الأسباب التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية تصوّت ضد قرار اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تعالج القضايا السياسية الخاصة ونهاية الاستعمار، هي أسباب تعود إلى عدم احترام اللجنة الرابعة لعملية المراجعة الشمولية التي تخضع لها كل أربع سنوات.
اللجان الست المنبثقة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تخضع كل أربع سنوات لمراجعة شمولية لكي تتجاوز أخطاءها ونواقصها، إلا أن هذه اللجنة الرابعة لم تخضع لهذه المراجعة الشمولية، ولم تقم بمراجعة لائحة المناطق غير المتمتعة بالحكم الذاتي، حيث أبقت على إقليم الصحراء كإقليم غير متمتع بالحكم الذاتي، رغم أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 ينص على أن إقليم الصحراء الغربية يجب أن يتمتع بحق الحكم الذاتي داخل سيادة المملكة المغربية.
المراجعة الشمولية للائحة اللجنة الرابعة لم تتم، ورئيس الدورة الحادية والثمانين للجنة الرابعة، المسؤول عن الجدولة، قام بالسماح للمأجورين والمرتزقة بأخذ الكلمة ودعم الأكاذيب التي تمولها الآلة الدعائية الجزائرية للمساقي بإقليم الصحراء، الذي حسب القرار الأممي رقم 2797 أصبح منذ سنة 2025 إقليمًا سيتم حل نزاعه في إطار حكم ذاتي ضمن السيادة المغربية.
دولة منتجة للغاز والبترول هي من تحول دون تحقيق المراجعة الشمولية للائحة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وذلك عن طريق شراء ذمم متدخلين لدعم قضايا زائفة لا تمت بأي صلة بقضايا نهاية الاستعمار وبقضايا العدالة الدولية. فعلى سبيل المثال، الدورة الحالية للجنة الرابعة، التي هي الدورة الحادية والثمانون، تلقى رئيس اللجنة 170 طلبًا لتقديم التماس لهذه اللجنة، لكن المضحك أن 140 من هذه الطلبات هي جمعيات وهيئات جزائرية ممولة من طرف الجمهورية الجزائرية، وجاءت من داخل الجزائر، ولا صلة لها بقضايا نهاية الاستعمار.
على سبيل المثال، اللجنة الوطنية الجزائرية للتضامن مع ما يسمى بالشعب الصحراوي تقدمت بثلاث ملتمسات: الملتمس الأول قدمه المدعو هشام بن حداد، والثاني قدمه المدعو عادل غبولي، والثالث قدمه المدعو يفري بنزرقة. كيف يمكن السماح للجنة واحدة بتقديم ثلاث ملتمسات بواسطة ثلاثة أشخاص؟ لماذا لم يقم شخص واحد من نفس اللجنة بتقديم الملتمسات الثلاثة؟
شراء ذمم متدخلين خلال الدورة الحادية والثمانين التي تناقش قضية الصحراء الغربية المغربية أمر واضح ولا غبار عليه، يكفي الاطلاع على لائحة المئة والسبعين متدخلًا خلال انعقاد هذه الدورة للتأكد من عملية شراء الذمم.
عملية شراء الذمم من أجل التدخل والتأثير مورست داخل دورات اللجنة الرابعة بدون استثناء، ويكفي الاطلاع على نوعية وطبيعة هؤلاء المتدخلين.
المراجعة الشمولية للجنة الرابعة، التي تنص عليها نصوص ومرجعيات الأمم المتحدة، لم تتم؛ لأنها لو تمت لتم الانتباه إلى أن قضية الصحراء لم تعد من اختصاص اللجنة الرابعة بمقتضى قرار مجلس الأمن رقم 2797، ولو تمت هذه المراجعة لتم الانتباه إلى طبيعة المتدخلين الذين لا يمكن تصنيفهم إلا في خانة من يقدمون خدمات بمقابل، لأنه لا صلة لهم بقضايا نهاية الاستعمار ولا بمعالجة القضايا السياسية الخاصة. والطامة الكبرى هي إذا كانت الأمم المتحدة من يؤدي ثمن التنقل بالطائرات، وثمن الإقامة في الفنادق، وثمن الحصول على التغذية ومصروف الجيب… إلخ.
هؤلاء الذين يبيعون ذممهم هم نوعان: النوع الأول يأتي من البلد الذي لديه مصلحة مباشرة في خلق واستمرار هذا النزاع، والنوع الثاني يتمثل في جمعيات ومؤسسات دولية وأشخاص اعتباريين لا ينتمون لهذا البلد الذي لديه مصلحة في النزاع، ولكن يقوم هذا البلد بشراء ذممهم وتوظيفهم للتأثير على قرارات الأمم المتحدة.
سأقدم لكم لائحة جد مختصرة لعينة المتدخلين الذين يأتون من البلد الذي له مصلحة في خلق واستمرار النزاع، وستلاحظون أن رئيس اللجنة الرابعة كان عليه ألا يقبل مثل هؤلاء المتدخلين في دورات اللجنة الرابعة. العينة هي كالتالي:
– خمس ملتمسات قدمها المجلس الشعبي الجزائري، وملتمس سادس قدمه ممثل عن البرلمان الجزائري.
– ملتمس قدمه المدعو قاسم باحماني الراعي.
– ملتمس قدمته فاطمة الزهراء بن الصافي.
– ملتمس قدمه مولود حبناسي.
– ملتمس قدمته مريم نايلي.
– ملتمس قدمه ميلود تيسوح.
– وملتمس قدمه عضو الجمعية الوطنية للشعب الجزائري، أي البرلمان الجزائري، والذي قدمه هو إسماعيل دبيش.
هذه العينة المنتمية للمجلس الوطني الشعبي الجزائري، التي باعت ذمتها بمقابل، كان على رئيس دورة اللجنة الرابعة أن ينتبه إلى أن البلد المعني مباشرة بهذا النزاع، الذي هو المملكة المغربية، لم ينتدب برلمانيين لتقديم ملتمسات داخل مداولات اللجنة الرابعة…
وإذا كانت هذه العينة الأولى هي هيئة وطنية رسمية، فالعينة التالية هي نوع من احتقار المهمة النبيلة التي أُنشئت من أجلها اللجنة الرابعة. وهذه العينة هي كالتالي:
جمعية “الجزائر تقرأ” قدمت ملتمسها العضوة في الجمعية المدعوة “لينا سحنوني”. ماذا يمكن لهذه الجمعية أن تفيد فيه اللجنة الرابعة فيما يخص قضية تصفية الاستعمار؟ هل تريد أن تقول للجنة الرابعة بأنها لا تعرف القراءة؟
“المنظمة الجزائرية لتشغيل حاملي الشهادات” قدمت ملتمسًا إلى رئيس الدورة الحادية والثمانين، وقدم هذا الملتمس المواطن الجزائري المدعو عدنان محمد بدر الدين. ما علاقة مهمة تشغيل حاملي الشهادات الجزائريين بقضية الصحراء المغربية؟
“المنظمة الجزائرية لتوظيف الخريجين” هي الأخرى قدمت ملتمسًا إلى رئيس دورة اللجنة الرابعة، وقدمت هذا الملتمس المدعوة شمس الدين أيت روابي. الغريب في الأمر هو أنه لا يوجد بتاتًا داخل الجزائر منظمة مختصة في توظيف الحاصلين على شواهد ودبلومات. وماذا يمكن لمثل هكذا منظمة أن تفيد به قضية الصحراء الغربية المغربية؟
كلية العلوم والاتصال الجزائرية هي الأخرى قدمت ملتمسًا إلى رئيس الدورة الحادية والثمانين، وقدم هذا الملتمس المدعو العيد زغلامي.
في المملكة المغربية هناك عدة كليات للعلوم، ورغم أن كل العاملين بها يؤمنون بأن الصحراء الغربية هي مغربية، فلا كلية علوم واحدة قررت إرسال أستاذ جامعي لتقديم ملتمس إلى رئيس الدورة الحادية والثمانين؛ لأن مغربية الصحراء هي تحصيل حاصل، ولا تستدعي تعطيل أستاذ عن محاضراته وحرمان الطلبة من حصص التكوين. وماذا يمكن لكلية العلوم والاتصال الجزائرية أن تفيد به اللجنة الرابعة؟
جمعية جزائرية اسمها “لقاء شباب الجزائر” هي الأخرى قدمت ملتمسًا، وقدم هذا الملتمس عضو الجمعية المسمى عبد المالك بن اعور. شباب الجزائر محتاجون إلى حرية التجوال في منطقة الاتحاد المغاربي على غرار قرنائهم الأوروبيين، ولا مصلحة لهم بتاتًا بقضية الصحراء؛ لأنهم يعلمون جيدًا أن المملكة المغربية هي من وضعت ملف نهاية الاستعمار بإقليم الصحراء الغربية لدى الأمم المتحدة سنة 1963، وهي التي حصلت سنة 1976 على استقلال هذا الإقليم.
الجمهورية الجزائرية أقحمت الفاشلين والمرتزقة في قضية الصحراء، ورئيس اللجنة الرابعة كان عليه الانتباه إلى هذا الأمر؛ لأنه حتى شبكة الصحفيين الجزائريين الفاشلين أقحمتها الجزائر في قضية الصحراء، والذي قدم الملتمس الصحفي الفاشل علي قصبي.
لا أريد الإطالة في سرد المنظمات الذيلية للنظام الجزائري، والفاشلة في مجال اشتغالها، والتي جاءت من داخل التراب الجزائري على حساب ميزانية الشعب الجزائري الفقير، لتقديم ملتمسات للجنة الرابعة، وهي لا صلة لها بتاتًا، لا بالقضايا السياسية الخاصة ولا بقضايا إنهاء الاستعمار.
لقد ذكرت فقط بعض الهيئات والمؤسسات الرسمية الجزائرية التي قدمت ملتمسات، ولم أذكر الهيئات والجمعيات الدولية التي مولتها الجزائر وجاءت بها على حساب الميزانية الحكومية للشعب الجزائري المغلوب على أمره.
ليس فقط الجمهورية الجزائرية التي قامت بإرسال هيئات وجمعيات وغيرها، بل حتى المملكة الإسبانية، بعض مدنها قامت بانتداب ممثلين عنها لطلب ملتمسات، وهذه الملتمسات هي مناهضة للموقف الرسمي الإسباني.
المراجعة الشمولية للجنة الرابعة لم تتم، لهذا السبب الوجيه ربما طلبت الولايات المتحدة الأمريكية التصويت على قرار اللجنة الرابعة لتحميل المصوتين مسؤولية ترك مثل هؤلاء الجمعيات والمنظمات المأجورة والفارغة تقديم ملتمسات للجنة الرابعة. ولهذا السبب كذلك صوتت الولايات المتحدة ضد هذا القرار؛ لأنه كان على اللجنة الرابعة، المكلفة بعملية إنهاء الاستعمار، إخراج قضية الصحراء الغربية من هذه اللجنة؛ لأن هذه القضية ليست قضية إنهاء الاستعمار. عملية إنهاء الاستعمار تمت برحيل المستعمر الإسباني واسترجاع المملكة المغربية أراضيها التاريخية.
عودة إلى التصويت على قرار اللجنة الرابعة: المملكة المغربية لم تكن بتاتًا مخطئة لما صوتت بنعم على هذا القرار؛ لأن القرار في ديباجته قام بسرد كل قرارات الأمم المتحدة المرتبطة بهذه القضية، وآخر قرار توقف عنده هو قرار مجلس الأمن 2797، الذي يعتبر الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الحل الوحيد والأوحد لقضية الصحراء الغربية المغربية، التي بمقتضى هذا القرار حان الأوان لإخراجها من جلسات اللجنة الرابعة التي تسمح للفاشلين والمأجورين بأخذ الكلمة والتحدث داخل أروقة الأمم المتحدة.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.