في ازدواجية عواطف الإنسان تجاه الحيوانات

في ازدواجية عواطف الإنسان تجاه الحيوانات
الأربعاء 9 مارس 2022 - 00:06

1- المنطلق الإشكالي

نروم في هذه القراءة والمقاربة الكشف عن المسعى العلمي التجريبي لإشكالية الآتية:

كيف يمكن تفسير ازدواجية عواطفنا ومشاعرنا تجاه الحيوانات؟

بتعبير آخر: ما السبيل إلى فهم السلوك الإنساني في علاقته بطبيعة المعاملة للحيوانات؟

ولماذا نُحبُّ الحيوانات ونعطيهم الأشياء الكثيرة من وجداننا وأحاسيسنا، وفي الآن نفسه نستخدم معهم القساوة والوحشية؟

2- الإنسان في مواجهة الحيوانات

تشكل العلاقة الرابطة بين الإنسان والحيوانات، الإشكال العلمي الأساس لمجموعة من التجارب العلمية التي أنجزها الباحث وأستاذ علم نفس الاجتماعي بجامعة غرونوبل بفرنسا لوران بيج – شانكلاند Laurent Bègue-Shankland في كتابه: “في مواجهة الحيوانات: عواطفنا، أحكامنا المسبقة، وازدواجية مشاعرنا”. (1) والكتاب صادر عن دار النشر أوديل يعقوب Éditions Odile Jacob بباريس سنة 2022. وقام بتقديمه الطبيب النفسي والعصبي بوريس سايرولنيك Boris Cyrulnik، وجاء في هذا التقديم قوله: “في اليوم الذي سنَفهم فيه أن الفكر بدون لغة موجود عند الحيوانات، لا شك أننا سنخجل من أنفسنا، لأننا حبسناهم في حدائق خاصة بهم، وقُمنا داخلها بإذلالهم وبالضحك عليهم”.

يتخذ الكتاب من المنظور النفسي الاجتماعي التجريبي مُنطقاً علميا يكشف به عن المشترك الوجداني والمُختلف بين الانسان والحيوان، حيث يدفعنا إلى استنباط الشيء المُزدوج في سلوكنا وتصرفاتنا. وقد خاض الباحث في طرح علمي معاصر، نجد من بين تجاربه المطبًّقة على عينة الدراسة، تلك التي استوحاها من التجربة الشهيرة حول “الخضوع للسلطة La soumission l’autorité à ” التي أجراها عالم النفس الاجتماعي الأمريكي ستانلي ميلغرام Stanley Milgram خلال ستينيات القرن العشرين. وتقوم تجربة بيج – شانكلاند على دفع العينة للتأكد من صدقِ فرضيةِ “الحاق الأذى بسمكة وقتلها من أجل العلم”، وذلك وفق الاستفهام الذي يُخاطب فيه العينة، وهو: “هل تجرؤ على تعذيب وقتل سمكة من أجل العلم؟”. وفي هذه التجربة تُطرح على العينة التي بلغ عددها 750 ذكورا وإناثا، مسألة القَبول بفعل الحاق الأذى بالحيوان في حوض مائي داخل المختبر، والسبب وراء ذلك توجيه بيج – شانكلاند العينة قصد الخضوح للسلطة، ومدى الامتثال لها، وإلى أي مدى يمكن رفضها. وفي الواقع ليست السمكة حقيقية، بل إنها على شكل سمكة-روبو Poisson-robot ثَم إعدادها بدقة وإتقان لمحاكاة السمكة الحقيقية.

اختار العديد من المشاركين في التجربة تنحية تعاطفهم Empathies مع السمكة وتغيير اتجاهاتهم Attitudes، والخضوع لسلطة العلم من أجل إلحاق الضرر بها، وتكون النتيجة أنها تتألم وتموت، ومن أجل هدف مشروع ومقبول من طرفهم. وهنا يتوقف التعاطف الإنساني مع الحيوان لهدف من الأهداف رغم إحساس العينة بالذنب، ويتم أيضا الامتثال للسلطة بالخضوع لها من أجل تبرير هذا الفعل بالمنفعة العلمية.

3- ازدواجية عواطفنا ومسألة الخضوع لسلطة العلم والطاعة “غير العمياء”

إذا كانت المسألة بالنسبة لستالي ميلغرام ترتبط بالخضوع للسلطة و”الطاعة العمياء” للأوامر في العديد من تجاربه، والتي كانت تستهدف فهم الطاعة المُدمرة L’obéissance destructrice في السلوك الإنساني. وأيضا الكُلية totale ، دون أدنى تفكير في مآل هذه الطاعة، والتي قد تصل إلى قتل البشر، فإن الدراسة التجريبية الخاصة بتعذيب وقتل السمكة التي أنجزها لوران بيج – شانكلاند ضمن سلسلة تجاربه النفسية الاجتماعية في الكتاب، تتقاطع مع هذه الفكرة، وتختلف معها فيما يخص طبيعة الطاعة المُتبعة من طرف العينة. فهي ليست حسب نتائج التجربة ب”العمياء”، بل “غير العمياء” لكونها ترتبط بمسألة تعطيل مشاعرنا نحو الحيوان. ومادام الهدف هو أن يكون الحيوان بمثابة كبش فداء بالنسبة للمعرفة العلمية، فإن مآله الموت خدمة للبشر. ونستحضر هاهنا كيف يتغير سلوكنا اتجاه الحيوان بالبطش والقتل والتعذيب، عندما يملك الإنسان السلطة ويحتكرها لنفسه وفق المرامي والأهداف البرغماتية التي يُسطرها، ويهدف أيضا إلى تحقيقها على المدى البعيد.

إن فكرة كتاب: “في مواجهة الحيوانات” تقوم على إماطة اللثام عن طبيعة تعاملنا مع الحيوانات، وذلك بتحليل تأثيرات سلوكاتنا فيها عبر التوجيه الذي يُمارَسُ في سلسلة التجارب. حيث تبيَّن في الكتاب الطبيعة الغريبة للسلوكات البشرية المختلفة تجاه الحيوانات، وكيف يمكن أن يختفي التعاطف البشري في ظروف معينة، لاسيما عندما تكون السلطة الموجهة التي نتخذها نحوهم هي التي تُثبت سوء معاملتنا لهم. وهنا نلمسُ العلاقة الرابطة بين عنف الإنسان للحيوانات، وطبيعة العدوان الذي يسري في السلوك البشري ويدفعه نحو القساوة والوحشية. ولماذا نحب أنواعا بعينها من الحيوانات فنتقرب إليها ونتباهى بتَربيتها وملازمتها لنا بالمنازل، ونكره في نفس الوقت أنواعا أخرى فنستخدم معها سوء المعاملة وعنف السلوك.

ومن بين المباحث التي تطرق إليها لوران بيج – شانكلاند في الكتاب نذكر على سبيل المثال لا الحصر: “في اتصالية علاقة الإنسان بالحيوانات ومع بني جنسه”، “في حيادية النظرة”، “أصل أحكامنا المسبقة عن الحيوانات”، “حول وحشية السلوك الإنساني مع الحيوانات ومسألة الانحراف”، “لماذا تعاملت المجتمعات البشرية بقساوة مع الحيوانات؟”، “جدال حول أجساد الحيوانات”، و”في روح التعاطف والقسوة”…

خلاصة

تأسيسا على ما سبق ذكره، يتبيّن أن لوران بيج – شانكلاند استطاع أن يكشف لنا عن الملامح والظروف الفردية داخل السياق الاجتماعي المشترك الذي ينقلنا إلى الروابط التي تدفعنا إلى الوعي بهويتنا وبصميم علاقتنا بالغير (الفردي والجماعي). إنها تلك الروابط التي يحضر فيها السلوك الإنساني ونظيره الحيواني عبر فعل العلاقة، بدءا من التعاطف والحب، وانتقالا إلى القسوة وسوء المعاملة، وذلك بتحليل العلاقات العاطفية بين الإنسان والحيوانات. فضلا عن كيفية رؤيتنا لأنفسنا خارج مملكة الحيوانات، بل وفي درجة أعلى منها. لذلك فالطريقة التي نتعامل بها مع الحيوانات ترتد بالأساس إلى المعايير الاجتماعية التي تُحدّدُ سلوكاتنا، وكذلك إلى القيم الاجتماعية التي تضعها المجتمعات البشرية لتؤطر طبيعة تعاملنا مع الحيوانات. حيث يتم اكتساب هذه المعايير والقيم من التأثيرات الثقافية التي تُمارس على الأفراد منذ نعومة أظافرهم إلى رشدهم، فضلا عن مستوى الفروق في الكرامة والحقوق الطبيعية والمدنية. وهو الشيء الذي يجعلنا نشعر بأن رغباتنا ونزواتنا يجب أن تحترم حقوق الحيوانات بالتوقف عن الأعمال الوحشية نحوهم. فهل استطاع الإنسان اليوم كبح جماح عدوانه على الحيوانات؟
__________________________________

(1) Laurent Begue-Shankland.- Face aux animaux. Nos émotions, nos préjugés, nos ambivalences, Éditions Odile Jacob, Paris, 2022.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Kaoutar
    الأربعاء 9 مارس 2022 - 13:44

    اشكرك على طرحك القيم والمعلومات المفيدة
    دائما متألق كعادتك
    دمت في حفظ المولى عز وجل
    تحياتي k/CH

  • Lamya
    الأربعاء 9 مارس 2022 - 20:07

    اما في التراث الاسلامي فاول من بنى مركز لايواء الحيونات كان مسلما, و الاسلام يدعو الى الرافة بالحيونات و عدم تعذيبها لانها لديها احساس و تعرف من يحبها و من يكرهها و تتجاوب معه…
    و تخصيص عدد محدود من المواشي للتربية و الاكل و يجب التعامل معها جيدا لكي لا تتعذب..

  • Lamya
    الخميس 10 مارس 2022 - 11:26

    هذا المقال يتكلم فقط عن التجارب العلمية التي تجرى على الحيونات و تتسبب في تعذيبها ,
    و هذا نقاش مهم…
    و لكن هناك في العالم و ايضا بسبب العولمة, فانه يتم تربية الحيوانات بشكل مهول بسبب الانتاج الهائل للحوم و المنتوجات الحيوانية, مثلا الحليب و مشتقاته و البيض و العسل…
    مما يؤدي الى تعذيبها
    في الاسلام هذا حرام, لانه يجب تربيتها بشكل يليق بطبيعتها في المراعي و البراري و ليس كانهم ماكينات للانتاج, مسالة اخرى كما قلت, هي عدد الانواع المخصصة للاكل, اذا كانت غير محدودة فذلك ايضا يتسبب في معانات الحيوانات, التي حرم الله علينا اكلها كالخنزير, مثلا ينتج اللحوم اكثر من البقرة او الخروف و لكن رغم ذلك محرم و هذا يخفض من معدل اكل اللحوم…
    اما انواع اخرى فهي محرمة في الديانات السماوية كلها, مثلا الحيوانات المفترسة و البرية.., كالقردة و الفيلة و الخفافيش.. و الحيوانات الاليفة كالقطط و الكلاب..
    فعلى العالم النقص من استهلاك اللحوم و في نفس الوقت النقص من عدد انواع الحيونات المخصصة لانتاج اللحوم, و معاملتها بطريقة تتماشى و طبيعته في ما يخص التربية و العلف…

  • Lamya
    الخميس 10 مارس 2022 - 13:22

    في الثقافة الصوفية الاسلامية ايضا هناك دعوة للتقليل من اكل اللحوم, اسوة بالانبياء و المرسلين و احترام الحيوانات و الاحياء بصفة عامة يعني حتى الحشرات والاشجار و النبتاث لانها مخلوقات الله الحية, ولان لديها احساس.
    يقال ان المسيح عليه السلام كان يفضل اكل السمك بدل اللحم و محمد صلى الله عليه و سلم اكثر ما كان ياكله هو الخبز الاسود و التمر و قد يدوم ذلك شهر او شهرين..
    كثرة الاكل عموما و اللحوم خصوصا ليست بالشيء الحسن في الديانات كلها.
    و لكن هذا العصر يشجع على الاستهلاك, لتحقيق ارباح طائلة..

صوت وصورة
تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 13:00 2

تكرار إغلاق "دونور" يغضب الجماهير

صوت وصورة
"أونسا" تحارب أمراض النخيل
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 11:23

"أونسا" تحارب أمراض النخيل

صوت وصورة
مع أسطورة البرازيل كافو
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 09:15

مع أسطورة البرازيل كافو

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41 1

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 2

ملعب هسبريس | هشام الدكيك