في الحاجة إلى غرامشي

في الحاجة إلى غرامشي
الجمعة 26 غشت 2022 - 09:21

كان الفيلسوف الإيطالي “أنطونيو غرامشي” متشبعا بالفكر الماركسي عندما نحت مفهوم “المثقف العضوي” تعبيرا عن الدور الذي ينبغي أن يؤديه المثقف في توجيه الوعي الاجتماعي، وتأطير الجماهير الشعبية والاصطفاف إلى جانب الطبقات الفقيرة… هذا المفكر المناضل كان يعتبر كل البشر مثقفين بشكل أو بآخر ما داموا يمتلكون وعيا وينتجون أفكارا، غير أن صيغة “المثقف العضوي” تمنح لمفهومي الثقافة والمثقف دلالة خاصة. إنها احتفاء بالحضور والمشاركة والانخراط والفعل… فالمثقف بهذا المعنى هو ذلك الذي لا تنفصل همومه الخاصة عن هموم المجتمع الذي ينتمي إليه. إنه ذلك المواطن الاجتماعي الذي لا يلوذ بالصمت ولا يهادن السلطة ولا يتفرج على الواقع من برجه العاجي. هذا المثقف الذي يريده غرامشي، ينبغي أن يكون منغمسا كلية في هموم الشارع ومشاركا فعليا في كل أشكال الحراك الاجتماعي، ومناوئا شرسا لكل الممارسات التي تنتج الطبقية والاحتقار والتفقير…

وعلى الرغم من أن خصوصيات المثقف بهذا المعنى هي وليدة الإيديولوجيا الماركسية التي أفل نجمها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي، فإن غرامشي نفسه يصر على أن المثقف العضوي لا ينتمي لأي طائفة، وليس حارسا لأي إيديولوجية، وهدفه الأساسي هو إحراج اليقينيات والشعارات الزائفة… إنه يعبر ببساطة عن ذلك الشخص الفعال الذي يسعى إلى التغيير في المجتمع حتى تتحقق الغاية الأساسية من وجود سلطة الدولة والتي تتجلى في خدمة الشعب.

إن الحاجة إلى مثقف منخرط بشكل فعلي -وليس مجرد ملاحظ للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي- في سياقنا المغربي أمر ضروري، لأن الوعي المجتمعي لا يمكن أن يتحقق بدون بوصلة فكرية تؤطره وتوجه مساره. وبدون هذا المثقف الفاعل المدافع عن قيم الديموقراطية وحقوق الإنسان تنظيرا وممارسة لا يمكن انتظار التغيير المنشود، لأن القوى الممانعة متجذرة وقوية ومتغلغلة في النسيج الاجتماعي. والتغيير هو نتيجة حتمية للصراع بين قوى التراث وقوى الثورة، أي بين المحافظين الذين يريدون إبقاء الأوضاع على ما هي عليه، والمجددين الذين يتطلعون إلى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وكلما كان المثقفون منحازين للشعب ومحتضنين لآماله وآلامه؛ كلما تحققت إرادة التغيير تلك.

لقد أدت مجموعة من العوامل إلى تحييد دور المثقف الذي أصبح صوته خافتا، ولم يعد مؤثرا في الشأن العام… وذلك إما لأسباب ذاتية تتجلى في الخوف من مصادمة السلطة أو لأسباب موضوعية فرضتها التغييرات العميقة التي عرفها موقع المثقف في المجتمع، وخصوصا في ظل نفوذ وسائل التواصل الاجتماعي، والتي ساهمت إلى حد بعيد في إنتاج مؤثرين جدد يسوقون التفاهة والإسفاف على حساب التوعية والتنوير… وقد أدى انسحاب المثقف الملتزم بقضايا المجتمع من النقاش العمومي إلى سطوع نجم مثقف من نوع آخر يخدم الوضع القائم، ويساهم في إعادة إنتاج الواقع نفسه وتكريسه… استقال المثقف “العضوي” إذن، وترك مكانه للمثقف “الموظف” الذي يبحث عن موضع قدم له في زحمة المتهافتين على الولاءات وغيرها من أدوات التسلق والترقي الذاتيين.

عندما كنا بصدد الحديث عن مفهوم “المثقف” كما يراه غرامشي، تم التنويه إلى قضية أساسية تتمثل في تعالي هذا المثقف عن خدمة أي انتماء ضيق. فهو مثقف المجتمع لا الجماعة… وهذا يعني أن أدوات تأثير المثقف لا ترتبط بالممارسة السياسية وحدها، فهو قادر على التغيير والتأثير وتوجيه الرأي العام وإحراج الحكام ونقد السلوك السياسي والدفاع باستماتة عن الحريات والحقوق من مواقع مختلفة، وليس شرطا أن يفعل ذلك من خلال يافطة أو هيئة حزبية معينة. أي أن المثقف يستطيع التأثير في الممارسة السياسية دون أن يكون سياسيا بالمعنى المؤسساتي الذي يقتضي الانضباط لإيديولوجية وخطاب الهيئة التي ينتمي إليها.

لذلك فالحاجة ماسة اليوم إلى عودة هذا المثقف باعتباره عضوا فاعلا في مجتمعه غير منفصل عن همومه ومشاكله وانتظاراته، يحقق الوعي المجتمعي، ويناضل بكتاباته وإنتاجاته، وبسلطته المعرفية ورؤيته النقدية، وبحضوره الميداني أيضا من أجل تحقق شروط الحرية والكرامة والديمقراطية. وذلك ما عبر عنه المثقفون الفرنسيون مثلا عندما نزلوا إلى الشارع في ماي 1968، خلال الثورة الطلابية الشهيرة التي عرفتها بلاد الأنوار. وحينها كان جون بول سارتر وميشيل فوكو وجيل دولوز وغيرهم من المفكرين والفنانين يقودون الصفوف الأولى للمتظاهرين، لأنهم اختاروا القيام بوظيفتهم كفاعلين اجتماعيين يعيشون آمال وآلام الفرنسيين، ويبحثون عن التغيير مثلهم، ويطمحون إلى الأفضل مثلهم أيضا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت
السبت 19 شتنبر 2026 - 00:08

أخنوش في لقاء مع ساكنة تزنيت

صوت وصورة
لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:48

لشكر: "سرقوا برنامجنا الانتخابي"

صوت وصورة
أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 23:31

أكاديمية المملكة تنفذ "كرسي الخط"

صوت وصورة
الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 22:19

الطريق إلى الانتخابات 2026 | نبيل بنعبد الله

صوت وصورة
الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 21:29

الرميلي وتخفيف تكلفة العلاج

صوت وصورة
محافظ ثقيلة وأطفال صغار
الجمعة 18 شتنبر 2026 - 20:29

محافظ ثقيلة وأطفال صغار