لماذا الهجرة ابتداءً؟

لماذا الهجرة ابتداءً؟
الإثنين 23 شتنبر 2024 - 06:18

لماذا يفضل بعض المواطنات والمواطنين أن يغادروا بلدهم وديارهم التي نشأوا فيها، وقضوا فيها جزءًا من أيامهم؟ لماذا يفضلون، هكذا فجأة، أن يتركوا كل شيء وراءهم ويهربوا؟ هذا هو السؤال التقليدي الذي ينتظر جوابًا باستمرار كلما أُثير موضوع الهجرة من جديد، وهو السؤال الذي يتجنبه الكثير من المعنيين بتدبير الشأن العام، ويسعون إلى إبعاده عنهم، لأنه يخاطبهم مباشرة، ويسائل مهامهم ووجودهم، ويفضح تقصيرهم وعدم قيامهم بما تعهدوا به أمام المواطنين والمواطنات. ولذلك تجدهم يسرعون إلى التخلص، في كل مناسبة، من كل إشارة تقصدهم، ويلقون باللائمة على الآخرين، كل الآخرين: (الجفاف، وباء كورونا، نقص الموارد، جيوب مقاومة التغيير، العفاريت والتماسيح، التضخم العالمي، وهلم جرا).

نعم، التنقل من بلد إلى آخر، بغرض تغيير الأجواء أو البحث عن آفاق جديدة، هو حق لكل مواطن ومواطنة، وهو من الهجرات المطلوبة والمفيدة لصاحبها وللوطن. لكن غير المعقول ولا المقبول، الذي يعنينا هنا، هو أن تتحول الهجرات إلى هروب، وإلى بحث عن أساسيات الحياة العادية، أو تلك التي كان من المفترض أن تكون عادية، بلا بهرجة ولا كثرة كلام؛ كالحق في التمدرس والقدرة عليه، والحق في السكن اللائق والقدرة عليه، والحق في الشغل الذي يعني شغلاً فعليًا، والتمكن منه وفق قاعدة تكافؤ الفرص، والحق في العلاج وما يعنيه من حاجيات ومستلزمات صحية.

هذه أهم عناصر وإواليات الحياة الكريمة، في حدودها الدنيا، التي لا معنى للكرامة بدونها. ومعظم الذين يغادرون بلادهم، في الغالب الأعم، هذه هي دواعيهم الرئيسة: إما العطالة بالنسبة لمن لا شغل لهم، وإما سوء ظروف العمل والبحث بالنسبة للأطر المتعلمة، كالباحثين، والمهندسين، والأطباء، والفنانين، والرياضيين، وإما طلبًا للعلاج في حالة الأمراض المستعصية. وكل هؤلاء هم أبناء الوطن، فيه ولدوا وترعرعوا، ونالوا قسطًا من التعليم، وصُرفت عليهم أموال، قلَّت أو كثرت، ثم غادروا، ليتلقفهم الآخرون بالمجان وبلا مقابل، ما يعني أن الوطن هو الخاسر في النهاية.

فلا معنى لحديثنا عن نقص في الأطباء في وقتٍ يوجد فيه أطباؤنا خارج البلاد، ولا معنى للحديث عن تراجع البحث العلمي والمعرفي عندنا في وقتٍ يفضل فيه بعض أساتذتنا ديار الغربة على مضايقات الوطن، ولا معنى لحديثنا عن تراجع مستوى رياضاتنا في وقتٍ يفضل فيه بعض رياضيينا الاحتراف خارج البلاد، لنضطر بعدها إلى البحث عنهم وصرف الجهد والمال لدعوتهم لتعزيز فريق بلادهم الأم. ولا معنى لحديثنا عن نقص في اليد العاملة في بعض المهن والحرف، في وقتٍ يهرب فيه الكثير من الحرفيين والمهنيين عندنا إلى خارج البلاد.

نعم، بكل تأكيد، هناك دائمًا من يسعى لاستغلال الأحداث وتوظيفها، والنفخ فيها، وإثارة الزوابع حولها. هذا واضح، والأعداء موجودون دائمًا، ويجب التصدي لهم بالأساليب القانونية والدبلوماسية والأمنية المشروعة والمعروفة لدى المعنيين بهذا الشأن. لكن، ليس هذا هو السؤال الرئيس الذي يعني المسؤولين عن التدبير، والذين عليهم قبل غيرهم، الإجابة عن السؤال البسيط والعادي: لماذا يفضل بعض المواطنين مغادرة البلاد، وبطعم الهروب أحيانًا؟ ما الذي يجب فعله، هنا والآن؟

يقول علي بن أبي طالب: “الفقر في الوطن غربة، والغنى في الغربة وطن”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
معاناة سيدي الطيبي
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 18:40 1

معاناة سيدي الطيبي

صوت وصورة
''الطاكسي'' وغلاء الوقود
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 15:54 3

''الطاكسي'' وغلاء الوقود

صوت وصورة
استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا
الأحد 25 أكتوبر 2026 - 10:58 10

استياء من تهيئة الشريط الساحلي بسلا

صوت وصورة
أثمنة اللحم البلدي والمستورد
السبت 24 أكتوبر 2026 - 17:56 7

أثمنة اللحم البلدي والمستورد

صوت وصورة
ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء
السبت 24 أكتوبر 2026 - 14:38 23

ترحيل مهاجرين أفارقة بالدار البيضاء

صوت وصورة
قفزة جديدة في أسعار الدجاج
السبت 24 أكتوبر 2026 - 11:48 8

قفزة جديدة في أسعار الدجاج