الجشع البارد.. من المرابيع الحديدية إلى الخوارزميات
في عالم الاقتصاد المعاصر، لم يعد الغلاء مجرد معادلة عفوية محكومة بـ”العرض والطلب”، بل أصبح سلوكاً سيكولوجياً واعياً وممنهجاً يُعرف بـ “التضخم الجشع” (Greedflation) . تشير الدراسات السلوكية والاقتصادية إلى أن أكثر من 50% من نسب التضخم العالمية في فترات الأزمات لا تعود لارتفاع تكاليف الإنتاج، بل إلى استغلال الشركات العملاقة للأزمات لرفع هوامش أرباحها بدم بارد.
إن الجرح الغائر في بنيان الرأسمالية يتجسد في “المفارقة الوجودية للإنسان المعاصر”؛ فالمنظومة الاقتصادية تعامله بانفصام بنيوي حاد: تراه في الصباح أجيرا يجب سحق جسده وعقله ونفسيته لتعظيم العائد، وتراه في المساء زبونا يجب اعتصار جيبه لامتصاص أجره عبر زيادة الأسعار.
هذه الماكينة لم تتغير في جوهرها القاسي على مر العقود، بل طورت أدواتها الفنية والتقنية فحسب. فمنذ مطلع القرن الماضي، حين جسّد شارلي شابلن بسخريته المريرة في فيلمه “الأزمنة الحديثة” (Modern Times) الصادرة عام 1936، صراع الإنسان الصغير الذي يبتلعه “الترس” الضخم، والمنظومة مستمرة في تجريدنا من إنسانيتنا. غير أن الماكينة اليوم تخلت عن تروسها الحديدية الفجة؛ واستبدلتها بـ “الخوارزميات الذكية” في المصانع الرقمية المعاصرة. خوارزميات غير مرئية تفوق في قسوتها آلات شابلن الصامتة؛ فهي تكتم أنفاسك وتحسب حركتك بأجزاء من الثانية، وتفصلك تلقائياً إذا تراجعت سرعتك، لتعود في المساء وتشتري حاجياتك الحيوية عبر نفس التطبيق الرقمي بأسعار مضاعفة.
ولكي يحتمل أرباب العمل هذا التناقض الأخلاقي المرعب، دون أن تنهار منظومتهم النفسية تحت وطأة الذنب، طور عقل الغني/ الرأسمالي آليات دفاع لاواعية (كـوهم الاستحقاق، والإسقاط، وتشييئ الآخر). الكراهية هنا لا تولد كعاطفة حاقدة، بل كــورم نفسي دفاعي وعازل يبرر سحق الضحية، التي هي الأجير والزبون في آن واحد، وإلغاء إنسانيتها لتحويلها إلى مجرد رقم في رسم بياني صاعد.
ولكي نفهم كيف تنبت هذه البذرة وتزهر في لاوعي الغني، نترك الكلمة لراوي قصتنا، وهو مُستدعى من أعماق هذه الطبقة، ليحكي قصة كراهيته لنا مباشرة من شرفته العاجية:
ليس من السهل على رجل في مقامي أن يفتش في دفاتر ماضيه المظلم، أو أن يكشف لكم عن اللحظة الدقيقة التي تخلّى فيها عن رداء إنسانيته؛ لكنني مدينٌ للحقيقة بهذه المكاشفة. فالكراهية التي ترونها اليوم في قراراتنا لم تولد عبثاً، بل لها هندسة دقيقة، وجذور ضاربة في التاريخ أعود بكم إليها، وتحديداً إلى ذلك الصباح القاتم من الخامس والعشرين من مارس عام 1911.
في صبيحة هذا اليوم، كنتُ واقفاً في الشارع أسفل مبنى مصنع النسيج “تراينجل” في نيويورك. السماء في ذلك اليوم كانت تمطر أجساداً بشرية. فتيات في عمر الزهور، عاملات مواطنات ومهاجرات، يرمين بأنفسهن من نوافذ الطابق التاسع ليرتطمن بالأرض تحت أقدامنا. اندلع حريق في الداخل، ولم يستطعن الهرب لأن الإدارة – ونحن أرباب العمل- كنا قد أقفلنا أبواب المخارج بالمرابيع الحديدية؛ ببساطة، لأننا لم نكن نثق بهن، وكنا نريد منعهن من مغادرة خطوط الإنتاج لأخذ استراحة، أو سرقة خيوط القماش الزهيدة.
ماتت في ذلك اليوم 146 فتاة. كنتُ أسمع صراخهن وهو يتلاشى خلف النيران، وشعرتُ للمرة الأولى في حياتي بزلزال يهزّ أعماقي. كان ذلك صوتاً مرعباً لـ”الذنب”. فالأجير الذي يغزل ثروتي والمستهلك الذي يشتري بضاعتي، هما نفس الشخص الذي قفلنا في وجهه الباب ليموت حرقاً.
هنا، في تلك التربة المضمخة بالدم والرماد، ولدت البذرة في نفسي. ولكي أستمر في العيش ككائن طبيعي لا يشنق نفسه بحبل تأنيب الضمير، كان على عقلي الباطن أن يقود أشرس معركة نفسية لإبادة هذا الذنب، ولصياغة درع من القسوة يحميني من سهام انكساركم.
أول ما فعله عقلي هو نسج “غشاء الاستحقاق المطلق”. وقفتُ أمام مرآة قصري المذهب في ذلك المساء، طردتُ شبح الحريق، وقلت لنفسي : “لماذا تبتئس؟ أنت لم تشعل عود ثقاب واحد! أنت عقل الإمبراطورية، رجل عصامي صهرتَ الصخر وامتطيتَ المخاطر لتصل إلى هذه القمة. أما هؤلاء الفقراء، ففقرهم ليس إلا دليلاً على كسل مخيلتهم وعجز إرادتهم. لو كانوا يملكون دهاءك التجاري، لأسسوا مصانعهم الخاصة بدلاً من ارتضاء دور الحطب في موقدك!”. في غضون أيام، حوّل عقلي “بؤسكم” من صرخة عدالة غائبة، إلى “عقوبة مستحقة” لعيب خلقي في جيناتكم السلوكية.
لكن رائحة الاحتراق كانت تخترق جدران قصري، وصداها يتردد في صُحفِكم ومقرات نقاباتكم التي ترفع صوتها بالشكوى، مهددةً صَفْو سلامي العاجي. هنا، توجب على عقلي أن يتناول مشرط “التحلل من التعاطف” ليتيح لساق البذرة أن يطول. توقفتُ عن رؤيتكم كبشر من لحم ودم، لديكم بيوت دافئة وأحلام صغيرة. في قاعات مجالس الإدارة الباردة، جَرَّدناكم من ملامحكم؛ تحولتم في وعينا إلى “تروس ميكانيكية” صامتة، و”أرقام إحصائية” جافة في تقارير الأرباح السنوية. عندما نرفع الأسعار لنعتصر ما تبقى في جيوبكم الخاوية تماشياً مع “التضخم الجشع”، لا نرى وجوه أطفالكم الشاحبة وهي تبكي أمام مواقد باردة، بل نرى أسراباً من المنحنيات البيانية الخضراء وهي تحلق صعوداً في سماء البورصة. لقد غسلنا أيدينا من إنسانيتكم، فصار جوعكم مجرد “غبار جانبي” يتطاير من فرط سرعة حركة عجلة النمو.
ثم زحف الخوف الوجودي إلى أعماقي كالصقيع؛ فرؤية بؤسكم وحاجتكم كانت مرآة مرعبة ومصقولة تعكس لي حقيقتي وتهمس في أذني: “هذا الصرح من الذهب قد تذيبه الأزمات في لحظة وتصبح مثلهم”. هذا الرعب من الهبوط التلقائي جعلني أنفر منكم غريزيًا، كما ينفر الحيوان من رائحة المرض والموت.
ولأطرد هذا الرعب نهائياً، لجأتُ إلى حيلة “المرآة العاكسة” (الإسقاط). بدأتُ أردد في صالوناتي البرجوازية: “هؤلاء الفقراء هم الطامعون الحقيقيون! إنهم طفيليات تريد امتصاص دماء استثماراتنا عبر نقاباتهم، ويطالبون بخفض الأسعار لأنهم يحسدوننا على عبقريتنا ويريدون سرقة قِطاف جهدنا دون عرق”. لقد ألبستكم ثوب جشعي وأنانيتي، ورأيت فيكم “الذئب” لأقنع نفسي بأنني مجرد “حمل وديع” يدافع عن حِماه!.
وعبر العقود المتوالية، راقبتُ كيف بدّلت الرأسمالية جلودها كالأفعى لتخفي فجاجة أنيابها؛ فلقد تخلت الماكينة عن غلظتها البدائية وعنفها المادي الفج الذي كان يلطخ أيدينا بالدماء، وانتقلت إلى سماوات “الرأسمالية الرقمية المعقَّمة”. لم نعد بحاجة لإغلاق الأبواب الحديدية في وجوهكم، أو الاستعانة برصاص الميليشيات؛ إذ تولت الأسواق المالية غير المرئية، وصناديق الاستثمار العابرة للقارات، والخوارزميات الخفية إدارة المقصلة بالنيابة عنا. لقد صهرنا الجشع الفردي وحولناه إلى “سيستم” آلي معزول، يمتص مدخراتكم ويعتصر أجوركم بكبسة زر خلف شاشات زجاجية، دون أن نضطر للنظر إلى عيونكم المنكسرة، مما وفّر لعقولنا واحة من الإنكار البارد، وصك براءة لنظافة أيدينا المزعومة.
أزهرت نبتة الازدراء في داخلي وغدَت غابةً من الجليد الحامي. عندما ترتفع الأسعار، وتلتفون حول أسوارنا بوجوه يائسة يمزقها الغلاء، لا يتولد في نفسي سوى القرف والاشمئزاز من “طنين تذمركم الأبدي”.
نحن لم نولد بقلوب من حجر، ولم نكن نكرهكم في البدء. لكن الماكينة التهمت صانعها؛ هي لا تقبل إلا بالنمو اللامتناهي، وعقولنا البشرية لا تحتمل العيش في زنزانة الشعور بالذنب؛ ولكي تستمر الأرقام في الرقص صعوداً، وننام نحن ليلًا ملء جفوننا.. كان لا بد لعقولنا أن تسقي بذرة الكراهية حتى تغدو قانوننا التجاري الأنجح.
واليوم، أنظر إليكم من نافذة برج العولمة الشاهق، فأرى المشهد بوضوح مرعب: لقد تحول كوكبكم المعاصر كله إلى مصنع “تراينجل” عملاق؛ النيران فيه هي هذا الغلاء المستعر الذي يطبخ أجسادكم على نار هادئة، والخوارزميات والأسواق المالية هي المرابيع الحديدية غير المرئية التي تقفل الأبواب عليكم بإحكام، لنمضي نحن الأغنياء في جني الأرباح، بينما تواصلون أنتم معشر الأجراء الزبناء إلقاء أنفسكم من نوافذ الحياة نحو هاوية السقوط اليائس. وتستمر الحياة..
ولا يسعني هنا إلا أن أبتسم بسخرية مريرة وأنا أراقب مساحيق التجميل الفكرية التي تضعونها اليوم؛ أسمع خطاباتكم البراقة في قاعاتكم الفخمة حول “حقوق الإنسان” وحفلاتكم الصاخبة دفاعاً عن “تمكين المرأة” وتحريرها. يا لكم من سذج! إن تلك الفتيات اللواتي تفحمن خلف أبواب مصنعي عام 1911 هنّ الجدّات الحقيقيات لجيلكم هذا المستنزَف. الرأسمالية لم تخرج المرأة من عباءة ربة البيت إلى المعمل حبًا فيها، بل لتضاعف عدد الأيدي العاملة الرخيصة في مصانعها وتخلق مستهلكًا شرِهاًجديدًا يشتري بضاعتها ولو بالدين. لقد أخرجنا حفيدات أولئك العاملات من “عبودية المطبخ” لنعزلهن في “أقفاص المكاتب الحديثة” ومستودعات التوزيع تحت سياط الخوارزميات، ثم أقنعناهن بأن هذا الاستعباد الأنيق هو “الحرية”! إن خطابات حقوق الإنسان المعاصرة ليست سوى الترانيم الجنائزية التي نغنيها فوق رماد جدَّاتكم لكي نُنسِيَكم أننا ما زلنا نملك المصنع، ونملك الأبواب، ونملك أقفالها.
في النهاية، خذوا مني هذه الحقيقة الباردة كاعتذار أخير: أنا لا أستطيع التراجع، حتى لو استيقظ ضميري الميت فجأة. لقد صَمَّمنا ماكينة أصبحت الآن أكبر منا جميعًا؛ فلو قررتُ اليوم خفض أسعاري أو التنازل عن أرباحي طواعية، سيطردني مجلس الإدارة غدًا، وستسحق الخوارزميات خياري الأخلاقي لتُعوِّضه بمستثمر أكثر شراسة. أنا رهين لامتيازاتي، تمامًا كما أنتم رهائن لحاجتكم.
لذا، لا تنتظروا مني معجزة أو عطفًا، ولا تضيعوا وقتكم في استجداء قلوب التروس وصناديق الأسهم. رسالتي الأخيرة لكم هي أن ابحثوا لأنفسكم عن منفذ يخلصكم من هذا القفص الخوارزمي، اكسروا شيفرة تبعيتكم لمنتجاتنا وأجرنا، واصنعوا أسواقكم الموازية واكتفاءكم الخاص بعيدًا عن شاشاتنا الإعلانية. نحن لن نفتح الأبواب الموصدة.. المنفذ الوحيد للنجاة من الحريق هو الذي ستصنعونه بأيديكم، وقبل أن تلتهم النيران ما تبقى من آدميتكم.
وكل فاتح وسادس عشر من الشهر وأنتم على بينة…
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.