"فتنة فتح الأندلس" ..

"فتنة فتح الأندلس" ..
السبت 16 أبريل 2022 - 23:55

مسلسل “فتح الأندلس”، الذي أثار جدلا قويا غير مسبوق، ليس العمل الدرامي الأول الذي تناول سيرة وتاريخ البطل طارق ابن زياد؛ فقد سبقه إلى الميدان قبل قرابة 18 سنة مسلسل “الطارق”، الذي يبدو أن جهودا إعلامية ذكية تعمل على إقباره.

والفرق بين العملين الدراميين كالفرق بين العمل الرصين المتوازن المنحاز إلى الروايات التاريخية المجمع عليها أو التي تمثل التوجه العام لدى المؤرخين، والعمل المحكوم بفوبيا “الحقيقة” التاريخية، والمنحاز إلى الروايات التاريخية المرجوحة. ومن شك في هذا الاستنتاج فما عليه سوى مشاهدة الحلقات الـ32 لمسلسل “الطارق” المتوفر على “يوتيوب”.

مسلسل “الطارق”، الذي يتكون من 32 حلقة، عرض لأول مرة في رمضان 2004، ألفه يسري الجندي، وأخرجه أحمد صقر، وأنتجه قطاع الإنتاج – اتحاد الإذاعة والتلفزيون بجمهورية مصر العربية، وتم تصوير أحداثه ما بين مصر وسوريا والمغرب في مواقعها الحقيقية. وشارك في التمثيل من المغرب محمد حسن الجندي في دور كسيلة البربري. وقطاع الإنتاج بمصر كان هو المهيمن على الإنتاج السنيمائي في مصر والعالم العربي، أنتج 15 ألف ساعة درامية و400 فيلم روائي و600 فيلم تسجيلي.

ومسلسل “فتح الأندلس”، المكون من 30 حلقة، يعرض حاليا لأول مرة، ألفه 6 كتّاب، وأنتجته شركة المها للإنتاج الفني بالكويت، وتم تصوير أحداثه بين بيروت وماردين في تركيا، وشارك فيه الممثل المغربي هشام بهلول، الذي يجسد دور شداد صديق طارق بن زياد.

سوف نقف عند مسلسل “الطارق”؛ لأن الزوبعة تهدف من بين ما تهدف إليه هو إسدال الستار عليه نهائيا. لماذا؟ لأنه هو الذي يعبر في الواقع عن انتظارات الجمهور المغربي، ويمثل الصرخة الدرامية إلى جانب صرخات المغاربة وانتقاداتهم لمسلسل “فتح الأندلس”.

وسيناريو “الطارق” عالج إشكالات تاريخية عديدة بمقاربات إنسانية واقعية ومنطقية، وانحاز إلى ما أجمع عليه المؤرخون أو شكل التوجه الغالب لديهم، وأجاب عن أكثر الأسئلة حساسية في حياة طارق ابن زياد، دون أن يثير توترات كبيرة ولا أثار ردود فعل مشابهة للتي أوصلت “فتح الأندلس” إلى قبة البرلمان المغربي، بل وإلى المحكمة.

“الطارق” أجاب عن سؤال أصل فاتح الأندلس بمعالجة إنسانية راقية، معتمدة ما ذهب إليه أغلب المؤرخين، وتناول حياة البطل الأمازيغي من مختلف جوانبها، طفولته، وشبابه، وكيف أسلم، وزواجه، وكيف أصبح بتدرج منطقي قائدا للقبائل الأمازيغية، وكيف قاد الجيوش نحو الأندلس، وكيف أنهت المؤامرة مساره السياسي ليجرد من كل المناصب والألقاب، وكيف عاد إلى المغرب ليعيش فقيرا عابدا مع زوجته وأبنائه.

كما أجاب عن سؤال محوري هو: لماذا لم يستتب أمر الإسلام في المغرب إلا بعد بروز طارق بن زياد على ساحة الأحداث؟ وهي مسألة لم تلق العناية اللائقة بها، ونجح مسلسل “الطارق” في معالجتها معالجة منطقية، حيث لعب الأصل الأمازيغي لطارق ابن زياد دوره المحوري في توحيد القبائل الأمازيغية حول قيم العدل والحرية والتعاون على الخير، وتركيزه على الدعوة بدل السيف.

كما أجاب “الطارق” عن سؤال أساسي من الناحية التاريخية، وهو لماذا اهتم طارق بفتح ما وراء البحر وليس التوجه جنوبا حيث اليابسة؟ أي من أين جاء اهتمام طارق بفتح الأندلس وهي أراض لا يعرف عنها شيئا ولا يملك لها أساطيل، ولا كانت له تجربة في ركوب البحر؟ ومسلسل “الطارق” قارب هذه المسألة مقاربة إنسانية تتعلق بطفولته، حيث تعرضت قبيلته لخطف الأطفال وكان بينهم صديقة طفولته التي حاول إنقاذها وهو طفل منعته مياه البحر من ملاحقة مركب الغزاة، لترتبط ذاكرته بما وراء البحر، ويعقد العزم على استرجاع صديقته التي ستظهر في ساحة الأحداث بعد ذلك. وتكون هذه الذكرى المؤلمة أكبر شيء نقش بلاد ما وراء البحر في ذاكرته.

