لكي نصلح التعليم علينا أن نتعلّم !!

لكي نصلح التعليم علينا أن نتعلّم !!
الأربعاء 14 دجنبر 2016 - 20:06

أصبحنا نحتل، ولله الحمد، آخر المراتب في مؤشرات الوعي والمعرفة وجودة العملية التعليمية برمتها، ناهيك عن مكانة جامعاتنا في الساحة الدولية وما تسهم به من بحوث علمية في شتى المجالات. هل الأمر مثير للسخرية؟ لا، إنه مثير للشفقة ويستوجب منا لحظة تأمل ومراجعة لتقييم الوضع الراهن وقراءة الواقع قراءة سليمة ومستمرة تتكشف يوما بعد يوم.

فهل حقا لا توجد لدينا إرادة حقيقية لإصلاح قطاع بهذا القدر من الأهمية؟ هل نفتقد إلى النوايا الصادقة؟ هل تنقصنا الخبرة والكفاءة؟ أم أن المشكلة في الأساس هي مشكلة هوية وثقافة؟ هل غاب عنا الهدف وبالتالي فقدنا الدافع والمحفز للنمو والتقدم؟ أسئلة كثيرة تسابق الخطى لطرحها وكأنها أصبحت بديهية ولا تحتاج إلى كثير من التفكير والرّوية.

أحيانا يكون مفيدا تحليل المعطيات والحديث عن أسباب الفشل والنجاح. ولكن، حين يتم ذلك بعيدا عن الميدان والمشاركة الفعلية، وبنهج تعلمي، يصعب علينا قراءة الواقع بشكل سليم وبالتالي يكون تحليلنا نظريا صرفا ولا يرقى لمستوى التقييم الواقعي للموقف. ثم إن عملية المراجعة والتقييم والتخطيط هي مسألة عضوية، ومن المفروض أن تكون دورية وتتم باستمرار لكي تلائم المتغيرات والمستجدات، ولا يمكنها أن تكون فقط حدثا عابرا قلما يتكرر. ومن جهة أخرى، يجب ألا تأخذ منا الكثير من الوقت لكيلا تصبح هدفا في حد ذاتها وتشل السير الطبيعي لعملية النمو. فقد نمضي شوطا جديدا في دراسة الأسباب وتحليلها، لكن القطار يمضي ولا يتوقف كثيرا عند كل محطة وفي كل حين. فما الجدوى من معرفة المسببات معرفة دقيقة إذا كنا سنفوت ركوب القطار ونبقى في المحطة جالسين، نتطلع بحزن وحسرة إلى بقية المسافرين.

فمن المسؤول عن الوضعية الراهنة: الدولة بمؤسساتها، المجتمع بثقافته، أم الفرد بمساهماته؟ أو ربما الثلاثة معاً؟ فهم أنصار عملية النمو ولا يمكننا أن نستثني أحدا منهم. ولذلك، فالحديث المستمر عن دور الدولة ومسؤوليتها عما يحدث بشكل انتقائي هو جزء أساسي من المشكل وغالبا ما يكون السبب في احتقان الوضع وبروز أزمة ثقة بين الفرد ومؤسساته تهدد وحدة المجتمع واستقراره. فربما يتوجب علينا، أولا وقبل كل شيء، إعادة هذه الثقة إلى مكانها الصحيح والعمل بشكل تضامني يشمل الأنصار الثلاث لعملية النمو والتطور.

فإذا كانت الدولة مسؤولة عن وضع الخطط والمناهج التعليمية وتوفير المؤسسات التي تعنى بهذه العملية وكذلك تكوين الأطر والموارد البشرية الضرورية، فإن المجتمع وأفراده مطالبين بالانخراط الكلي في هذا المشروع من خلال الدعم اللامشروط لهذه المؤسسات والعمل على زيادة الوعي الجماعي بأهمية التعليم واكتساب المعرفة والمساهمة بمبادرات فردية تطوعية تجعل من العملية التعليمية قضية اجتماعية وليس فقط تدبيرا للشأن العام.

ونحن إذ نشارك في انتخاب أعضاء المؤسسات التشريعية، رغم ما تعتريه العملية الانتخابية من اختلالات ونقائص فهي أيضا تنمو وتتطور، نساهم في تحسين أدائها والرفع من جودتها من خلال اختيارنا الصحيح لمن هم أهل لهذه المسؤوليات الجسام. كما أن هناك مؤسسات موازية تتشكل من الفاعلين داخل المجتمع المدني يمكننا أن ننخرط فيها لأنها بدورها تساهم في صناعة القرار. لذلك فإن دورنا كأفراد يحتل حيزا مهما، بل محوريا، في عملية النمو سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهذا الدور يبدو جليا حين يتعلق الأمر بالتربية الأخلاقية والتربية على القيم، والرفع من مستوى الوعي والثقافة، والنهوض بالعملية التعليمية بكافة مراحلها. فنحن مطالبون قبل الجميع بتعليم أبنائنا، ومسؤولون عن تربيتهم على الأخلاق والقيم ومرافقتهم خلال مسيرتهم التعليمية. فهل نكون مستعدين لتحمل هذه المسؤولية حين نقدم على الزواج وعلى الإنجاب؟ وهل نسعى جاهدين لتعلم هذه الوظيفة الطبيعية في وقت أصبحت فيه المعلومة في متناول الجميع؟ وما هي اللغة التي نستعملها في بيوتنا ويتربى عليها أطفالنا؟ وكيف هو حال القيم والأخلاق لدينا قبل الحديث عن إصلاح المناهج التعليمية؟ وكم مرة نهدي أطفالنا كتبا بدل ألعاب القتال والهواتف الذكية؟

ونحن أيضا مسؤولون عن اختياراتنا المهنية، وليس أصعب من أن تكون أستاذا أو معلما. فهذه ليست مجرد مهنة أو وظيفة نلجأ إليها من باب الصدفة أو حين يستعصي علينا غيرها، إنها عن حق مهمة اجتماعية وإنسانية عظيمة تحتاج إلى شغف لا ينضب وإلى إحساس كبير بالمسؤولية. لذلك وقبل الحديث عن دور صناع القرار ومسؤوليتهم علينا أن نتساءل أولا أين نحن كآباء وكمعلمين من هذا الدور العظيم؟

إن بناء مجتمع سليم يحتاج فعلا إلى تعليم سليم برؤية واضحة ومنهاج قويم. لكن هذا لا يتأتى بترديد الشعارات فقط، بل بانخراط المجتمع بكل شرائحه وفئاته في عملية التعلُّم هذه معتمدين على وحدة الرؤية والهدف في موضوع يهمنا جميعا، ومثمنين كل الجهود المبذولة بعيدا عن الانتقاد العشوائي وهيمنة مشاعر العجز والإحباط والسلبية. فليست هناك صيغة جامدة ومحددة لما يجب القيام به، لكن هناك طريقة واحدة لتغيير هذا الوضع الحزين وهي العمل جنبا إلى جنب بصبر ومحبة بما فيه خير الوطن والعالمين.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • الفرزدق
    الأربعاء 14 دجنبر 2016 - 22:51

    أولاً أشكر الكاتب على تطرقه لهذا الموضوع أما بعد في نظري مشكل التعليم و التعلُّم في المغرب مشكل مركب٬ تواجهه تحديات كبرى:
    الفرنسية أم الإنجليزية (مُجرد اثارة هذا الموضوع من ذون إتخاذ قرارات تسبب في إنزال سروال الحموشي بفرنسا).
    ما جدوى التعلُّم إن لم يصنع فرقاً في حياة الفرد،تصور معي طالباً جامعياً وهو يحاول تعلُّم أساسيات حرفة يدوية ليدفع عنه البطالة بعد أن "أضاع" سنين طويلة إما متعلماً أو حالماً.
    ترهل المنظومة التعليمية و إرتجالية القرارات ,البيروقراطية.
    تضييع سنين ثمينة بعد الإستقلال في التلكء و عدم الدخول في تكثل إقليمي يحفظ مصالح الشعوبه (هذا هو السبيل الوحيد،فالمغرب لا يملك و التقانة و لا السوق ولا الموارد و لا عدد السكان ليضمن إستقلالية القرار الوطني).
    الخوصصة(بيع المدرسة بالجملة و التقسيط إرضاءً للبنك الدولي و الجمع بين الحكم و الإستثمار عند "النخبة").
    الجهل مكون أصيل لأركان الحكم في المغرب.

  • عبد الهادي
    الأربعاء 14 دجنبر 2016 - 23:06

    اصلاح التعليم يبدأ من الابتدائي بمحاربة الاكتضاظ و الانتقال الى القسم الموالي يجب ان يكون بالاستحقاق و بمعدل لا يقل عن عشرة
    و نفس الاسلوب يتبع في الاعدادي و الثانوي
    يستحيل اصلاح التعليم ب 50 تلميذا في القسم

  • citoyenne du monde
    الخميس 15 دجنبر 2016 - 00:24

    En suivant tout tout ces débats sur la situation catastrophique de notre enseignement en croirait presque qu'on n'a jamais eu un enseignement à la hauteur. Mais, en réalité, nous avions un enseignement excellent et on formait des cadres compétents et des citoyens engagés et imbibés de valeurs humaines magnifiques. Alors, oui , monsieur, l'analyse des causes peut effectivement nous donner des solutions pour ce sinistre national.

  • citoyenne du monde
    الخميس 15 دجنبر 2016 - 05:18

    Suite
    Les causes on les connait: L'arabisation irréfléchie et le fondamentalisme Islamiste qui a envahi les écoles et les universités ces dernières décennies et puis le coup de grâce avec l'enseignement privé. Ce qu'il faut c'est une volonté politique pour remédier à cette situation; à commencer par interdire l'enseignement privé du primaire jusqu'au secondaire.

  • طال لعلو الدم
    الخميس 15 دجنبر 2016 - 08:28

    قلناها ونعيدها مرارا يجب تغيير المنظور التقليدي المتخلف ويجب حدف تدريس المواد المنعزلة بل يجب دمجها في سياق قريب من الواقع المعاش للتلميذ ويجب استعمال الوسائل والمعدات المعينة على التعلم ويجب دعم معالجة صعوبات ومعيقات التعلم أكثر من التسابق مع المقرر ويجب الحث على المراجعة في المنزل وإجراء الثمارين والتجاريب في القسم ويجب الاعتناء بفضاء القسم والمدرسة وتفعيل الحياة المدرسية وتكثيف الأنشطة الفنية لأنها مفتاح تكوين شخصية وذاتية المتعلم وبدونها يستحيل تحقيق الكفايات الأساس في التواصل والمبادرة والريادة والابتكار والمهارة والإتقان. فأي نوع من التعليم تنشدون؟

  • ايمان
    الخميس 15 دجنبر 2016 - 08:55

    الى المعلق رقم واحد الفرزدق
    هناك فرق كبير بين التعلم والوظيفة،لا توجد طبقية في التعلم ،فهل بايع الخضر والسمك وعامل النظافة ليس من حقه ان يتعلم؟هل التعلم هو الوظيفة؟التعلم ينفعك في فهم ما يدور بك ،في فهم العالم اكثر فاكثر ،في اختراعات اكثر وأسهل ،فهو المصباح الذي ينير طريقك،اما الوظيفة فهي خدمة المجتمع مع كسب رزق يومك،وليس من حق كل متعلم وظيفة؟هل التعلم يحرم عليك استرزاق يومك بحرفة يدوية ،ان من يرى انه يجب لكل متعلم وظيفة فهو ليس متعلما ابدا،ومن يرى ان العمل او الحرفة اليدوية تنقص من التعلم كذلك ليس متعلما،التعلم في هذا الوقت متاح لكل واحد،ما ان تعرف القراءة والكتابة يمكنك توسيع فهمك بالقراءة والبحث والسفر …في القديم لم تكن كل هذه الوسائل موجودة مع انه كان هناك كتاب وشعراء وعلماء واختراعات…لانهم كانوا يبحثون اما نحن الان نقرا حرفين وننتظر الوظيفة.

  • الفرزدق من جديد
    الخميس 15 دجنبر 2016 - 11:24

    يا للا إيمان أتفق معك في كل ما تفضلتي به، لكن أعتقد بأن هناك سوء تفاهم بسيط …فأنا لم و لا ولن أحتقر أحداً لِسَبب من الأسباب فما بالك بمن يصارع للبقاء بعملٍ بعرق جبينه ( شخصياً في قلبي إحترام خاص للعامل اليدوي و الفلاح (من يخدم الأرض)).
    مثال الطالب الذي ذكرة، إستقيته من محيطي و ليس خيالاً و أردت منه تسليط الضوء على أمرين إثنين :
    أوَّلهما و كما أشرتي إليه إرتباط التعليم و العالي منه خصوصاً في ذهنية المواطن بالوضيفة العمومية و أن من واجب الدولة توفير ذلك (و هنا لا أُعفي الدولة من واجبها في توفير/خلق الوظائف)
    ثانياً إنفصال التعليم عن سوق الشغل …لا علاقة بين الجامعة المغربية و محيطها (الإجتماعي و الإقتصادي)
    (مقررات مزدوجة حفض/تقيؤ).
    الإتكالية المتوارثة …(ما لقيتش الدعم!!(و هنا لا أُعفي الدولة أيضاً من واجبها)).
    و أختم بقول : إن لم ينفع التعليم الفرد و المجتمع فلا خير فيه!

  • noha
    الخميس 15 دجنبر 2016 - 15:12

    وكيف نتعلم في غياب البنيات التحتية والفوقية الضرورية واللازمة للتعلم. الحل هو تجربة كوريا الجنوبية وواضعها Park Chung Hee

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 1

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود