لم يكن السموأل في قطر

لم يكن السموأل في قطر
الأحد 14 شتنبر 2025 - 00:05

حكاية وفاء:

أودع امرؤ القيس لدى السموأل دروع أجداده الملوك – وهم من بني آكل المرار – وقد اشتهرت لدى العرب بأسماء: الفضفاضة، الضافية، المحصنة، الخريق، وأم الذيول.

ولما مات هذا الشاعر، وهو في مسعاه لدى قيصر الروم لاستعادة ملك أبيه؛ رغب ملك كندة في الدروع، وألح على السموأل في طلبها.

ما كان من أوفى أوفياء العرب إلا أن رفض طلبه؛ مقسماً ألا يسلمها لغير ورثة الشاعر.

وحتى حينما حوصر حصنُه، وأُتي بابنه أسيراً، مهدداً بالذبح إن لم يسلم الدروع؛ أطل السموأل على ملك كندة من أعلى الحصن مكرراً رفضه:

“ما كنت لأخفر ذمامي، وأبطل وفائي؛ فاصنع ما شئت”

فذبح الملك ابنه وهو ينظر.

صمد حصن “الأبلق الفرد” في وجه المحاصرين، وعاد الطامع خائباً.

وتنتهي الحكاية بورثة امرئ القيس، وهم يتسلمون دروعه سالمة؛ وبالسموأل وهو ينشد:

وفيتُ بأدرع الكندي إني ** إذا ما خان أقوامٌ وفيتُ

وجرى لدى العرب: “أوفى من السموأل”

وما حمت قطر دروع العرب:

هم كذلك، وإن اختلفنا معهم، وإن ألقوا بالقضية الفلسطينية في أحضان غير آمنة؛ لها حساباتها الإقليمية.

ولا نختلف في كونهم خط الدفاع العربي الأخير في مواجهة المشروع الأمريكي الكبير؛ وإن اتخذ له – تخذيلاً – اسم مشروع إسرائيل، ثم إسرائيل الكبرى ثانية؛ التي قطعت أشواطاً في الهيمنة على المنطقة العربية برمتها؛ حتى خارج الخرائط التوراتية.

وكما نتتبع جميعاً لم يعد “نتنياهو” يتحفظ في الحديث عن هذا؛ ملقياً في وجه العالم بأشلاء الدولة الفلسطينية، حقيقةً ومجازاً.

وحتى السقوط العربي المهذب – حفظاً لماء الوجه – المعبر عنه بالتطبيع، لم يعد يثير فيه أي هاجس؛ ولسان حاله:

الهزيمة تجب ما قبلها؛ وبعبارة أخرى: لا تطبيع مع الهزيمة.

وما أقساه من جناس، بين التطبيع والتضبيع.

درس قطر:

أفضت إحدى قصائدي الغزية الأخيرة إلى القول، مخاطباً العرب:

وما أنتم إلا خراف لتُسَمَّنْ ** فهل يرعوي ضبع ذاق اللحم منا

كان هذا قبل الغارة على دروع العرب في حصن أمراء آل ثاني؛ وإن شئتم قبل عقر ناقة البسوس، التي أعقبها اقتتال مزمن بين بكر وتغلب.

عُقِرت غزة وفلسطين ولبنان وسوريا واليمن.. واليوم قطر؛ وحيثما تحرك “لسان العرب”؛ ولم تُرَكَّب جملة حماس واحدة تعادل:

ألا لا يجهلن أحد علينا ** فنجهل فوق جهل الجاهلين

لا أضع وزر هذا على قطر، إلا إذا أدخلنا في حوزتها قاعدة العديد الأمريكية، واعتبرناها إمارية؛ وما هي كذلك، وما هي في حوزتها إلا جغرافيا فقط؛ أما الهوى والعتاد فيها فأمريكي صهيوني.

وكأن أبناء السموأل الآخرين باغتوه فوق الحصن وطعنوه.

هنا كل الدرس للعرب:

لا أكثر أمناً مفترضاً – قبل – من قطر: أكبر قاعدة عسكرية أمريكية، أنفقت عليها الإمارة من حر مالها ما يزيد عن عشرة مليارات دولار.

هذا الأمان، الشاكي الصواريخ، جعل منها ركحاً للتفاوض، ارتسمت به مراراً الأقدام الهمجية لقادة إسرائيل المفاوضين؛ مدنيين وعسكريين.

نعم هي قطر، لكنها أيضاً “دولة الجزيرة”، حتى ليعجز المرء عن الحسم في من يكسب الآخر قوة: القناة أم الدولة.

وما كان لقناة عربية أن تكون لها كل هذه الصولة العالمية؛ لولا أسهمها في النفط والغاز والعديد والبيت الأبيض؛ وحتى في تل أبيب.

وغير بعيد ما لحق من مالها نتنياهو نفسه؛ ولعل الموضوع قيد القضاء الإسرائيلي.

هي قطر صانعة البيت الأبيض الطائر، الذي كلفها ميزانية دولة صغيرة: طائرة رئاسية لم تُفَض أغشيتها البلاستيكية بعد، حيث هي رابضة بواشنطن.

وهي قطر التي سُمح لها أن تستضيف قادة حماس وأسرهم، وحتى صناعتهم لحربهم بغزة.

هي ذي قطر التي تشبه “السكين السويسرية” الصالحة لكل شيء.

ورغم كل هذا هوجمت، من فوق، من تحت، من برج، من خندق، من بحر، أم من قفر..

الله أعلم.

إن لم يُجِب درس قطر كل ما قبله من ثقة في عش الأفاعي، فلا خير في قادة العرب.

وكل المصطلحات السياسية – الواعدة – التي تتردد على أفواههم، علاقة بهذا العش، كاذبة.

ولَقتلُنا صدقاً، أفضل من إحيائنا كذباً.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

5
  • فريد
    الأحد 14 شتنبر 2025 - 08:36

    ياأستاذي الكبير،هؤلاء(قطر،الكويت،البحرين،الإمارات،السعودية،عمان) أغنياء جدا بفضل خيرات أرضهم لقد إنتقلوا بين عشية وضحاها من الفقر إلى الغناء الفاحش،ربما ثقافة العمل والجهد للعيش لم تعد موجودة في جينات أبنائهم وأحفادهم لأن كل مولود قح يزداد غنيا بفضل موارد المحروقات،هؤلاء يملكون ملايير الدولارات ويعيشون في الرخاء ويؤمنون بأن كل شيء يُمكن شرائه بما فيه أمنهم القومي أي أنهم يعيشون على “الخدم”.قطر أو الإمارات أو السعودية أو… هم مجرد أبناك ومن الصعب التضامن مع “بنك” وربما أوجب الواجبات العربية؟ الإسلامية؟ عدم تعامل هاته الدول/الأبناك مع إسرائيل.السؤال المطروح هو: هل سنتضامن مع دولة قطر أو مع قناة الجزيرة القطرية(أهم إبداع قطري عالمي) ؟

  • سعيد مغربي قح
    الأحد 14 شتنبر 2025 - 12:01

    الحقيقة السياسية بعيدة كل البعد عن منطق السموأل وهي أكثر تعقيداً. فليست قطر السموأل، ولا حتى نقيضه المباشر؛ هي دويلة تحاول أن تبقى في رقعة شطرنج تتقاطع فوقها القوى الكبرى .. أمريكا بقاعدتها، وإسرائيل بحضورها غير المباشر، والعرب بمشاريعهم المتنافرة. فهي تُناور لتأمين بقائها، لا أكثر ولا أقل.

    لقد ساهمت قطر في خلق التباسات .. بين دعمها لحركات مشكوك في أمرها وبين انغماسها في تحالفات مع واشنطن وتل أبيب، فتبدو وكأنها “مع وضد” في الوقت نفسه. وهذا ما يفتح باب الشكوك والتهكم.

    خلاصة القول: لا يمكن اعتبار قطر خائنة بالمعنى المطلق، ولا مخلِّصة بالمعنى المأمول. هي ببساطة تلعب لعبة البقاء، لكنها تدفع ثمن هذه اللعبة في شكل فقدان الثقة من محيطها العربي، وحتى انتهاء زمنها الإعلامي المثير للنعرات .. فمن يلعب على الحبلين قد يسقط بينهما، والتاريخ لا يرحم المتأرجحين .. فتأمل .. !

  • مجرد رااي
    الأحد 14 شتنبر 2025 - 13:52

    خلاصة القول :
    ماذامت المماليك والدول (او هي الدويلات) العربية والاسلامية
    لا ترى ولا تحس
    ان العدو الاول والاساسي والداهم لها هو الكيان الصهيوني
    وتتحاشا اي اتفاق و توافق او حلف اقليمي حقيقي
    فانها لن تنعم باي نعمة او مال او سيادة
    بل تقضم رويدا رويدا وتتاكل كما تاكلت فلسطين
    التشردم والباس الشديد في ما بين المماليك
    و عدم القدرة على القيام بتنازلات جزئية في ما بينها
    وتقديم تنازلات اكبر للعدو(التطبيع، صفقة القرن، استثمارات…)
    والتنازل عن الدفاع عن فلسطين وكل الاراضي المحتلة (جنوب لبنان وسوريا)
    دول الخليج مجتمعة لها من المال خير وفير
    لكن تعوزها الفطنة و كل تحركاتها فردية وتتعرض للاختراق
    و تعزل ويتكرر العزل على طول، ويستفرد بها الذئب كل مرة
    ان غياب اي تفكير استراتيجي موحد مستدام وطويل الامد
    يفضي الى النتيجة التي امامنا :
    سيطرة الكيان الكلية يفتك بمن يشاء
    ويتودد لمن يشاء الى ان يحين دوره
    هكذا دواليك الى ان يستعبد الكل
    الخطر الحقيقي هو عدم جاهزيتنا ان نراه =كلنا =كعدو
    الخطر الحقيقي ان ليس لنا تفكير جمعي وحل جمعي
    كل يصنع اسلامه وعلمه وهويته ولا يري في جاره امتداد له.

  • فاتهم القطار
    الأحد 14 شتنبر 2025 - 15:15

    الآن فقط هرعت قطر إلى الدول العربية و الخليجية بعد أن من ارتمت في أحضانهم و نفذت مهمات قذرة من أجلهم لن ينفعوها بشيء . طبعا سيساندها الأشقاء في الخليج لما عرف عنهم من تضامن عربي أصيل و رغم كل السموم التي كان تبثها قناتها و المؤمرات التي كانت تنخرط فيها بحماس منقطع النظير ، يأسف الواحد حينما يطلع على مستوى الجزيرة الإنجليزية و يقارنها بنظيرتها العربية فيرى حجم الدونية التي ينظر بها من يقفون خلفها إلى المواطن الشرقي و كأنه لا يستحق إعلاما في المستوى .

  • amaghrabi
    الأحد 14 شتنبر 2025 - 20:47

    من كان بيته من زجاج لا يضرب غيره بالحجارة,العرب موحدون صوريا أما داخليا فكل واحد يحمل حقدا على الاخر وصدق فيهم كلام ربنا “تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى”وعذرا ان كانت الاية الكريمةملخصة ,بمعنى أنهم يجتمعون ويجتمعون ويتباوسون ويبتسم بعضهم البعض ووو ولكن قلوبه شتى كل واحد يريد ان يفرض مصالحه على مصالح غيره وبالتالي فلا كلام يعلو فوق كلام حاكم مصر ويليه حاكم المملكة السعودية الذي هو نفسه لا يعلو كلامه على كلام مصر وبالتالي العرب بيتهم من زجاج وقلوبهم شتى وامريكا قبضتهم من الاعناق واسرائيل تعلم علم اليقين ان امريكا معها ظالمة ومظلومة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 2

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا