌ وابْن أخٍ كريمٍ”، فقال: “لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ”، وعبارة “اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء” وقد ترتّب على هذا العفْو العام، حفْظ الأنفس من القتل أو السّبْي، وإبْقاء الأموال المنقولة والأراضي بِيد أصحابها، وعدم فرْض الخَراج عليها، فلم تُعامل مكّة كما عُوملت المناطق الأخرى.

المكان: حصون بني قُريْظة.

الزمان: 627 ميلادية.

الحدث: إبادة بني قُريْظة.

السّبب: تآمر رجالات من بني قريظة، ضد المسلمين في حِصار الخنْدق ـ هم القادة فقط إن عممنا، مع العلم أنّ هنالك آية تقول: “وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى..”، وقد ثبت أنّ النّبي قال لليهود، وهو مُشْرف على حصون بني قريظة وقد حاصرهم: “يا إخْوة القِردة والخنازير وعبَدة الطّواغيت أتَشْتمونني؟ قال فجعلوا يحْلفون بالتّوراة التي أنزلت على موسى: ما فعلْنا، ويقولون يا أبا القاسم ما كنْتَ جهولًا، ثمّ قدَّم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الرُّماة من أصحابه، وقد ناداهم بذلك لِشتْمهم إيَّاه.

(الطبري (2/252) تحقيق الشيخ أحمد شاكر، وذكره ابن كثير بتحقيق الوادعي: (1/207).

أريد هنا قبل أن أواصل، أن أشير إلى أنّنا في سياق الحديث عن النّبي، نتحدّث عن ما يمكن تسميّته “العقل الشّامل”؛ بدليل أنّه “لا ينْطق عن الهوى”.

ونعود للمقارنة بين الحالتين – مكّة وبني قريْظة:

بنو قريظة همّوا بالتّمالؤ – والأمر لم يحدث – مع قريش من أجل القضاء على محمد ودعوته. فتمّ العفْو العام عن قريْش، ونُفّذ الإعدام في بني قريظة، سيان من هم بنقض العهد أو من لم يهمّ بذلك، فقد تمّ الحكم على بني قريظة، فقتَل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، فكان يكْشف عن مُؤْتزر المراهقين، فمن أنْبت منهم قُتل، ومن لم يُنْبت جُعل في الذّراري، الراوي: – المحدث: ابن الملقن –

المصدر: البدر المنير – لصفحة أو الرقم: 6/670 خلاصة حكم المحدث: صحيح مشهور.

وهذا غلام ويُدعى عطية القرظي، لم يُقتل لأن المسلمين كشفوا عن عورته ولم يجدوا شعرًا (دليل البلوغ) فنجا من السيف المحمّدي.

عن عطيّة القرظي، قال: كنت من سبْي قريْظة، عُرضنا على النّبي – صلى الله عليه وسلم – فكانوا ينظرون؛ فمن أنْبت الشّعر قُتل، ومن لم ينْبت لم يُقتل، فكشفوا عانَتي، فوجدوها لم تُنبت، فجعلوني في السّبْي. الراوي: عطية القرظي المحدث: الألباني – المصدر: تخريج مشكاة المصابيح – لصفحة أو الرقم: 3901 خلاصة حكم المحدث: إسناده صحيح.

قريش واجهت المسلمين في أكثر من معركة، وحاصرتهم حصارًا شديدًا في الخنْدق، وفي بدايات الدّعوة انتدبت أربعين شابًا، لقتْل محمد ليلة الهجرة وقبل الهجرة، وفي مكّة قتلوا وعذّبوا المسلمين أشدّ تعذيب، وفي فتْح مكّة وجدوا أمامهم أخًا كريمًا وابْنَ أخٍ كريم، فقال لهم اذهبوا فأنتم الطُّلقاء.

بني قُريْظة فقط همّوا بالتّحالف مع المشْركين، فكان جزاءهم القتْل الجماعي.

أيْن راحت الرّحمة… أم أنّ للأخوة و”أَتْبَنْعِيمَه”، دورها في “العقل الشّامل/المطلق”.

وكخلاصة:

إذًا كان مفْهوم “بنو العمّ والعشيرة والإخوان”، يجعل من أبي بكر يُحْجم عن قتْل المشركين، وعلاقة الأبوّة بين زيْنب والرسول، تمْنحها إطلاق سراح زوْجها مجانًا، والإنْتماء القُرَشي يُعطي ألقاب البطولات للقرشيّين، ويمْنعها عن الحبشيّين. والأخوّة وعلاقة الدّم والقرْبى تمْنح حقّ الرّحمة لقريش في الفتْح، وتحْرم بني قريْظة من ذلك الحقّ (انتهى مقال الكاتب الشيخ محمد ولد مخيطير) (2).

ربّما يكون طبيعيًا أن توصل، القراءة العلميّة للتّراث، إلى هذه الاستنتاجات والنّهايات، لكنّ الذي أغْفلَه الكاتب أعْلاه؛ هو أنّ سرْديّة التّراث، ترتبط برُواة بشر غير معْصومين، قد يُخطئون كما قد يُدلِّسون أو يُدلَّس عليهم وباسْمِهم، فهل يُعقل مثلًا أن تُقبل شهادة القاصِر (الحدَث) المدعو عطيّة القرظي؟ وهل شهادتُه منْفردًا كافية!؟ بالتّالي إذا صدّقنا علميًّا هذه السّرْدية، فإنّنا نُكذِّب القرآن الحكيم، الذي يقول في شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): “وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ” سورة النّجم 3، ويقول: “وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ” سورة القلم 4.

إنّ الأذْهى والأنْكى في المسألة، هو ما يُورده التّراثيون، من روايات وأحاديث، بأسانيد في مُتونها أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان “أمّيًّا بالمعنى الإجتماعي”، أي أنّه كان لا يقرأ ولا يكتب! هذا بالتالي ما يتناقض مع صريح القرآن الحكيم، في قوله تعالى: “وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا” الإسراء 106.

كما يقول التّراثيون دائمًا، أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، “كان مسْحورًا، يتُهّيَّأ له أمور لم يأْتها من قبل”، والله تعالى يقول: “وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ” المائدة 67، وعليه فإنّ الإساءة اللّفظية للنّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بدأت أوّل ما بدأت وهو مُسجّى على فراش المت، حين قال عنْه أصحابُه، في “رزيّة الخميس”: “لقد هَجَر”، أمّا المادّية منها، فتجسّدت في حِرْمان، بِضْعتِه (ابنته) فاطمة الزّهراء التي هي “سيّدة نساء العالمين” من إرْثها، بدعوى أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) “لا يورَث”..!

وعليه ما دام الأنبياء كلّ الأنبياء عليهم السلام، هم القُدْوَة والمُعلِّمون للناس قاطبة، فإنّ الأحكامَ المُشَرَّعَة للعِباد تَبْدأ بِهم، ولذلك قضى الله تعالى، بأن يكْتبوا وصِيّتهم، بقوْله عزّ وجلّ: “وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا” سورة البقرة 282، وقوْله “يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ” سورة النّساء 11. كما أنهم عليهم السلام يورّثون، وفي ذلك قال تعالى: “وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ” سورة النّمل 16.

فالمَنْطقِ السَّليم يُقرْ، على أن النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لا يمكن اسْتثناؤه من هذه القاعدة، بدليل أنّه “قل ما كنْتُ بِدَعًا من الرّسل” سورة الأحقاف 9 (3).

سيقول إخواننا التراثيون، بأنّ الأنبياء عليهم السّلام، “يُورّثون العلْم والحكْمة فقط”، أيْ نعم! ولنفْترض جدلًا ذلك، لكن إذا كان الأمر ذلك، فلماذا لم تعْلم فاطمة الزّهراء “سيّدة نساء الجنّة”، بوجود الحديث الذي حاججها به، الخليفة الأول أبو بكر؟ ثمّ هل تصحّ شهادة ابْنتِه عائشة وخادِمها له (كأقْرباء)، بوجود حديث “ما تركناه صدقة”؟

ربّما عُدْنا والعوْد أحمد، إلى مقولة ولد امخيطير “مفْهوم بنو العمّ والعشيرة والإخوان”، لكن مهْما يكن من حال، لا يمكننا تصْديق الرّوايات، من أجْل تكْذيب كلام الله المحْفوظ، هو الدّليل والبرْهان والقرينة الدّامغة.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • Silquain
    الخميس 1 أكتوبر 2026 - 15:42

    سيدي وأستاذي الكريم، المنهجية العلمية تستدعي الإستعمال في كل شيئ، بما في ذلك الكتب المقدسة. فهل أنت مستعد لذلك؟ أم فقط تريد استعمال المنهجية العلمية في نقد كتب التراث التي لا تشترك معها في المرجعية؟

صوت وصورة
عرشان يدعم "حكومة المنصوري"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 13:42

عرشان يدعم "حكومة المنصوري"

صوت وصورة
الاتحاد الدستوري في مقر "البام"
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 12:43

الاتحاد الدستوري في مقر "البام"

صوت وصورة
شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 11:55

شراكة أكديطال ووكالة بيت مال القدس

صوت وصورة
عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 10:49

عفيف: الديفتيريا خطيرة واللقاح ناجع

صوت وصورة
احتجاج متضرري المحج الملكي
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 07:32

احتجاج متضرري المحج الملكي

صوت وصورة
إرث المرابطين والموحدين
الخميس 1 أكتوبر 2026 - 00:10

إرث المرابطين والموحدين