مراكش بطلة فيلم "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم" لألفريد هتشكوك

مراكش بطلة فيلم "الرجل الذي عرف أكثر من اللازم" لألفريد هتشكوك
صورة: أرشيف
الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 05:30

قد يكون المكان قصيدة في شعر، أو حدثا في قصة، أو شخصية في فيلم، أو نغمة في أغنية. اختلاف وتعدد في الصفات والتسميات وتقارب في الدلالات والتأويلات. المكان في كل الأجناس الفنية والإبداعية قد يتخذ ذلك البعد الفانطاستيكي المتخيل والملهم كملمح بنيوي بارز يشد انتباه القارئ أو المُشاهد أو المستمع، قد يؤلمه أو يمتعه، قد يطربه أو يحزنه…

المكان، إذن، هو نواة الإبداع ومحوره، هيكله وصلبه، بدونه قد تنهار أسسه وقواعده، ويفقد العمل رونقه وجماله. قد يكون المكان ـ كما قلناـ قاعدة لكل عمل فني أو إبداعي؛ لكنه يكتسب قيمة إضافية مختلفة إذا ما استعمل في السينما، ليصبح الفيلم بفضله أكثر فتنة وإغواء. أما إذا استغل من منطلق آخر بعيد عن الأجواء تخيلية، مُنطلق واقعي إنساني صرف يشي بعاطفة ما مختبئة بين زواياه فيكون أكثر استفزازا وتمردا..

المكان كشخصية فيلمية يهرب بك إلى عوالم إبداعية متناقضة حالمة ساحرة، يلتقي فيها الواقع باللاواقع. والمخرج الذكي المفتون بهذا المكان أو ذاك يعرف كيف يقتنصه ويوظفه في أعماله مستندا إلى عواطفه الشخصية، ورؤيته الفنية، وفلسفته السينمائية… غواية يمارسها المكان بكل تجلياته في الخفاء، فيدفع المتلقي إلى الرضوخ والاستسلام، ومحاولة الفهم وتفكيك الرموز عله يقف عند سر هذه العلاقة السرمدية، علاقة المكان بالمخرج وبالتالي بالسينما.

من الفضاءات المكانية التي شكلت صلب السينما وصقلتها المدينة بطبيعتها وتفاصيلها، تلك التي وشمت ملامح علاقة ثنائية متجانسة، قوية بزخمها الإبداعي والفني والثقافي… تجانس خُلق من رحم البيئة المشكلة لهذا الثنائي التاريخي؛ فالمدينة هي الحاضنة الطبيعية للسينما، فمنها انطلقت وانتشرت، وفيها ولدت وتطورت، وبها تقوّت واستمرت. وقد ارتبط الكثير من المخرجين وجدانيا بمدينة معينة، فأثَّثوا بمعالمها أعمالهم، وشكلوا من فضاءاتها مشاهدهم، ورسموا بشخصياتها أبطالهم. ونذكر، على سبيل المثال، مارتن سكورسيزي وودي آلان وعلاقتهما بمدينة نيويورك.

ليس من الضروري أن يرتبط المخرج بمدينته الأصل؛ فهناك مدن أخرى ألهمت صناع السينما العالمية على الرغم من بعدهم عنها، مدن عكست انبهارهم بها، وانفتاحهم على مكوناتها، وتشبعهم بثقافة قد تكون إلى حد ما قريبة منهم، كمدن مثل روما وباريس ولندن… وفي المقابل، هناك مدن أخرى شكلت استثناء بتركيبتها الاجتماعية المغايرة وطبيعتها الثقافية المختلفة، وعلى الرغم من ذلك وجدت نفسها حاضرة بقوة في العديد من الأعمال السينمائية العالمية، حضور فرضه اختلافها وتميزها. ومن هذه المدن مدينة مراكش، تلك المدينة التي راهن عليها العديد من المخرجين السينمائيين في أعمالهم، سواء كمحطة تصويرية عابرة يراد منها زمنا معينا/حقبة تاريخية ما أو مكانا مغايرا/مدينة أخرى ليس بالضرورة أن تكون مراكش نفسها أو كلاعب أساسي يؤدي دورا محوريا مؤثرا في صيرورة الأحداث ومجرياتها.

وهنا، تنتقل مراكش من مجرد ديكور عابر أو كومبارس إلى شخصية رئيسية حاضرة باسمها وتاريخها وشِعابها المعمارية المتداخلة مع مكوناتها البشرية والثقافية. ونذكر، هنا، أفلاما مثل “رجلنا في مراكش” Our Man in Marrakesh 1966 و”مراكش إكسبريس” Marrakech Express 1989 و”الخروج من مراكش” Exit Marrakech 2013 و”باريس بأي ثمن” Paris à tout prix 2013 و”الرجل الذي عرف أكثر من اللازم ” The man who knew too much 1956 وغيرها.

بالرجوع إلى فيلم ”الرجل الذي عرف أكثر من اللازم” ( The man who knew too much ) للمخرج الكبير ألفريد هتشكوك، والذي أدى بطولته الثنائي دوريس داي وجيمس ستيوارت، نجده نموذجا مثاليا لما ذكرناه في البداية من تباين حضور المكان في عمل ما انطلاقا من قيمته المعنوية والفنية والإنسانية المرتبطة بمخرجه. ففي هذا العمل بالضبط، نجد مراكش حاضرة بقوة كفضاء رئيسي مفتوح مقارنة بلندن، المدينة التي ولد فيها المخرج ونشأ بها، حيث اتخذ من المدينة الحمراء طيلة تلاحق الأحداث – في شقها الأول – أداة رئيسية في فهم إستراتيجية الفيلم وتفكيك رموزه بما يتناسب ودلالة أحداثه المجزأة إلى جزأين رئيسيين مراكش/فضاء العقدة والانطلاق، ولندن/فضاء الحل والنهاية.

وهكذا، جعلنا هيتشكوك نرى بعينيه ما رآه هو وأدهشه في هذه المدينة، فوظف رؤيته الإبداعية في توثيق معالم مراكش بشكل تفصيلي، حيث خلق الحدث وسط المدينة بزحامها وضوضائها، فاختلط أسلوب المخرج التشويقي بمفاتن المدينة العريقة وغرائبيتها المميزة عن المجتمع الغربي، ليشكل في الأخير لوحة فسيفسائية خدمت الفيلم وأخرجته من ”الملل المكاني”؛ بل حتى الزمن فيها ظهر مخالفا ومتسارعا، مقارنة مع الجزء الثاني من الفيلم الذي صور في لندن المعروفة ببرودتها ورتابة أجوائها.

معروف أن ألفريد هيتشكوك كان يعشق مراكش ويزورها. وقد توجت زياراته تلك بهذا الفيلم الذي نتحدث عنه، حيث كان يتردد ما بين الأماكن الأكثر فخامة فيها كفندق المامونية، والأماكن الأكثر شعبية كمقهى زروال بحي المواسين، مرورا بمطاعمها وأحيائها ودروبها. وهذا ما لمسناه في فيلمه، حيث زاوج بين هذه الأماكن بطريقة ذكية ووظفها بأسلوب إبداعي درامي متمكن بعيد عن الترويج السياحي المجاني، فطاف بنا بين أزقتها ونواحيها.

من داخل الحافلة القادمة إلى مراكش كانت الكاميرا شاهدة على الجبال والمناظر الخلابة المحيطة بها، ومن محطة الحافلات الشعبية إلى الفندق كانت المدة كافية لاستكشاف الطابع السكاني والمعماري للمدينة. فعلى الرغم من أنها مشاهد تدخل في السياق الدرامي للفيلم، فإنها تعتبر من الصور التوثيقية النادرة التي عكست تلك الفترة التاريخية؛ وهي فترة الخمسينيات.

ومباشرة بعد هذه الجولة، وجدنا أنفسنا داخل غرفة من غرف فندق المامونية الفخم؛ وهو الفندق الذي أقام فيه العديد من النجوم والشخصيات العالمية المعروفة، من فنانين وسياسيين ورياضيين… لتنقلنا الأحداث معها إلى مطعم من المطاعم الفخمة بالمدينة وهو مطعم دار السلام، وفيه بدأت تنسج خيوط الحبكة الدرامية وتتشابك، فكان الموقف كوميديا أكثر منه دراميا في كيفية تعامل البطل جيمس ستيوارت مع الأكلة المغربية الموضوعة أمامه.

ومن المطعم كمشهد داخلي، حملتنا كاميرا هتشكوك مباشرة إلى مشهد خارجي مفتوح على ساحة جامع الفناء (من أشهر الساحات العالمية)، وهناك توقفت لفترة ليست بالقليلة متجولة بين حلقاتها الفرجوية وخيم حرفييها، في إطار بانورامي لم تفسد متعته سوى جريمة الاغتيال التي حصلت بقلب الساحة وأمام الملأ، ليبدأ معها أسلوب المغامرة والتشويق المتعارف عليه في أفلام هتشكوك.

مدينة مراكش في هذا الفيلم كانت متواطئة مع الكاميرا حد التناغم، حيث رصدت ملامح أخرى في رؤية المخرج وأضفت عليها سمة انبهارية يمكن القول إنها مختلفة عن الأماكن والمدن المتداولة في باقي أعماله. سمة نقلت إلينا بصدق شعور المخرج وأحاسيسه اتجاه هذه المدينة العريقة، التي فتن بها كبار المشاهير وشكلت لبعضهم منبعا إبداعيا وفنيا لا ينضب. وبالمقارنة مع الجزء الثاني من الفيلم الذي اكتملت خيوط أحداثه في لندن، نجد أن المخرج فضّل المشاهد الداخلية على حساب الخارجية، حيث اكتفت الكاميرا بالتنقل بين الفندق والسفارة والمسرح والكنيسة. أما المشاهد الخارجية، فلم تتعد بعض الأزقة الهامشية.

تبقى مدينة مراكش من الأماكن المفضلة لدى المخرجين الأجانب والمحليين على حد سواء، كونها تشكل فضاء طبيعيا للتصوير صالحا لأي زمان ومكان؛ فطبيعتها المختلفة، ومعمارها المتميز، وثقافتها المختلطة، وموقعها الجغرافي، وحضارتها الضاربة في عمق التاريخ، كلها عناصر تجعلها كما أسلفنا تقتحم بسلاسة مخيلة المُشاهد. هذا دون أن ننسى مظاهرها الحداثية التي تبلور من جهة أخرى واقعه وتجعلها أكثر قربا منه، هو تلاقح وتناقض إيجابي يخدم الصورة بكل أجناسها ويجعلها أيقونة تشد إليها المتلقي شدا.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • مول اللفت
    الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 06:44

    المشكل هو أننا لا زلنا نعيش العصر الحجري والصورة أعلاه تعبر عن ذلك كل البشر على وجه الارض تقدم خطوات للأمام إلا الاعراب لا زالوا يعيشون على الاوهام والبول جالسا
    المغاربة اكثرهم لا يهتم بمظهره او نقاوته ونقاوة حبه لهذا جميع الحكومات التي مرت ولا زالت تعتبرنا قطيعا وفعلا نحن لا زلنا قطيعا في أيدي شرذمة أتت على الاخضر واليابس
    المغرب تتحكم فيه فئة معينة ولا أسميها عصابة فالعصابة جميع افرادها سواسية لم ولن اجد إسما او مصطلحا يطلق على من يتحكم في مصيرنا

  • يوسف
    الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 06:59

    فيلم اكثر من رائع شاهدته مرات عديدة استكشف فيه مراكش في زمن معين كان المغرب خرج للتو من الاستعمار وتجسيد أكثر من رائع لجيمس ستيوارت ودوريس داي… انه الفريد هيتشكوك ببساطة.

  • amgoun
    الجمعة 29 أكتوبر 2021 - 12:20

    Un chef d’oeuvre grandiose d’Alfred Hitchcock, avec James Stewart et Doris Day . où cette dernière a chanté sa célèbre chanson… que sera sera, what ever will be Will be…

  • بلي محمد من المملكة المغربية
    السبت 30 أكتوبر 2021 - 12:04

    فقط سطور لاعن ضعف الحديث عن السينما لاصل طويل وعن صورها المتميزة القديمة التي نالت الشرف وبقيت راسخة في لادهان أطول نعم السينما لها واسع النظر في اختيار المكان المناسب الصالح لتصوير فامراكش من جملة مدن المملكة التي تتميز عن باقي مدن العالم بآثارها التاريخية الخالدة وبنشاط اهلها وبورودها وأزهارها وأشجارها ونخيلها كدالك فأصبحت قبلة فنية يلجأ أليها كبار المخرجين والممثلين قصد التصوير ولاأنسى مدينة طنجة فلها حضور في واحدة من صور جيمس بوند أما صاحب الصور السينمائية المعطرة بلغة الخوف لايخفى علينا فله مكانته وخياله الفني الخاص به .

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02

بنكيران: البيجيدي في المعارضة