وعلى الرغم من الانتقادات التي تعرض لها في بعض القضايا الخلافية، فمسلسل “الطارق” أجاب عن هذه الأسئلة وغيرها بمقاربة إنسانية منطقية لعب فيها الأصل الأمازيغي لطارق دوره المحوري. لذلك، لم يثر عرضه مثل الجدل وردود الفعل القوية التي أثارها مسلسل “فتح الأندلس” الذي انحاز إلى الروايات المرجوحة، ولن يستطيع تقديم إجابات منطقية عن العديد من الأسئلة بشكل منطقي مقبول. والذي سجلت على حلقاته الأولى اختلالات همت المعطيات التاريخية التي تربط فتح الأندلس بالمغرب وبالمسلمين الأمازيغ.

إن الأمر هنا لا يتعلق بالانتصار لعرق أو أرض، ولا الحسم بين الروايات التاريخية، بل بمناقشة الأعمال الدرامية ومدى قدرتها على إعادة إنتاج ما مضى من التاريخ بمقاربات إيجابية تجمع بين الدقة في نقل الوقائع التاريخية، والعمل الدرامي الإنساني المبدع الذي يلاقي حلقات مسلسل الأحداث بسلاسة، ويملأ الفراغات، ويوحد ولا يثير الفتن.

وفي هذا السياق، يطرح السؤال على “الأولى” والقائمين عليها، والذين يفترض فيهم الاطلاع على سيناريو مسلسل “فتح الأندلس”، ومقارنته بسيناريو مسلسل “الطارق” واستشارة الخبراء في الأمر، والمغرب والحمد لله يتوفر على العشرات من الخبراء في التاريخ في مختلف مراحله؛ لأننا أمام إعلام عمومي المفروض أنه يخدم الوطن، ويخدم الهوية التاريخية للمغرب، ويعمل على تعزيز وحدته الوطنية، وعلى حماية تراثه التاريخي من السرقة والتزوير والتحريف.

إن رفض الاستمرار في عرض مسلسل “فتح الأندلس” موقف منطقي، ينتصر للتاريخ المغربي وهويته، وللقضية المغربية. ولو أعادت القناة تقديم مسلسل “الطارق” لقدمت للجمهور المغربي عملا دراميا ممتعا ومميزا على مختلف المستويات، وأقل ما سيستفيده المشاهد المغربي تعزيز عمقه التاريخي وتقوية إيمانه بهويته المغربية الأصيلة التي تميزت عبر التاريخ بالاستقلالية السياسية عن المشرق. فكيف انزلقت القناة إلى فخ الأعمال التجارية غير المسؤولة؟

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • بين الرواية والحقيقة
    الأحد 17 أبريل 2022 - 17:03

    هناك من يشك في الرواية التي قدمت عن مايسمى فتح الأندلس لكون سرد هذه الرواية حدث بعد زمن طويل من وقوعها. وقد كان ذلك في كتاب بعنوان مصر وأخبارها لابن الحكم. نفس التساؤل حدث مع رواية عبد الرحمان الداخل الذي مر بمفرده إلى الأندلس ليؤسس الدولة الأموية!

  • عربي
    الأحد 17 أبريل 2022 - 19:29

    ابقوا ١٣٥٠ اخراى هكذا. العرب لا يكترثون لامثالكم قلتم طارق امازيغي ونعم الرجل الم تسالوا من اخده وهوا صبي ورباه وعلمه وبعثه فاتحا طنجة قبل الاندلس . اليس فيكم رجل حكيم من المتمزغين يفكر ويقول بحن نبيع الوحم. اعترف لكم ابوا طارق من بربر المغرب الاوسط ومفاجءة لكم اصل اباء المجاهد عبد الكريم الخطابي يلسانه من الحجاز في الجزيرة العربية كفاكم ثرثرة واعلموا انكم الان في مغرب العرب ربع الشعب في امان الله.

  • النكوري
    الأحد 17 أبريل 2022 - 20:37

    الواجب الذي يجب القيام به هو تتبع الفكر القومي العربي و تعريته و تحليل خطابه العنصري و اكاذيبه التاريخية
    فهذه الاديولوجبة التي ساقها نصارى الشام و تبناها اعراب لورانس لا تختلف كثيرا عن الخطاب القومي الصهيوني
    فأكيد قبل ظهور القومية العربية لم يكن هناك شيء اسمه الوطن العربي و البلدان العربية بل اغلب المناطق كانت تنسب الى جغرافيتها فيقال الشام و العراق و مصر و المغرب الخ و تحكمها دول اسلامية و بالنسبة نحن المغاربة فكل الدول اسستها عصبيات امازيغية لكن مع ظهور القومية العربية اختفت هذه الحقائق و اصبحنا لا نسمع الا عن العرب فكيف تظن ان ينسب القوميون العرب فتح الاندلس للأمازيغ ؟
    لأن القومية اديولوجية لا تهمها الحقائق التاريخية
    المغاربة استفاقوا متأخرين جدا على هذا التزوير التاريخي فلقد سبقت اعمال تاريخية حول اسر امازيغية قحة لا يعتريها السك مثل المرابطين لكن مع ذلك نسبوهم الى العرب
    اقرؤا مثلا في الجزيرة كيف يستبدلون كل شيء بعربي فاصبح كل عالم مسلم عربي و كل دولة اسلامية سبقت عربية و الجالية في اروبا عربية الخ الخ انها الاكاذيب

  • الشهبندر
    الإثنين 18 أبريل 2022 - 02:11

    تحايلوا على تهميش الاسلام…و قلنا لا بأس…..رقصوا و فرحوا لاقتلاع العربية..و قلنا لا بأس…….افتخروا بعظمة التمزيغ…و قلنا لا بأس…..جمعوا كل بؤس افريقيا، و اسكنوه في بلدنا الفقير أصلا..و قلنا لا بأس…..فرنسوا كل شئ عربونا على الانتماء لمصالح فرنسا..و قلنا لا بأس….غدا ايها القطيع ستتسابقون على الماخور الفرنسي..لمحاربة روسيا و الصين….هذه ستكون نهاية من لا يغير منكرا و يرضى بكل الكوارث..و لعذاب ربك أكبر لو كنتم تؤمنون

  • Hassan
    الإثنين 18 أبريل 2022 - 04:19

    مصطلح القومية العربية ظهر مع الحركة الناصرية و البعثية و هما معا انقلبا على الشرعية . الأولى وأدت النهضة في مصر والثانية شرعت للحكم الإستبدادي . الحضارة كانت من قبل تقوم على الدين لا القومية . ال

  • عين طير
    الإثنين 18 أبريل 2022 - 15:59

    لا أرى سببا مقبولا يبرر منع رأي حر تجرأ معلنا أمام القراء بأنه لا يكترث لم كان طارق بن زياد، طارحا سؤالا جوهريا مفاده: إذا كان طارق بن زياد أمازيغيا كما تزعمون ولا حجة تعضد طرحكم، ونحن لا ندعي أنه كان عربيا إذ لا علم لنا إلا ما علمنا من التاريخ، فكيف استطاع عبور البحر علما أن أسلافكم البربر لم يعرفوا في تاريخهم صناعة السفن، فمن مده بالسفن ومن مول حملة فتح الأندلس وأنتم تعلمون أنه تحرك تحت لواء العرب والإسلام؟ فهل في هذا السؤال ما يجترح السيئات، أم أنه مثير لعقدة الدونية بإزاء كل ما هو عربي، أم أن طارق بن زيان شخصية سردية تاريخية وطنية مقدسة، أم أن مثل هذه الأسئلة الحارقة من شأنها الإتيان على البنايات المؤدلجة من قواعدها.

  • الى عين طير
    الإثنين 18 أبريل 2022 - 18:48

    الى عين طير
    اولا فتح الاندلس يندرج تحت جهاد اسلامي بغطاء العقيدة الاسلامية و ليس العروبة و لا لواء العرب و الرابطة التي كانت تجمع المسلمين في ذلك الزمان كانت هي الرابطة الاسلامية و ليس العروبة
    ثانيا العرب لم يعرفوا ركوب البحر الا قليلا فضلا ان تكون لهم الاساطيل البحرية و انما حدث تغيير في زمن معاوية ابن ابي سفيان (ض)
    ثالثا باتفاق المؤرخين فتح الاندلس تم بقيادة طارق و بجيش امازيغي مسلم متحمس للجهاد حديث عهد بالاسلام
    رابعا الامازيغ قبل مجيء الاسلام دخلوا اسبانيا مرارا فالكل يعرف ان التحالف القرطاجي كان متكون من ملوك امازيغ مثل صفاقس الذي كان يحكم غرب الجزائر و ربما شمال المغرب لان جيشه كان يسمى جيش المور في التحالف القرطاجي و ه بعدها حكم موريطانيا مثلا بوغود الذي ساعد قيصر روماني لوأد تمرد حدث في اسبانيا و هناك غزوات عديدة للمور الامازيغ في اسبانيا
    فما تقوله مناف للواقع التاريخي فالأمازيغ امة بحرية منذ القدم و ما جهاد البحري البربري في العصر الحديث عنك ببعيد
    لكن حقدك القومي العروبي هو الذي اعماك عن الحقيقة

  • الى العرقية القبلية
    الثلاثاء 19 أبريل 2022 - 19:57

    الى العرقية
    القومي العروبي
    هو من اخرج الهمج من الجاهلية إلى المعرفة و الحضارة
    اليس كذلك

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية