"قصبة سلوان" .. معلمة إسماعيلية تتهاوى أمام عوادي الزمن بمنطقة الريف

"قصبة سلوان" .. معلمة إسماعيلية تتهاوى أمام عوادي الزمن بمنطقة الريف
صور: هسبريس
الإثنين 28 يونيو 2021 - 01:30

بأسوار عالية متآكلة انهار معظمها فيما بقي الآخر صامدا أمام عوامل الزمن، تقوم قصبة سلوان في وسط الجماعة التابعة للنفوذ الترابي لإقليم الناظور، منذ أزيد من 4 قرون بعد أن شيدها السلطان العلوي المولى إسماعيل لأغراض سياسية في منطقة الريف الشرقي.

وعلى الرغم من الإرث الحضاري الذي تحظى به هذه المعلمة التاريخية، فإنها لم تستطع لفت اهتمام الجهات المسؤولة، في الوقت الحالي، لترميمها وإصلاح أسوارها، لتظل عرضة للإهمال والتهميش، وتتحول إلى منطقة شبه مخربة تأوي المشردين والكلاب الضالة وإلى فضاء لرمي الأزبال والنفايات.

أحداث تاريخية

مرت قصبة سلوان بمحطات تاريخية بارزة، إذ شكلت حصنا منيعا ضد الغزوات الاستعمارية في موقع إستراتيجي على بعد حوالي 16 كيلومترا عن مركز مدينة الناظور؛ ما جعل دورها مهما في فترات الاضطرابات السياسية في المنطقة.

يقول جمال بوطيبي، الباحث في تاريخ الريف، إن “قصبة سلوان من أهم المعالم التاريخية والأثرية التي يزخر بها إقليم الناظور إلى جانب قصة جنادة بفرخانة وقصبة زايو وقلعة “ثزوضا” المصنفة أخيرا ضمن المآثر التاريخية من قبل وزارة الثقافة. ويعود تاريخ قصبة سلوان إلى حقبة حكم السلطان العلوي مولاي إسماعيل الذي شيدها سنة 1676م”.

وجاء تشييد القصبة بأمر من السلطان، يضيف المتحدث، من أجل بسط هيمنته على قبائل بني يزناسن الواقعة على الجهة الشرقية بجوار إقليم الناظور، كما تذكر بعض المصادر التاريخية؛ ليستمر دورها المهم كحصن عسكري متين في الفترات اللاحقة.

ويردف بوطيبي: “عرفت القصبة عمليات ترميم قديمة عديدة؛ أهمها في عهد السلطان سيدي محمد بن عبد الرحمان سنة 1771، وتم ترميم القصبة أيضا سنة 1859 تزامنا مع إرسال كارلوس الثالث فيالق الحماية الإسبانية من مليلية المحتلة إلى مدينة طنجة”.

القصبة في عهد بوحمارة

شهدت قصبة سلوان أحداثا تاريخية عديدة خلال حقبة الاستعمار الإسباني، الذي بسط نفوذه على منطقة الريف. وكان لهذه المعلمة التاريخية الصامدة موقع عسكري وإستراتيجي أساسي اتخذه بوحمارة كحصن لتنفيذ مشروع تمرده على السلطة.

وأفاد بوطيبي بأن “قصبة سلوان تحتفظ بذاكرة تاريخية ذات أحداث مثيرة؛ ففي سنة 1905 استولى بوحمارة على القصبة، ولم يغادرها إلا سنة 1908 بعد أن ثارت ضده قبائل قلعية بسبب القمع الذي مارسه ضدهم ليهرب إلى مدينة مليلية”.

وتورد بعض الروايات الشفهية، يردف بوطيبي، أن العنف والقمع اللذين مارسهما بوحمارة ضد قبائل قلعية المحيطة بقصبة سلوان، إلى جانب الاستيلاء على مخازنهم وجرائم القتل التي نفذها ضد معارضيه، تسبب كل ذلك في هيجان كبير لهذه القبائل ضده ليغادر القصبة بشكل نهائي إلى مليلية.

القصبة والمقاومة الجهادية

تمكن الاستعمار الإسباني من احتلال قصبة سلوان يوم 27 شتنبر 1909 بعد طول تربص ومناورات عسكرية مع الجهاديين القلعيين برئاسة زعيمهم الشريف محمد أمزيان، لتندلع معارك طويلة للمقاومة الجهادية مع الاستعمار من أجل استرجاعها.

يقول بوطيبي: “استطاع الإسبان الوصول إلى القصبة واحتلالها، بعد أن فشلت مقاومة الشريف محمد أمزيان في التصدي لزحف المستعمر. وكان احتلال القصبة خطرا محدقا بالمقاومة الجهادية في منطقة الريف، ليبادر رجال مقاومون من قبائل بني بويفرور وبني سيدال وبني بوغافر وبني شيكر… وغيرها من القبائل التي قدمت عددا كبيرا من الشهداء من أجل استرجاع القصبة في معارك شرسة”.

القصبة تحت وطأة الإهمال

تعاني القصبة لمدة طويلة من الزمن من إهمال وتهميش حوّلاها إلى ما يشبه بناية تاريخية مهجورة تكالبت عليها عوامل طبيعية وبشرية، لتصبح عرضة للاندثار خارج دائرة اهتمام المسؤولين.

يقول محمد الشركي، فاعل جمعوي وأحد ساكنة المنطقة، إن “قصبة سلوان من أهم المآثر التاريخية القائمة إلى حد الآن بمنطقة الريف الشرقي صامدة تقاوم تقلبات الزمن، وتعاني في الوقت نفسه من الإهمال الذي حولها إلى خراب ومأوى المتشردين والمتسكعين والكلاب الضالة”.

ويضيف المتحدث قائلا: “يقوم السوق الأسبوعي لجماعة سلوان كل يوم سبت بمحاذاة القصبة؛ ما يجعلها عرضة لطرح الأزبال والنفايات ومخلفات البضائع والخضر والأسماك. كما تحولت القصبة إلى شبه مرحاض عمومي للمتسوقين والمارة الذين يلجؤون إلى قضاء حاجاتهم أسفل أسوار القصبة، حتى تحول هذا الكنز التاريخي إلى بناية مهجورة ومهملة بدون قيمة لدى عموم الناس”.

“أسوار القصبة تتساقط تباعا، يردف الشركي في حديثه إلى هسبريس، ولم تمر سوى شهور قليلة على مصرع متشرد كان محتميا بالقصبة، خلال تساقطات مطرية مهمة عرفتها المنطقة، لينهار على رأسه على حين غرة جزء من حائط متآكل فأودى بحياته على الفور. بعد الحادثة، أصبح العامة على وعي بأن حياتهم مهددة في أية لحظة خلال وجودهم قريبا من أسوار القصبة”.

مطالب ووعود

تأسست جمعية القصبة والمحافظة على البيئة سنة 2016 بجماعة سلوان أساسا من أجل الاهتمام والتعريف بالقصبة التاريخية والدفاع عنها وحمايتها على كافة المستويات. وقد انبثقت فكرة تأسيس هذه الجمعية بعد الوقوف على مدى تعرض القصبة للتلف بتآكل أسوارها وتساقطها وتحولها إلى خراب بفعل الإهمال الذي عانت منه طويلا، لتعمل على وضع مطالب العناية بالقصبة على طاولة المسؤولين.

يقول شكري الغازي، رئيس الجمعية: “قمنا بأدوار كبيرة ومهمة على مستوى العناية بالمعلمة التاريخية وحمايتها من التلف والمحافظة على محيطها البيئي، في انتظار التفاتة الجهات المسؤولة من أجل تأهيلها وترميمها.

وأضاف: “وفي هذا الصدد، راسلت الجمعية كلا من وزارة الثقافة ووزارة الداخلية ومجلس جهة الشرق وعامل إقليم الناظور ورئيس المجلس الإقليمي، كما عقدت جلسات مع برلمانيي الإقليم من أجل التحسيس بمدى أهمية القصبة الإسماعيلية ووضع مشروع تحويل القصبة إلى وجهة سياحية؛ وذلك بتحويلها إلى متحف يضم مرافق أخرى، كالمسرح الروماني ومكتبة عمومية ومرسم”.

وبعد هذه الجهود، يردف الغازي، تلقت الجمعية جوابا سابقا من وزير الثقافة والاتصال مفاده: “أحيطكم علما أن المديرية الجهوية لوزارة الثقافة والاتصال – قطاع الثقافة – بجهة الشرق قامت بإعداد دراسة تشخيصية حول وضعية وحالة تدهور قصبة سلوان وكذا تحديد التدخلات الاستعجالية لإنقاذ القصبة وإعادة تأهيلها لما تمثله من قيمة أثرية وتاريخية”.

“إلى حد الآن، تلقينا وعودا بتسجيل المعلمة ضمن التراث الوطني ووعودا ببرمجتها قصد ترميمها مستقبلا، وقد مضى أكثر من سنتين وما زلنا في انتظار الوفاء بهذه الوعود”، يختم الغازي حديثه إلى هسبريس.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • جبال الاطلس و قساوة العيش
    الإثنين 28 يونيو 2021 - 02:04

    يقصد ان جبال الاطلس قاسية طبيعتها.. مذاك الوجود… بالريف و اخنيفرة.. الاطلس الكبير.. أما عن كلمة قساوة و عيش.. الأولى اي قساوة المناخ و الثانية اي العيش.. الاستيطان شكرا هسبريس

  • Bezmawen
    الإثنين 28 يونيو 2021 - 07:38

    Après tous les crimes et les massacres contre la peuple pacifique Amazigh de Rifi , il faut encore protéger ces murs de la honte ?!!
    Il faut surtout chercher combien de cadavres qui reste encore sous ces murs plutôt

  • sahara.marocaine
    الإثنين 28 يونيو 2021 - 09:07

    au même temps on entretien le reste de la colonisateur espagnole à Tanger et ailleurs dans le pays et on laisse notre héritage historique et notre fierté se fendre

    il faut que l’état prend en charge ces monument historique et en urgence

  • zaky
    الإثنين 28 يونيو 2021 - 10:30

    ………مدى تعرض القصبة للتلف بتآكل أسوارها وتساقطها وتحولها إلى خراب بفعل الإهمال الذي عانت منه طويلا….

    وقد مضى أكثر من سنتين وما زلنا في انتظار الوفاء بهذه الوعود”……………….

صوت وصورة
أبعاد استراتيجية | موعد الحسم
السبت 31 أكتوبر 2026 - 22:00 1

أبعاد استراتيجية | موعد الحسم

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية