لقائي مع فخامة الرئيس الجزائري

لقائي مع فخامة الرئيس الجزائري
صورة: أرشيف
الخميس 10 نونبر 2022 - 19:36

حدث اللقاء، وستأتي ملابساته، غِبَّ قمة “لم الشمل”، التي لم تلم لا شملا عربيا، ولا شمائل.

وجدتني في قصر المرادية، ضمن جماعة من مثقفي المغرب، لا أدري أهي موفدة رسميا أم مبادِرة؟

على أي، كان هناك حضور كبير في قاعة واسعة جدا، سعة التاريخ والجغرافية المغاربيين.

أغلب هذا الحضور من كتاب وصحافيين جزائريين، بدوا مركزين أنظارهم علينا أكثر من الباب التي سيهل منها فخامة الرئيس.

تنمرٌ جزائري واضح، خصوصا والقوم في ملعبهم، محاطون بألف ألف سيف لحمايتهم.

صمدنا لعيونهم، صمود الوزير بوريطة، وهو يوزع ابتساماته، حول مائدة “الكرام”.
ثم صموده وهو يواجه مُطفِّفي الخرائط، بعد أن أخْسروا ميزان حسن الاستقبال والضيافة، وهما من الشمائل العربية.

“بحصصت” شخصيا في من طفق، من الإخوة الجزائريين، يدلّ جواره علي:

هو ذا رمضان، قلم “المروك”، الذي دشن النيل الهسبريسي من الجزائر، والباقي هواة فقط. ينظرون وأنظر ولسان حالي:

أي نعم، أقولها قلبا وقالبا، ووراء القلم مدادُ بحر لا ينفد.

كنا جماعةَ المغاربة كصخرة حطها السيل من علٍ، نملك زمام أمرنا صبرا، وعلى أتم استعداد لندوس على من أراد الدوس.

تحية عسكرية مجلجلة بباب القاعة، هو ذا الرئيس تبون قادم من وعثاء قمة لم تبرح السفح العربي، ولم ترتفع عن بحر مشاكله وجزره الموحشة، الساكنة والصاخبة.

يتصدر محمولا بمغناطيس العيون المصوبة نحوه، ويشرع في “قفا نبك”، يستعيدها من زمن امرئ القيس، الذي عرف كيف يبكي ويستبكي:

– أستسمحكم إن تأخرت، فقد شغلني جبر العثرات، التي لم نحسب لها حسابا.

– خلناها قمة لا تعدو أن تكون كإقصائيات كروية، كل فوضاها من الجمهور، فإذا هي قد ثُقبت من جهة الملوك والرؤساء والأمراء.

تضحك القاعة، مبددة رهبة الدولة كاملة حينما يختزلها شخص واحد أمامك.

– نحن الآن أضعف مما كنا، منذ يوم فقط، في عدم التئام شمل القادة، إيهام بأنه أمر حاصل إن أرادوا، لكن ها نحن أكدنا اليوم ألّا شمل لنا.

ضحكٌ هذه المرة، لكنه لم يبدد غير ما أسهب الإعلام الجزائري في تأكيده:

قمة لم الشمل، قمة القمم التي جاءت طلبا لظل الثورة الجزائرية، قمة النفرة إلى فلسطين، من بلد عبد القادر الجزائري.

– لا شك ستسألونني عن الربح؛ إذ لا يمكن إلا يكون هناك أي ربح، فحتى “هتلر” ربح أن يكون هو من أشعل الحرب العالمية الثانية، وليس غيره. حتى هذا ربح.

تضحك القاعة مرة ثالثة، وهي تخمن ما تقوله الكلمات التي لم تُقل البياضاتُ.

– أكدنا للعرب أن الجزائر تستطيع تقرير مصير قمتهم، وقد فعلت.

– أكدنا للعرب أن الجزائر تملك من الدهاء ما يجعل ملك المغرب يعزف عن الحضور، والتفاصيل اسألوا عنها الوزير بوريطة.

– وهل يعقل أن نهب لملك المغرب تراب الجزائر، كما وهب قديما تراب فارس للمسلمين، وقد رأيتم نحل الصحافة الدولية، لم ترقه غير أزهار بوريطة. فكيف سيكون الأمر مع ملك المغرب؟

– نعم للم الشمل، لكن ليس رصيدا يودع في بنك المغرب.

ويتواصل الحلم:

نعم وأقسم أنه حُلمي، ليلتي هذه، وأنا أسارع لتدوينه، حتى لا تضيع تفاصيله.

ثم دخلتِ القاعة في هرج ومرج، مما جعلنا نرص صفنا، جماعة المغاربة، تحسبا لما يقع في مثل هذه الأحوال.

بدا الأمر وكأن فخامة الرئيس المدني ينقلب على فخامة الرئيس العسكري.

جلبة، وأبواب تُفتح بعنف وتغلق، ثم داهمت الخيل قصر المرادية، وعلى أكتافها جنرالات في أعقاب جنرالات.

طرِد الجميع، وبدا الرئيس مسحوبا إلى خارج القاعة، وبعض حروف الفضيحة تصل إلى الأسماع:

سأفضحكم اليوم يا لصوص الشعب والثورة والعرب والقمم.

نعم تبينتها جيدا: سأفضحكم وأمام المغاربة.

ولو في الحلم، فهمت لماذا استدعينا إلى الجزائر، وبتوجيه من الرئيس شخصيا.

قلت لزملائي: نحن الآن شهود إثبات للتاريخ، نشهد على انهيار النظام العسكري الجزائري، حينما توهم أنه سيترأس العرب كلهم.

لاتنصرفوا يامغاربة:

سمعناها في أعقابنا، ونحن نسابق الخطى مع الخارجين في هلع، ليس خوفا من الجزائر وإنما خوفا عليها.

ثم هدأت الأجواء، وبدا الزمن صباحا هذه المرة، ليس في القاعة وإنما في حدائق قصر المرادية.

ها هو الرئيس، بمفرده وبدون أي جلبة. إنه هو عبد المجيد تبون، وآثار العياء بادية عليه.

اقترب منا ملاطفا، ومعتذرا عن عدم تمكنه من لقائنا البارحة على انفراد، والاستماع إلينا.

صمتنا وكأن على رؤوسنا الطير، ولعل سؤالا واحدا كان موزعا بين أذاهننا:

ماذا حدث يا فخامة الرئيس البارحة؟ وتلكم الجلبة؟ وما دخل خيول الجنرالات التي داهمت وطردت؟

شخصيا هممت بها، فلم تقو على الخروج من حنجرتي، وبدا لي ما حدث شأنا جزائريا، فلماذا أسأل عنه فخامة الرئيس.

عجبا وكأن الرئيس يقرأ ما في ذهني سطرا سطرا.

أخرجَ بعض البطائق، وهي بعدد أفراد مجموعتنا، ثم نظر إليّ سائلا:

أعرفك يا رمضان مصباح، لكني لا أرى في بطاقتك رتبتك العسكرية، هل أنت جنرال؟

لا يا سيادة الرئيس أنا مثقف مغربي، كاتب متعاون مع هسبريس ليس إلا.

حتى في الحلم تركب الأفكار بعضها، استحضرت بعض مقالاتي عن الجزائر، وتوقعت أن يسألني عنها الرئيس، أو تداهمني مخابراته، التي سبق أن هددتني واقعا:

ها قد وقعت أخيرا يا صاحب البيان.

ولما لم يحدث أي شيء من هذا، أضفت:

لقد كتبت مقالات كثيرة عن رؤساء وقادة جزائريين، حتى أنت، يا صاحب الفخامة، كتبت عنك.

نظر إليّ الرئيس مستغربا: لا كتبت عن بنبلة، بوضياف وآيت أحمد، أما أنا فلا.

فعلا لم أخصص لك مقالا لكنني أوردت ذكرا لك في مقالات عدة، منذ تنصيبك.

لكن لا تقرأني عدوا، بل مواطنا مغربيا، اعتدي على وطنه.

هنا نظر إليّ مليا ثم قال: تنصيبي؟ لا، يجب أن أنصب نفسي، بعد تنصيب الشعب، وما دام هذا لم يحصل، فإني لست رئيسا إلا في الظاهر، لا رأي لي في كل ما يقع وما لا يقع.

تبادلنا النظرات، ولعل الجميع كان يستغرب هذه الصراحة الكبيرة من رجل ظللنا نتهمه بالتواطؤ مع العسكر ومعادة شعبه.

أخيرا الصحراء مغربية، ومن فم الرئيس:

يواصل فخامة الرئيس:

يجب أن تثقوا معشر المغاربة ألّا دخل لي في كل ما يحبل به – جزائريا – ملف الصحراء.

يوجه لي الكلام: وهل أكذب التاريخ والجغرافية يا رمضان وأصدق جماعة من “الكابرانات” سكارى آخر الليل.

لقد سبق لك أن حدثنا عن ابن تومرت، وعبد المومن بن علي، فهل أقوى على مواجهة روحيهما بكل هذه الوقاحة التي تحصل اليوم؟

ما أن بلغها حتى ارتمينا في أحضان بعضنا البعض، وفخامة الرئيس يذرف دمع الفرح، ويقول:

أخيرا أستطيع أن أفرج على ما بوجداني، في محيط أخوي لا خوف منه.

مرحبا بك في المغرب:

صرنا الآن في انشراح تام، وتعالت أصواتنا دفعة واحدة، فقد تحول فخامة الرئيس إلى رجل عادي مثلنا، بل أكثرنا إنسانية وتأثرا بكل ما ضاع من السنين.

استسمحت زملائي طالبا الإصغاء:

يا فخامة الرئيس، إذا تركتَ جانبا عربدة سكارى آخر الليل – كما نعتهم – فلن تجد في المغرب إلا أخا وحبيبا. كلنا في المغرب على قلب محبٍّ للشعب الجزائري والمغاربي.

وواصلت: من نبل ملكنا أن وجه لكم الدعوة للحضور إلى المغرب حتى ووفده في ضيق من طيش بعض ساستكم.

وهل تكفي قمة واحدة، يا فخامة الرئيس، بيننا وبينكم؟ وهل نحن بحاجة إلى لم الشمل؟ شملنا ملموم وموثق منذ قرون وقرون.

ما بيننا من حدود صناعة استعمارية، والدليل ما أن استقل المغرب حتى هرعت ساكنة وجدة – مثلا – إلى قطع الأسلاك الحدودية الشائكة وبيعها في سوق المتلاشيات.

وواصلت، وزملائي في المجموعة يصدقون:

يا فخامة الرئيس: أنا من وجدة هذه، ولهجتي كما تسمع، ألا تجد فيها لهجة وهران؟

يؤكد أن نعم.

من أين هبت الرياح إذن؟

وهذا التكتل البشري والاقتصادي، يا فخامة الرئيس، لماذا هو هكذا منذور لأعشاب البحر وليمة ومنذ عشرات السنين؟

لعلك تدري قوتنا التفاوضية المهدورة في هذا العالم المتدافع؟ يؤكد أن نعم.

مرحبا بك في بلدك المغرب، وإن كنتُ غير مُخول لتوجيه أي دعوة رسمية.
مرحبا بك حتى ضيفا عليّ إن قبلت، وفي وجدة وباديتها.

بنتي مريضة:

ثم انصرف حديثه معنا جميعا إلى متاعبه الشخصية، الصحية والعائلية، مركزا على الحالة الصحية لبنته: لقد تركتها هذا الصباح تبكي في المنزل من شدة الألم، هي لا تريح نفسها من شدة العمل، فطالما نصحتها بذلك.

بدا لي الأمر مناسبا لدعوته لعرضها على أطباء المغرب، لكنني استحييت من أن يفهم أني أنعت بلده بالقصور في المجال الصحي، فسكت. (والله لا أدري أله بنت أم لا).

رئيس المجلس العلمي بوجدة:

استيقظت من نومي، وحلمي الجزائري هذا، طلبا لكأس ماء أبُلُّ به حنجرتي، وبعده فتحت الهاتف ودونت فيه خطوط رؤياي العريضة.

ثم عاودت النوم، حائرا متأملا في كل ما رأيت وسمعت.

لكن الحلم لا ينتهي، إذا كان كثيفا وملحاحا.

هذه المرة وجدت نفسي في مكان ما بواحة سيدي يحي بوجدة، ولم يكن جليسي غير الدكتور مصطفى بنحمزة، عالمها ورئيس مجلسها العلمي، أطال الله عمره.

كنا وكأننا تواعدنا ليستمع مني، وبطلب مني، أمرا هاما، مع العلم أن معرفتي به لا تخرج عن الإطار العام.

نظرت إليه، بجلبابه الرمادي وقبعته السوداء، وطفقت أقص عليه من هذا الحلم، وهو ينظر إليّ صامتا مركزا، لا يرف له جفن.

ختمت الحلم، الذي أبى إلا أن يكون خاتمة للحلم الأصلي، بقولي:

سأكتب هذا ليطلع عليه قراء المغرب وساسته، فعساه يفيد في شيء.

لم ينبس سيادته ببنت شفه، عدا قوله:

اكتب فمبتدأ السياسة ومنتهاها في الأحلام.

ثم استيقظت، وما خلصت من الحلم إلا اللحظة وقد كتبته، والله شاهد على أن ما قرأتم ليس إبداعا أدبيا، ولا تحليلا سياسيا، وإنما رؤيا عشتها وعاشتني.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Amaghrabi
    السبت 12 نونبر 2022 - 09:50

    فخامة الرئيس الجزائري لا يحصدولا يقلع لانه عبارة عن دمية في ايدي العصابة العسكرية التي تدير البلاد وبالتالي ففاقد الشيئ الايعطيه واخيرا حينما اقترحت الدول العربية التدخل بين البلدين بخيط ابيض كان المعارض لهذه الوساطة المباركة رئيس العصابة وزعيمهم الاول “شنقريحة” وانتهى الكلام

  • أناني
    السبت 12 نونبر 2022 - 17:04

    بالرغم من أنني أدعي أني أفهم في السياسة الجزاءرية،ولكن مع الأسف أني عاجز من فهم التركيبة الحاكمة في الجزاءر.
    أعلم أن تبون واجهة مدنية وشنقريحة واجهة عسكرية،وأن وراء الستار مدين،ونزار،.ولكن هدين الأخيرين من الإحتياطين الدين نودي عنهم مؤخرا.والسؤال المحير من يحرك كل هؤلاء الأربعة ؟
    لا أضن أن هناك من يستطيع الإجابة عن هدا السؤال.

  • بيان الواضحات
    الأحد 13 نونبر 2022 - 20:20

    تحركهم أشباح فرنسا الاستعمارية؛التي تسكن الدولة العميقة؛في فرنسا والجزائر على السواء.

صوت وصورة
أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 23:14 3

أم رياض تستغيث لإنقاذ طفلها

صوت وصورة
ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:44 1

ميطا 3 | انتفاضة رجاوية أمام الجيش

صوت وصورة
أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:36

أمطار سلا تغرق محلات الصناع التقليديين

صوت وصورة
جلسة عمل | أحمد عصيد
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 22:19

جلسة عمل | أحمد عصيد

صوت وصورة
الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 20:00

الفوترة الإلكترونية تواجه التهرب

صوت وصورة
تفاصيل دعم النقل
الأربعاء 4 نونبر 2026 - 18:38 4

تفاصيل دعم النقل