كورونا وقومية اللقاحات

كورونا وقومية اللقاحات
صورة : أرشيف
الخميس 28 يناير 2021 - 15:17

لا جدال في أن “كورونا” ملف كبير جدا، فقد غيّر العالم، واكتسح الساحات، وأطاح بالكبار، وبدد الثروات، إنه ملف غامض ومفتوح على جميع الاحتمالات، متعدد الأبعاد وخطير التداعيات. بالأمس كان التهافت بين الدول حول أجهزة الوقاية والكمامات، واليوم هي في تسابق محموم على اللقاحات. الأولوية للدول التي ابتكرت اللقاح وتلك التي تنتجه، تليها الدول الثرية، أما البقية فعليها انتظار حفنة من الجرعات، بعد أن حجزت الدول الغنية معظم الإمدادات، الأمر الذي اعتبره مراقبون فضيحة أخلاقية فاقت كل التوقعات.

لا يزال عدّاد الإصابات والوفيات يواصل ارتفاعه على مستوى العالم، إذ فاق عدد الوفيات مليونين، ويقترب عدد الإصابات من المائة مليون. اليوم لا حديث يعلو على حديث اللقاحات، فبعد مجهودات علمية جبارة وتعاون بين الحكومات والشركات، ظهر اللقاح، وسرى الأمل في النفوس بقرب انتهاء الجائحة، ولكن سرعان ما تبدد هذا الأمل تحت وطأة الاعتبارات الجيوسياسية الدولية، اللقاحات أصبحت متعددة الجنسيات، والتنافس صار بديلا للتعاون والتضامن، وقضاء المصالح بات مقدما على الالتزام بالقيم والمبادئ.

لقد أدى غياب الالتزام الدولي بتوزيع عادل للقاحات إلى ظهور ما يعرف بـ “قومية اللقاحات”، والذي يقصد به أن الدول المنتجة لهذه اللقاحات تعطي الأولوية لمصلحتها الوطنية الخاصة على مصلحة بقية الدول، فتقوم بتوزيع اللقاح على مواطنيها أولا، على أن يتم في وقت لاحق الإنتاج والتوزيع على مستوى العالم، وفي هذا الإطار تشير بعض التقارير إلى أن أكثر من مليار جرعة تم حجزها من قبل 50 دولة غنية وأن هناك مفاوضات تجريها هذه الدول مع الشركات المعنية لشراء 8.8 مليار جرعة من اللقاحات المحتملة، وأن العديد من الدول النامية والفقيرة لن تحصل على اللقاح حتى عام 2024 على الأقل، الأمر الذي سيفاقم معاناتها جراء تزايد أعداد الإصابات، وسيؤدي إلى مزيد من الخسائر في الأرواح والاقتصادات.

يقول الخبراء الاقتصاديون إن ما خسره العالم بسبب الجائحة كان كافيا للإنفاق على الوقاية منها لفترة لا تقل عن 500 سنة، على اعتبار أن تكلفة التصدي للجائحة تجاوزت 11 تريليون دولار، يضاف إليها 10 تريليونات أخرى من الإيرادات المفقودة بسبب الوباء؛ في حين أن تكلفة الاستعدادات الوقائية لم تكن لتتجاوز 5 دولارات للشخص الواحد سنويا وبإجمالي 39 مليار دولار سنويا لسكان العالم. وتشير بعض التقارير إلى أن حجم خسائر العالم في حال تم تطبيق “قومية اللقاحات” سيصل إلى 3.4 تريليون دولار سنويا، وبالمقابل فإن توزيع اللقاح بشكل عادل ستكون له انعكاسات إيجابية على المدى القصير والمتوسط والطويل سواء على الدول النامية أو المتقدمة.

سياسيا، يُجمع المحللون على أن كورونا هو الذي هزم الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في انتخابات 2020، الأمر ليس عاديا على الإطلاق، فقد أطاح هذا الفيروس برئيس الدولة الأعظم في العالم، وحرمه من ولاية رئاسية ثانية، وربما لا يزال في جعبته الكثير من التداعيات حول مستقبل العالم، وقد يتسبب في انزواء النموذج الذي يمثله النظام الغربي الرأسمالي، بعدما باتت الجائحة تهدد هذا النظام برمته. لا أحد يعلم من ستكون الضحايا السياسية التالية لهذا الوباء وكم من القيادات والحكومات والأحزاب سيطيح بها خلال الفترة القادمة.

وبالمقابل يبدو أن التعاطي الناجح مع الفيروس وتداعياته أسهم في تصاعد الدور الاقتصادي والسياسي لقوة عظمى بازغة في شرق العالم، إنها الصين، الدولة الوحيدة على الأرجح التي حقق اقتصادها نموا إيجابيا في عام 2020، فوفقا لتقديرات المركز الوطني للإحصاء في الصين بلغ نمو اقتصاد البلاد 2.3%، كما تجاوز ناتجها المحلي الإجمالي عتبة الـ 100 تريليون يوان صيني أي ما يعادل أكثر من 15.4 تريليون دولار أمريكي. من جهة أخرى تواصل الصين توثيق علاقاتها مع الدول والتجمعات الإقليمية لتتبوأ مركز الصدارة في التعافي الاقتصادي في مرحلة ما بعد الوباء، فبعد أن أبرمت اتفاق الشراكة الاقتصادية الشاملة الذي يضم 15 دولة في منطقة آسيا والمحيط الهادي (الهند والولايات المتحدة خارج هذا الاتفاق)، تمكنت بكين من إبرام اتفاق شامل للاستثمارات مع أوروبا، هذا فضلا عن علاقاتها الاستراتيجية مع روسيا، ومع إفريقيا، بالإضافة إلى مبادرتها الضخمة لإحياء طريق الحرير “الحزام والطريق”، التي تتقدم مشروعاتها شرقا وغربا، وامتدت لتشمل مجالات التكنولوجيا والصحة أيضا في إطار ما تسميه الصين بطريق الحرير الرقمي وطريق الحرير الصحي. غير أن بعض المحللين يعتبرون أن دولا كثيرة مشاركة في هذه المبادرة قد تسقط في فخ المديونية، لا سيما بعدما فاقمت الجائحة من أزماتها الاقتصادية.

يبدو واضحا للعيان أن ملف كورونا أكبر من مجرد ملف صحي، وبعد الجدال الذي أثير بشأن ديبلوماسية الكمامات في عام 2020، يبدو أن العالم سيعيش على وقع ديبلوماسية اللقاحات في عام 2021، فإلى أين سيؤدي بالعالم تسييس اللقاحات؟ وما تأثير ذلك على مكانة القوى العظمى ونفوذها الجيوسياسي؟ الشهور المقبلة ستكشف ملامح الجواب عن هذا التساؤل. وإن كان في حكم المؤكد أن تسييس اللقاح سوف يعمق الانقسام، ويعزز من انعدام الثقة، ومن تنامي اللامساواة في المجتمع الدولي، علاوة على التنافس المحموم بين القوى العظمى والذي قد يتطور إلى استقطاب دولي حاد، مما يزيد من المخاطر والتهديدات المحدقة بالأمن الجماعي.

وفي المقابل فإن التعاون والتضامن من شأنه أن يحقق المنفعة للجميع، ذلك أن هدف القضاء على الجائحة العالمية لن يتحقق إلا بحلول عالمية، وفي مقدمة هذه الحلول إتاحة اللقاح وتوزيعه في جميع الدول، وماعدا ذلك لن يؤدى إلا إلى إطالة أمد الجائحة وتفاقم تداعياتها. “كوفاكس CO-VAX” منصة تقودها منظمة الصحة العالمية، وانضمت إليها 170 دولة، يمكن اعتبارها خطة هامة لضمان توزيع منصف وعادل للقاح كورونا بين جميع الدول، بغض النظر عن مستوى دخلها، وتظل هذه المبادرة الأمل الوحيد للدول منخفضة ومتوسطة الدخل. إن عودة الولايات المتحدة إلى منظمة الصحة العالمية من شأنها أن تعطي دفعة قوية لهذه الخطة ولغيرها من الجهود المبذولة من قبل المنظمة لمكافحة الوباء.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مغربيات وتعيين المنصوري
السبت 3 أكتوبر 2026 - 15:12 2

مغربيات وتعيين المنصوري

صوت وصورة
شوكي: مصلحة الوطن أولا
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:49 6

شوكي: مصلحة الوطن أولا

صوت وصورة
المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء
السبت 3 أكتوبر 2026 - 13:29 4

المنصوري: نقاش حاد وخطوط حمراء

صوت وصورة
دورة استثنائية للأحرار
السبت 3 أكتوبر 2026 - 12:44 3

دورة استثنائية للأحرار

صوت وصورة
غلاء الخضر مع بداية الخريف
السبت 3 أكتوبر 2026 - 11:54 2

غلاء الخضر مع بداية الخريف

صوت وصورة
غلاء المحروقات يركن السيارات
الجمعة 2 أكتوبر 2026 - 23:03 14

غلاء المحروقات يركن السيارات