ليلى سليماني: الهوية تدفعني للكتابة .. والنقاش اللغوي يحتاج البراغماتية

ليلى سليماني: الهوية تدفعني للكتابة .. والنقاش اللغوي يحتاج البراغماتية
الإثنين 28 فبراير 2022 - 05:00

أمام قاعة ممتلئة بكلية الآداب بالرباط، قالت الروائية ليلى السليماني إن من بين ما دفعها لكتابة ثلاثيتها التاريخية الجديدة هو الجواب عن سؤال “من أنت؟”؛ الذي يطرح عليها باستمرار “خاصة في الدول التي نُسميها غَربيّةً”.

في لقاء استقبلته كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، نظمه المعهد الفرنسي بالمغرب، ذكرت الكاتبة المغربية الفرنسية أن العديد من المتابعين والصحافيين الأوروبيين، حتى من صحفٍ كبرى، لا يفهمون حكاياتٍ حول المغرب، ولا يعون أنه ليس ثابتا، بل “نحن في حركة، وتغيّرات، وتركيب”.

وفي حديث عن تصورات القراء لها بين الضفتين، تحدثت السليماني عن قلق وألم هوياتي يرافق كونها بين جيلين، قد توصف في المغرب بكونها مغرّبة ومفرنسة كثيرا، وقد توصف في فرنسا بكونها “عربيّةَ الخدمة”. (تعبير يعني خيانة الأصل المغاربي، وتركيب ثقافته، في سبيل رضى الرأي العام الفرنسي، وتصوراته حول هوية خالصة).

كما تحدثت السليماني عن العائلة بوصفها دافعا لكتابة ثلاثيتها، غير المكتملة بعد، في رغبة رافقتها منذ مدة لكنها، باتباع نصيحةٍ؛ “انتظرت المسافة، والنضج، وانتظرت مرور الوقت قبل معالجة مواضيع معينة”.

وتابعت قائلة إنها بعد دوّامة ما تلى حصولها على جائزة الغونكور، الرفيعة في مجال الأدب المكتوب باللغة الفرنسية، استعادت خلال الجولات الدولية لتقديم رواية “أغنية هادئة”، والانتظارات في المطارات، الذكريات والحكايات التي كان يرويها الأجداد، فسعت إلى سرد هذه الحقيقة.

ودون الانتصار لحقيقةٍ خالصة خَلِيَّةٍ من الكذب المتوارث أو الذاتي، تحدثت الروائية عن الكتابة الأدبية التي يكون فيها كل شيء حقيقيا، لكن لا شيء دقيق، كما نبهت على آثار المعيش اليومي، الواقعي، الذي لا يترك للشخص إلا قليلا من الوقت يمكن تخصيصه لمعرفة الآخرين، ومَن هم حقيقةً.

ونفت السليماني عن ثلاثيتها، المهتمة بالمغرب زمن الاحتلال الاستعماري الفرنسي، صفة الرواية التاريخية الكلاسيكية التي تهمها الأحداث أكثر من الشخصيات، فهي مهتمة أكثر بهذه الشخصيات، من عائلتها وغيرها، ممّن لم تتوفر لهم المسافة التي توفرت لها للملاحظة.

كتابةُ رواية تهتم بالتاريخ استدعى، أيضا، وفق المتحدثة التي كانت تتفاعل مع أسئلة الصحافي عبد الله الترابي، قراءة تاريخ المغرب “زمن الاحتلال والحماية” لتملّك معطيات لفهم الحِقبة. مرحلة في الإعداد، تليها حسب السليماني، مرحلة ضرورة نسيان ما قُرئ.

وتعليقا على سؤال موقع المرأة المهيمن على رواياتها، ربطت الكاتبة الأمر بهيمنة النساء على سردها، طفلة، وافتتانها بمعرفة السر القابع وراءهنّ، ومآل قصصهن التي تبرز في حكايات ثم تغيب دون إتمام الحديث عنها، في وقت فهمت فيه الرجل وعمرها لا يتجاوز تسع سنوات من خلال أفلام الغرب الجامح خاصة “الويسترن”.

وفي عودة لموضوع الهوية عبرت ليلى السليماني عما يختلجها من أسئلة حول ماهيتها، لتعلق بقول: قبل أن أكون مغربية، مسلمة، فرنسية… أحسست بأني امرأة. وزادت متسائلة عن معنى أن يكون للإنسان جسد امرأة، وانعكاسات هذا على مختلف مستويات الحياة، لتبرر بهذا الوعي اختيارات شخصيات رئيسية نسائية، مقابل اختيار كتاب آخرين شخصيات رئيسية رجالية، لتبدأ بعد ذلك في اشتغالها على الشخصيات من جسد كل واحدة: شكلا، وطولا، وشَعرا… أي انطلاقا مما نراه.

وواصلت الروائية مفسرة منهجها في نحت الشخصيات الروائية: نحن أولا جسد، نرى، نُجرَح، نستمتع. ومن هنا تطرقَت لأهمية الشَّعر ونوعه عند الكتابة، فحتى الشعرُ سياسي، يعبر عن هوية وجماليات يتبناها، قد تكون مضادة للجماليات الغربية مثلا، بحركات تصدح بأن “الأسود جميل”(Black is beautiful)، على سبيل المثال لا الحصر.

وأعادت ليلى السليماني اهتمامها بإسقاط النَّصين القانونيّين المجرّمين للعلاقات الرضائية خارج إطار الزواج في الفضاءات الخاصة، إلى فترة عملها صحافية بمجلة “جون أفريك”، واهتمامها بالمواضيع الاجتماعية في تونس والجزائر والمغرب، وما سمعته من الشباب حول مشكل الحميمية وعدم الحق فيها الذي يضاف إلى مشاكل مثل البطالة.

وبعد استماعٍ منظم لشهادات مغربيات ومغاربة وصفت السليماني هذا الموضوع “بالقارة المظلمة المنسية”، وتابعت: “جاءت حركة “خارجة عن القانون” لوضع الناس أمام هذا النفاق، وهذا العبث، بقول إننا كلنا خارجات وخارجون عن القانون، بسبب تجريم القانون العلاقات الرضائية خارج إطار الزواج.”

وحول النقاش اللُّغوي بالمغرب، ترى السليماني أنه “يجب ألا يبقى نقاشا إيديولوجيا”، بل ينبغي “أن نرى الأمر براغماتيا، فلنا حظ أننا مزدوجو اللغة، ونفهم اللغات (…) وما للمغرب غير الفوز في الاستمرار في الاستثمار في التعدد اللغوي.”

وانتقلت السليماني للحديث عن المشهد اللغوي بفرنسا، منتقدة تصور التأثير الحالي للإنجليزية بوصفه “غزوا” يستوجب “مقاومته”، واسترسلت متحدثة عن الإنجليزية وتصور الناس لها “لغة ديمقراطية، ليست مثل غطرسة الفرنسية، التي تُتَصَّور لغة ينبغي أن تكون نخبوية، مُتقنَة”، وبشّرت في هذا الإطار بالإمكانيات المذهلة “لفرنكفونيةٍ متعددة اللغات، تُغْنيها، وتدخل معها في حوار”.

وعن زياراتها لدول العالم العربي، سجلت السليماني أنها تلقت دعوات من لبنان ومصر وتونس، ثم تحدثت عن مقاطعتها للحديث في دول الخليج، ولو تلقت دعوات للتدخل في حلقات مغلقة؛ “لأني لا أريد أن أعدل خطابي حسب الجمهور، ولا أريد أن أسهم في تعبيرات منافقة”.

وعن الإيمان بالتقدم وتطور الأوضاع، وصفت السليماني التفاؤل بكونه “واجبا أخلاقيا وسياسيا”، وأبرزت ما في الكتابة من سعي لا لتقديم حقيقة واحدة، بل لتقديم ما عاشته الشخصيات: واقع واحد بوجهات نظر مختلفة؛ لدفع القارئ لتقبّل وجهات نظر الشخصيات، إنصافا لرؤى العالَم.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

8
  • تسائلات
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 06:42

    هل لاحظتم اغلب الجمهور هم اناث باستثناء البعض يظهر على محياه انه فرنسي اجنبي او من الجالية وثلاث او اربع ذكور من الواضح انهم اما اساتذة في الجامعة للفرنسية او انهم اعلاميون ؟
    هل تعبر هذه الفرنسية عن راي اغلبية المغاربة بخصوص العلاقات الرضائية وعدم تجريم الزنا وبخصوص التعدد اللغوي بالمغرب ؟
    خاصهم الجمعيات النسائية يبداو شويا يكريو رجال عاد يديرو مثل هذه الندوات، او على الاقل يستاعنوا بحلفائهم الحركة الامازيغية.

  • عبد القادر الفاسي الفهري
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 07:31

    من معالم البراغماتية وجوب التخلي عن اللغة الفرنسية التي تأتي متدنية في ترتيب اللغات العالمية الأكثر استعمالا..حتى إن العربية تأتي في مراتب متقدمة بالمقارنة معها…
    ومن معالم البراغماتية استخدام العربية ذات القدرات التعبيرية الهائلة أكبر ذخيرة معجمية وأسلوبية ..ومن معالم البراغماتية اتخاذ اللغة الإنجليزية لغة ثانية للأسباب التي يعرفها الصغار قبل الكبار…ليس على المغرب أن يجرب الفشل ليعرف معنى الفشل بالتعويل على لغة (الفرنسية) سائر في طريق الانقراض بشهادة أهلها المشتغلين داخل : الأكاديمية الفرنسية..فشل الدول التي عولت على اللغات الأجنبية لتحقيق التنمية والحداثة كاف لتعلم الدرس…وهل بقى من الوقت شيء لمزيد من تجريب الفشل؟!!مسألة اللغة أضحت مرتبطة أكثر بالهزيمة النفسية واتباع الآخر والتبعية له والخضوع لثقافته.من أراد التطور والتقدم فعليه استخدام لغته الأم في التدريس وتعلم العلوم والبرمجيات والإعلام والاقتصاد وداخل البرلمان وفي الشارع. لقد تزامنت هجمة المركزية الغربية تزامنا مع الإمبريالية السياسية وتقسيم الأمة وتشجيع الدوارج وتوطين اللغات الأجنبية..ستشرق الشمس غدا وسيتبع العميان الأعور

  • سليم
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 08:16

    تقول الاديبة انها فهمت الرجل على سن 9….و هدا شيء مدهش …وعبر التاريخ…نجد بعض الفتيات جسدها هده الفكرة و صنعوا….امجاد بنورهم …و احبهم الرجل الدي عامة يعاني من عدم فهم المرأة له وقدرتها على مساعدته ..ولهدا الكثير لازلنا يتقربن من امهاتهم… ربما لانهم يضنونهم اكثر حيطة وحدر !… في هدا السن تبدء شمس الحب و الحياة و كل شيء… عندما تفهم المرأة ان وجودها مرتبط ب هدا الفارس المغوار والعكس صحيح… وان تطوره مرهون بمرافقتها له و مغامرتها معه في رحلتهما…رحلة بناء المستقبل… إلا أن الحقيقة المرة هو أنه بدون حرية و تربية سليمة على المعرفة و الآداب والعلوم و التكنلوجيا و الفن والرياضة والحفاض على البيءة و التفتح و العمل الجدي المنتج للثروة و التسامح لخلق الكرامة يستعصي المضي قدما في هدا المسار…ونبقى تاءهين في عالم كثر فيه الحسد و الاعداء و حب المال و العنف والخداع والمكر و اللصوصية وتدفق هاءل للمعلومات …وان مفعول التغييرات الوراثية والثلوت اصبح كارثة علينا… ولأننا لم نعد شجعان بما يكفي للقضاء على السلبية والتسيب الدي أصبح ينتاب بعض تصرفاتنا السكيزوفرينية.

  • Moroccan
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 09:05

    Solidarität
    We are not french
    We are not arabic
    We are not chines
    We are amazigh people
    And we have one of the oldest Langues.

    Northafrica is not france
    No arabic And not Aborigines.

    North africa is the Land of amazigh

  • مغربي غير فرنكفوني
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 09:12

    تعليق رقم 2 للدكتور الفاسي الفهري في الشأن اللغوي هو عين الصواب، اسألوا أهل الاختصاص في الشأن اللغوي، أما الروائية الفرنكفونية فمن الطبيعي أن تهرطق هذه الهرطقات حين تدعي أن البرغماتية تفرض علينا “إقصاء” لغتنا الأم… أما ما يسمى العلاقات الرضائية خارج إطار الزواج فاسمه الحقيقي عندنا في المغرب هو “الزنا” والعامة تسميه “الفساد” … ثقافة الصالونات لن تغير أخلاق المغاربة ومعتقداتهم

  • أسامة
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 13:29

    الغزو الثقافي الانجليزي يجب مقاومته و لكنالغزو الفرنسي هو كنز و علينا الحفاظ عليه فهم تسطى

  • Ouatta Baha
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 14:31

    الىى التعليق رقم 2 الفالسي الفهري, دعنا من لغة العواطف ودعنا من الاديولوية اذا كانت اللغة الفرنسية في اسفل القائمة فماذا سنقول عن العربية التي لم تصنع حتى ابرة الخياطة. اللغة العربية في الرفوف تحتضر منذ زمان حتى اهلها اهملوها واصبحت في خبر كان. الوحيد الذي يسعملها هي الافراد والجماعات الإرهابية في دغدغة عواطف العوام من اجل الزج بهم في دوائر القتل والدمار. ولغة الام للمغاربة هي الامازيغية والدارجة. ولغة العلم والمستقبل هي الانجليزية. انتم وجدكم علال من يتلاعب بالمغاربة منذ الاستقلال ترسلون ابناءكم للغرب وتفرضون لغة ابي لهب على ابناء مازيغ. استفاق الامازيغ من سباتهم يا خونة لن تخدعوننا بعد اليوم.

  • oh non n'inquiète plus
    الإثنين 28 فبراير 2022 - 14:38

    عندما تتحدث شهرزاد ينصت العالم

    من زاوية فلسفية.

    نعيمة عبد الجواد

صوت وصورة
مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 22:27

مغاربة العالم ورهان التنمية الوطنية

صوت وصورة
الابتكار لتعزيز صمود الواحات
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:41

الابتكار لتعزيز صمود الواحات

صوت وصورة
ملعب هسبريس | هشام الدكيك
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 21:00 1

ملعب هسبريس | هشام الدكيك

صوت وصورة
خطر الدفتيريا وحل التلقيح
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 20:00

خطر الدفتيريا وحل التلقيح

صوت وصورة
ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 19:05 2

ابريجة رئيسا لمجموعة جماعات البيضاء

صوت وصورة
اللغات المغربية في الأدب والإعلام
الخميس 29 أكتوبر 2026 - 17:30 7

اللغات المغربية في الأدب والإعلام