كرم الحاج المعطي

كرم الحاج المعطي
الإثنين 24 يناير 2022 - 13:58

بعد انصراف جميع التلاميذ إلى منازلهم. حاولت بعجالة جمع أدواتي وإقفال النصف المتبقي من النافذة الوحيدة في القسم. أما النصف الآخر فلقد تم إغلاقه بصفة نهائية منذ مدة.

رغم الطلبات المتكررة لإصلاحه، كان الجواب الوحيد من طرف المدير:

“لم يدرج في ميزانية الترميم لهذه السنة. اطلب المساعدة من جمعية الآباء”.

هذا فعلا ما قام به أحد الآباء، حيث استغنى عن الزجاج واستبدله بقطعة من الكارتون ثم غلفها بجزء من البلاستيك حتى لا يمتلئ القسم بخيرات الشتاء.

“اللهم العماش ولا العوارة”

هذا هو تعليق أحد المفتشين أثناء إحدى زيارته لهذه الفرعية.

أقفلت باب القسم ثم عبرت الطريق الفاصل بين المدرسة ومطحنة الزيتون. هذه البناية الوحيدة المتواجدة أمام فرعية “النواصر”، كانت تضم حانوتا وسكنى للحاج المعطي. باقي ساكنة الدوار كانت تقطن في سفح الجبل أو متفرقة حوله.

لقد كان لي موعد هذا اليوم مع الحاج المعطي. نادرا ما أقوم بزيارته في مقره. ولكن كثرة الإلحاح هذه المرة حتمت علي زيارته في بيته.

فرعية “النواصر” التي لا تبعد عن قرية أبا محمد إلا ببضعة كيلومترات. كانت تتكون من حجرتين تتناوب عليها أربع مجموعات. كنا نحن -المدرسين- نقوم بالتنقل اليومي ما بين الفرعية والقرية. مرة بواسطة الدراجة النارية وغالبا صحبة السي علي في سيارته الشعبية: رونو4. ونقتسم طبعا مصاريف البنزين وإصلاح السيارة في حالة الأعطاب.

منطقة النواصر منطقة فلاحية جميلة جدا. كانت حجرتا الدرس تحادي الوادي اليابس. تصل المنطقة ذروة جمالها ورونقها في خضم فصل الربيع. فتصبح لوحة فنية بامتياز. ناهيك عن طيبوبة وكرم الساكنة. هذه السمة النبيلة المتأصلة في كل سكان المنطقة، التي حظيت بشرف لقائهم، تعد كقيمة مضافة وخاصية نادرة.

وجبات متنوعة وغنية بما تزخر به المنطقة من خيرات كانت تقدم لنا نحن المدرسين كل يوم. ناهيك عن الزيتون والزيوت الطبيعية التي يخصص جزء منها للمدرسين أثناء موسم الجني.

“تستهلوا كل خير. تهلاونا غير في القراية ديال الدراري”.

هذه الخيرات التي يمنحها السكان من صميم قلبهم هي عربون المحبة والتقدير التي يكنونها لرجل التعليم. ثلاث سنوات قضيتها في هذه الفرعية، تركت بصمتها بشكل بين في حياتي.

شاركت الحاج المعطي براد الشاي المنعنع بعدما بادرته بالتحية. وكانت لذة هذا الأخير بمعية “الحرشة” تنسيك تعب اليوم بكامله. احتسيت الكأس بسرعة غير معهودة وأنا في انتظار إشارة الحاج على أحر من الجمر.

لقد اقترح علي أن أختار كبشا من بين أكباش زريبته. علما أنه تاجر وفلاح معروف في المنطقة بجودة ماشيته. هذا يعني أيضا أن الأثمنة ستكون مناسبة للجودة لا محالة.

“هل أسطيع تأدية ثمن الكبش؟”

هذا هو السؤال الذي لم يبارحني بالمرة منذ أن طرح الحاج علي هذا الاقتراح.

لقد اضطررت للقيام بعملية التوفير منذ بضعة أشهر. هذه العملية الصعبة أفرزت بعد جهد جهيد مبلغا متواضعا بالمقارنة مع أثمنة الخرفان. لكنه مبلغ كبير بالمقارنة مع راتبي المتواضع! في نفس الحين كنت أشعر بغبطة لا متناهية. أخيرا أستطيع أن أساعد أسرتي وأشتري خروفا من راتبي. نشوة لها طعم خاص.

أوراق الخمسة والخمسون ألف درهم ثنيت ورقة بورقة ووضعت في الجيب الأمامي للسروال. كانت لا تفارقني بالمرة. كلما استبدلت السروال إلا وحرصت على أن أنقل المبلغ بعد عده من جديد لأقبعه في الجيب الجديد. هذه العملية كانت تتكرر باستمرار.

“اختر الخروف الذي تشتهيه”. بادرني الحاج عند وصولنا إلى الزريبة.

جالت عيوني جوانب الحظيرة. أكباش من مختلف الأشكال والألوان تتحرك من جانب إلى آخر. وأخرى قابعة في مكانها أو منشغلة بالتهام العلف المقدم لها. تناسيت حديث الحاج وهو يسرد الأصناف المتوفرة لديه وخاصية كل نوع منها: “الصردي، سلالة أبي الجعد، سلالة بني كيل، سلالة تمحضيت… إلخ”. وحاولت التركيز والبحث عن خروف صغير أو متوسط لا يفوق ثمنه المبلغ الذي في حوزتي.

ترددت بعض الوقت، ثم سألته عن ثمن أحد الخرفان التي وقع اختياري عليها.

“أختر خروفا كبيرا. الثمن لا يهمك. سنجد حلا مناسبا”

يا إلاهي كيف سنجد هذا الحل المناسب وأنا لا أملك إلا المبلغ المذكور؟ لا أريد أن أدخل في مسلسل القروض، كما لا أريد أن أتخطى إمكانياتي المادية التي لا يمكن مقارنتها مع وضعية الحاج.

هذا الأخير كان يزورني من حين لحين في الفصل ويطلب مني أن أدون في مذكرتي بأنه أقرض شخصا معينا مبلغا ماليا.

وعندما يسترد ماله يعود ليخبرني بذلك، حتى أشطب على “الاتفاقية”. هذه العملية -التي هي بالطبع ليست من واجبي القيام بها- كانت تتكرر باستمرار وتتعلق بمبالغ جد عالية. مبالغ لم يسعفني الحظ آنذاك أن أتصورها. وكنت أقوم بهذه “المهمة” بصدر رحب.

عندما تيقن الحاج أنه صعب علي حسم أمر اختيار الكبش، امتطى على خروف صردي سمين، بني اللون وذو قرون ملتوية.

“هذا هو خروفك”.

حاولت جهد المستطاع أن أستفسره عن ثمنه، لكن بدون جدوى.

أدخلت يدي في جيبي لأسلمه المبلغ الذي بحوزتي أولا وبعدها سنرى كيف سأسدد ما تبقى، إذا دعت الضرورة.

“لماذا أنت جد مستعجل لدفع النقود؟ لا تشغل بالك. سأحتفظ بالخروف هنا الى غاية يوم العيد”.

انصرفت في اتجاه دراجتي النارية التي كانت قرب القسم وأنا في حيرة من أمري.

سأصاب بسكتة قلبية لا محالة عندما سأسمع ثمن هذا الخروف الضخم.

أبلغت أسرتي المتواجدة بتطوان بأنني اشتريت خروف العيد. لكنني لم أستطع إيجاد الجواب حول كيفية نقل الخروف من دوار النواصر بالقرية إلى تطوان.

ازدادت حيرتي عندما أبلغت الحاج المعطي “بالمشكل”.

“أين هو المشكل هنا يا سيدي؟” كان رد الحاج.

وعدني الحاج بأنه سيتكلف بنقل الخروف يوم العيد صباحا إلى العنوان الذي أعطيته في تطوان.

عدت بضعة أيام قبل العيد إلى مدينتي وأنا في حيرة جديدة. رغم الثقة الكبيرة التي أكنها للحاج، كنت متخوفا من هذه “الصفقة”. لازمني هذا التخوف طيلة المدة التي قضيتها قبل العيد.

ليلة العيد كانت ليلة مستعصية. كلما سمعت مأمأة الخرفان عند الجيران كلما ازداد تخوفي. حاولت أن أبحث -وأنا أتقلب في فراشي- عن حل قان في حالة إذا لم يحضر الكبش. فكان الحل هو الذهاب مبكرا لشراء خروف من السوق. ليلتها لم يغمض لي جفنا. ولكن غبطتي كانت لا توصف وأنا أفتح الباب في الصباح الباكر لأستقبل الخروف الصردي وبمعيته قنينات الزيت البلدي، سلة من البيض وأشياء أخرى…

انتابت علامات الدهشة وجوه أفراد الأسرة عند رؤية الكبش.

“كبش واشمن كبش هذا”. علق جارنا السي أحمد الذي كان يساعد دائما في الذبح.

احتفلنا بالعيد بشكل جيد. وعندما عزمت على العودة الى مقر عملي، انبعثت من جديد مسألة ثمن الخروف. كم هو المبلغ الذي سيطلب مني تأديته؟ من الأكيد أن ثمنه أكثر بكثير من ذلك المبلغ الذي وفرته خصيصا لهذه الغاية. هذه شهادة كل من رأى الخروف.

انتظرت وقت الاستراحة في اليوم الأول من الدراسة بعد العيد، عبرت الطريق المؤدية عند الحاج. بعد التحية شكرته شكرا جزيلا على كل ما قام به.

“هل كانت الأسرة راضية على الخروف؟” رد علي الحاج.

وضعت يدي في جيبي وأنا أسأله من جديد عن ثمن الخروف.

“هذه هدية بسيطة لك” ثم تابع كلامه أمام اندهاشي:

“أقسم بالله لن آخذ ولو سنتيما واحدا من عندك”.

ملحوظة:

بعد قضاء سبع سنوات من التدريس في المغرب، انتقلت سنة 1988 إلى هولندا لأمارس نفس المهنة. بعد مدة تحملت مسؤولية الإدارة إلى يومنا هذا. لقد مرت على هذه الواقعة أكثر من أربعين سنة. رغم هذه السنين فما زلت أتذكر تلك التجارب بكل غبطة وافتخار.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • على مدى
    الإثنين 24 يناير 2022 - 21:50

    تعليم مدى الحياة.. تعـلـيــم للجميـــع (2)

    استجابة لما يفرضه الواقع العالمي من متغيرات معرفية واقتصادية، وما أفرزته الثورة الصناعية الرابعة، وما سيتأتى عنها لاحقاً من تسارع خطى الإنتاجية والتقدم، أصبح لزاماً علينا أن نكون على خط تماس واحد لاستيعاب ومواكبة هذه التغيرات المتسارعة، وهذا الحاصل والتوجيه القائم من قبل الحكومة للمضي قدماً في جعل النظام التعليمي في دولتنا الحبيبة، قادر على تحقيق أهداف لها أبعاد معرفية مستدامة مهمة، لاسيما وأن هدف التعليم والتعلّم لم يعُد تحصيل المعلومات، بل بناء تراكم شمولي قِيمي وفكري ومعرفي ومهاري للمتعلّمين بغرض إنتاج المعرفة مدى الحياة؛ بهدف عام هو التعزيز المتواصل لجودة حياة الفرد ومجتمعه، فمع توسّع البحوث، وتعمّق معرفتنا بالعقل البشري تنامى الوعي بأهمية النظر إلى التعلّم والتعليم باعتبارهما نشاطَين يبدآن مع تشكّل حياة الجنين ليستمرّا مدى الحياة.

    حسين الحمادي

  • hassan
    الإثنين 24 يناير 2022 - 23:01

    كرم سكان البادية و احترامهم للمدرس يظهر جليا في هذه القصة الشيقة.
    يجب على المدرسين ان يقدروا هذا الاحترام و يقوموا بدورهم رغم الصعاب و المشاكل التي تعترض مهمتهم خصوصا في البوادي

  • parapluie
    الثلاثاء 25 يناير 2022 - 10:05

    Les films scandinaves en course pour les Oscars

    Un film mystérieux, nimbé de fantastique autour d’un mouton pas comme les autres.

    Frederic Ponsard

  • tanto tiene tanto vale
    الثلاثاء 25 يناير 2022 - 20:46

    Nos autres critiques

    À une époque où se déplacer physiquement présente quelques risques, l’imaginaire semble un moyen de locomotion plus sûr. Cet ouvrage de référence nous permet de vagabonder dans notre beau pays, à Liège, Bruxelles, Anvers, en compagnie d’auteurs de chez nous comme Verhaeren, Simenon ou Eekhoud. Mais on retrouve aussi des visiteurs étrangers, notamment Victor Hugo, Karl Marx, Balzac, les sœurs Brontë ou Charles Baudelaire qui, aigri et déçu de la vie, se vengea en détestant la Belgique et les Belges.

    Patrick Corillon, éd. Bouquins-Robert Laffont

  • اية الخطيب
    الثلاثاء 25 يناير 2022 - 21:26

    الناقد العراقي كه يلان محمد: النقد هو البحث عن الأثر الفني وليس محاصرة النص الإبداعي بالنظريات

    حوار. راضية تومي

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 1

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة