مسرح "المحكُور" .. يحرر الشارع العام ويسلم الميكروفون للشعب

مسرح "المحكُور" .. يحرر الشارع العام ويسلم الميكروفون للشعب
الإثنين 26 ماي 2014 - 23:00

جعل من المتفرجين أبطالا، الجمهور هو من يكتب النصوص ويتقمص الشخصيات، يتحكم في الفكرة في الحبكة وفي الحوار.

“المحكور” تجربة رائدة للمسرح الحديث ظهرت بعد أفول حركة 20 فبراير، نزلوا من الخشبة التقليدية وانطلقوا لتحرير الفضاء العام. حملوا الميكروفونات وسلموها إلى عمق الشارع المغربي ليجسدوا واقع القمع و”الحكرة” التي يعيشها المواطن. بعيدا عن المقاعد الحمراء، وفخامة المسارح، أسدلوا الستار عن معاناة القهر المغربي مباشرة على الهواء الطلق.

خلافا للمسرح الكلاسيكي الذي عزل المتلقي عن دائرة الفعل، وعن فرصة التأثير المباشر على الموضوع، عمل مسرح ” المحكور” على تأسيس علاقة شراكة جديدة بين الفن والمواطن، بين القاعدة المسرحية والشعبية، بين الملقي والمتلقي. مسرح “المحكور” لم يكتف بتمثيل الواقع بل سعى إلى تغييره، وانتقل الجمهور من التصفيق إلى التدخل ومن التفرج إلى الكلام.

مسرح يشرع القوانين

“أن تكون مواطناً يعني أن تغيِّر المجتمع، أن تكون مواطناً يعني أن تجعل المجتمع بصورة أفضل، وإن مسرح المقهورين بإمكانه أن يساعد على ذلك” هكذا كان المبدأعند البرازيلي أوغوستو بوال مؤسس مدرسة مسرح المقهورينكأحد أنواع المسرح الحديث في ستينيات القرن الماضي. أوغوستو كان همه الأول الدفع نحو الحل الاجتماعي وليس التماهي معه كما جرت العادة في المسرح الكلاسيكي.

مسرح المقهورين نقل المتفرج من الهامش إلى المركز وجعله وسط النقاش من خلال صيغة الحل المسرحي أو “مسرح المنتدى”.

يقول أرسطو” يسلم المتفرج نفسه إلى الشخصية الدرامية بحيث تقوم هذه الشخصية بأداء الفعل والفكر بالنيابة عنه” ويقول بريخت ” المتفرج يسلم نفسه للشخصية الدرامية لتقوم بأداء الفعل بالنيابة عنه ولكن المتفرج يحتفظ لنفسه بحق التفكير وغالبا ما يكون هذا التفكير متعارضا مع فكر الشخصية الدرامية ” .

أما أوغوستو بوال فيعارض الاثنين ويخالفهما جذريا ويقول”نحن المسرح، لأننا جميعا ممثلون، المسرح ليس بحاجة إلى جمهور ومنصة بل إلى مؤد ليكون قائما وموجودا”.

كان متأثرا بالأفكار الثورية ومستلهما من الإنجاز الفكري لباولوفرايري حول تعليم المقهورين ليخرج إلى العالم من عمق أمريكا اللاتينية بمسرح ثوري تحول بعدها إلى أقوى قوة اقتراحية بالهند كتجربة رائدة حيث تحولت لحركة لها الالاف من المتعاطفين وأصبح قوة تفاوضية في الانتخابات واقتراحية تخرج بمذكرات تقدم للدولة وتؤخذ بعين الاعتبار كصوتأساسي للشعب ولغة الفقراء والمقهورين.

على أنقاض ” 20 فبراير”

” تنص الفكرة أساسا على تشخيص الناس لتمثيلهم في وضعية قمع، وكيف يمكنهم التدرب على تغيير الواقع بأن تجعلهم في وضعية شبيهة بتلك التي عاشوها، ليتدربوا عليها نفسيا من أجل مقاومتها والبحث عن حلول سليمة لتغييرها”. يقول حسني مخلص مؤسس مسرح ” المحكور” في المغرب. هكذا ابتدأت الفكرة من صحفي وشاعر في الثلاثينات من عمره، درس المسرح بإسبانيا ليحمل بذور الفكرة ويزرعها في أرواح شباب أغلبهم من 20 فبراير يحلمون بالتغيير.

قلص حسني مخلص من المسافات واخترق الفضاء العام بكل فنية ليلقي أولى عروضه بمدينة الدار البيضاء في مارس 2012 وينتقل في الاشتغال، برفقة فرقة المتكونة من 10 شباب بينهم 4 إناث، على المشاكل الاجتماعية والقضائية كالإفلات من العقاب في الجرائم المالية، والرشوة، ووضعية النساء المقهورات، والبيدوفيليا…

يستذكر حسني مخلص أولى العروض ” بدأنا بأول مسرحية اسمها (تلاح) ناقشنا فيها موضوع الديمقراطية وحقوق الإنسان وكانت تجريبية وبعيدة عن روح مسرح المقهورين الذي يتعامل مع وضعيات واقعية ملموسة بعيدة عن التنظير” كانت خطوة أولى جعلت الفرقة تدخل في تعاون مع جمعية ترانسبرانسي المغرب والقيام بقافلة بخمس مدن مغربية اسفي، الجديدة، سيدي بنور، ازمور وبنكرير. “

موضوع القافلة كان يتعلق بموضوع الرشوة في الإدارات العمومية، والقهر الذي يفرض على المواطن لكي يعطي الرشوة ويقضي مصالحه، كان الٌإقبال والتفاعل من طرف الجمهور كبيرا في مناطق لا تصلها الثقافة ولا المسرح، وعكس ما يقال اكتشفنا أن الشعب المغربي يتذوق المسرح الجيد ويحترمه” يقول حسني مخلص الذي يعتبر أن القافلة كانت محطة مهمة للفرقة من أجل تقوية أدائها وامتحانا حقيقيا.

“داها وداها” هو المشروع الذي تشتغل عليه فرقة حسني مخلص حاليا، يركز على وضعية النساء المقهورات داخل البيت أو خارجه ” نعرف أن كلمة (داها وداها) تستعمل في الأعراس لكن معناها قدحي بمعنى الامتلاك والحكرة، اشتغلنا مع جمعية دولية ولأول مرة نقوم بعرض لفئة معينة يمارس عليها قهر معين واشتغلنا مع نساء حي سيدي مومن بالبيضاء عبر جلسات إنصات استمرت لثلاث أسابيع حكين فيه عن القهر اليومي الذي يتعرضن له، ارتكزنا عليه لكتابة النص المسرحي وفي الحقيقة (هوما اللي كتبوه ماشي حنا)” يقول مخلص.

الفرقة لم تكتف بعرض المسرحية فقط وإشراك النساء في المناقشة وتغيير الوضعيات ومخاطبتهن نفسيا بل تعمل على تكوينهن كي يتعلمن إنتاج مسرحيات للحديث عن حياتهن وتمثيلها بشكل مستقل دون الحاجة للعودة إلينا، وسيتوج المشروع بعرضهن للمسرحية التي سنكون فيها ضيوفا فقط خارج العرض”.

مسرح “المحكور” الذي تأسس أيضا بالرباط وفاس هو شكل نضالي ضد القهر الثقافي والاجتماعي والسياسي يهدف إلى تحرير الفضاء العام وتقريب المسرح من معاناة المواطنين الملموسة وتقوية حسه النقدي ووعيه الجماعي.

“الحلقة”…التجربة المغربية

يتأقلم مسرح المقهورين بالخصوصيات المحلية لكل دولة، ويحاول الاندماج مع كل ما هو وطني أو محلي. وإن كانت الهند التجربة الرائدةتركز على الرقص والغناء الهندي اللذان وصلت عبرهما للعالمية فإن المغرب اختار من كل التقنيات شكل “الحلقة” للاقتراب من هويته الوطنية وتعايشه مع الفن الشعبي التقليدي.

ويمثل ” الحلايقي” فيها شخصية رئيسية يقوم بدور الكوميدي أي جمع الناس إلى فضاء العرض، شد انتباههم، التفاعل معهم ومحاولة جعلهم أكثر اهتماما بموضوع العرض. يدخل وسط المسرحية أحيانا من أجل التذكير والربط والوصل بين الفقرات” يقول محمد التسولي أحد أعضاء الفرقة.

“الحلايقي” ينتقل بعد نهاية العرض المسرحي والدخول إلى مرحلة النقاش والتفاعل مع المتفرجين للعب دور ” الجوكر” حيث يبدأ في طرح الأسئلة، ويعيد صياغتها، ويحاول دمج المتفرجين وتكسير حاجز الخجل والدهشة لدمجهم في مرحلة قلب الأدوار وتشخيص الوضعيات المقهورة من أجل إيجاد الحلول التشاركية حتى يتم التوصل لاتفاق نهائي وقد تطول المدة لأكثر من ساعتين ونصف أحيانا.

يوضح التسولي ” بدعوة المتفرج وإشراكه في اقتراح الحلول فنحن لا نطمح في أن يرينا قدراته ومواهبه المسرحية، بل ليعطينا حلولا واقتراحات من منظوره نقول دائما(بغينا نشوفو الشعب اش باغي) نحن نحاول أن نجعله يعبر فنقلب الأدوار، صحيح أننا في الفرقة لنا قناعات ومبادئ لكن لا نملك الحقيقة، الحقيقة نملكها جميعا معا”.

الجوكر لا ينه العرض المسرحي إلا بتسليم الميكروفون إلى الجمهور ولا يمل من تكرار أسئلته المعهودة ” اشنوبانليكم، واش هادشي عادي ولا ماعاديش ،كيوقع ولا مكيوقعش، واش نتوما متافقين أو ممتافقينش.. واشنو هو الحل في نظركم؟”

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

10
  • مول جافيل مسيلمــــــــــة
    الإثنين 26 ماي 2014 - 23:24

    هللنا لفوز ماسمي قيد حياته العدالة و..
    هللنا للدستور الممنوح بالدربوكة والشيخات
    هللنا للصلاحيات الموسعة
    اتهمنا من أراد الخير للمواطن وطالب بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية
    واتهمناهم بالالحاد والأجندة الخارجية…
    اتهمناهم بالتخريب وفي مظاهراتهم يكونون سلسلة بشرية لحماية المنشآت العامة من أبناك ومحطات بنزين….
    قدرنا الظرفية الاقتصادية ومانهب ودمر في 58سنة لايمكن اصلاحه بين عشية وضحاها
    أقررنا بوجود تماسيح وحيتان كبيرة لايروقها أن تنجح أي مبادرة للاصلاح
    انتظرنا تنزيل الدستور.وانتظرنا أن تكون المسؤولية مقرونة بالمحاسبة واستردادالأموال المنهوبة.والقطع مع الفساد والمفسد
    حلمنا بوطن يتسع للجميع يسود فيه القانون والمحاسبة ودون اقصاء أحد
    حلمنا أن نتكافل اجتماعيا ونتآزر لرفع تحديات كبرى وما أكثرها
    هل قدرنا أن نحلم فقط ونتفرج على مصير وطن وأجيال؟
    هل سيظل وطننا مسرح للفرص الضائعة؟
    هل من يريد الخير للجميع وينتقذ انتقاذاموضوعيا اما تمساح أو شباطي أو….؟
    لكم الله يا فقراء وحقكم في الجنة.فبن عفا الله "سيقاطع" دانون!!!
    ويعرف الله بسبحته وسيدخلنا الجنة
    رغم اختلافي مع الجامعي فقد وجد المخزن كلينكس

  • عباس
    الإثنين 26 ماي 2014 - 23:27

    المغرب مسرح بعينه الكل يهرج و ينافق الكل يمثل على الاخر الكل يتقمص مئة شخصية في اليوم بشخصيات سوريالية لم يتقنها حتى شيكشبير فلا داع الى مسرح خيالي بوجود اكبر مسرح في الكون

  • دكتور في المسرح
    الإثنين 26 ماي 2014 - 23:29

    اين المسرح بالمغرب لقد اصبحنا نعاني من قلة المسرحيات الهادفة حيث لم تبقى الاعمال الفنية خصوصا بعد تدعو ابن كيران في تخفيض الدعم للمسرح وكذالك انشغال الناس بالزيادات التي قهرنا ابن كيران بها واصبح المغرب في ازمة خطيرة. نعيشها اليوم. وهذا ماجعل المسرح يتخبط

  • amateur
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 00:04

    ما يطلق عليه اليوم مسرح "المحGور" ليست فكرة جديدة بل هي قديمة مستوحاة من "الحلقة" المغربية كان يمثل فيها اناس لم يسبق لهم ان تلقوا اي دراسة في اي معهد لا داخل الوطن اوخارجه.كانوا يجوبون المدن والمداشر المغربية طولا وعرضا ورغم قلة الحيلة وضيق ذات اليد كانوا يصرون على المواصلة.ولم يسبق لاي منهم ان تساءل او سال واش عجبكم ه الشئ؟واش هاد الشي كاين ولا ما كاينش؟
    الناس كلها عارفا الرشوة ولا يوجد احد مل تكواش بها ولكن والرشوة باقا وغير ما زادت وكثراتو كبرات..

  • yassine
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 00:06

    جزاكم الله بالخير
    اشجع هذه الفرقة لإحيائها لفن الحلقة التي تعالج المواضيع بمشاركة الجميع أو على الأقل تروح على الناس

  • أدمين الشبكـــــــــــــة
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 03:04

    هذه الأدوات لا تزرع الوعي بقدر ما تكرس التخلف وتزرع الإحباط واليؤوس في النفوس، ومجرد اسمهم (الحقرة) يحيلك على ثقافة الأعراب المتخلفة التي تقصي العمل والإنتاج وتستند الى مظلوميات وهمية وغبية لتبرير فشل عقلها وتوقفه عن التفكير والإبداع لتحسن من ظروف العيش ويجدون ذواتهم في نشر الإحباط والفشل الشخصي وتقاسم تعاستهم وبؤسهم مع اكبر عدد من الناس.

    ماذا لو كان هؤلاء الأشخاص أذكياء وابتكروا أفكار مذرة للثروة واصبحوا ميسورين ومنشغلين في تدبير مقاولاتهم، هل ستجدونهم يلعبون أدوار المهرجين في الشارع العام ؟

    أكيد أن هذا الغبي الذي يقضي أيامه ولياليه في البحث عن كلمات النصوص التي سيسردها في (الحلقة) التي يقيمها لو كان عقله سليم لما إبداع فكرة لتحسين حالته الاجتماعية ولن يكون لديه الوقت الكافي لممارسة البهرجة في الشارع. لكن عقولهم فارغة وا فكارهم تافهة يضنون أن ما يقومون به سيرفع من إنتاجنا السنوي الخام وسيملأ القفة للفقراء…
    وهذا كل ما توصلت إليه عقولهم البدائية البسيطة فقط نشر الإحباط وتكريس الثقافة العدمية المتخلفة، ونبد العمل والجهد والإنتاج وغياب الرجولة والشهامة والسواعد لتحسين وضعهم الخاص.

  • بدون تعليق
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 06:53

    يكفي ان نسمع و نشاهد و لا ندافع

  • etudient
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 10:23

    عندما نتحدت عن الاقتصاد في المغرب في تراجع الشي الدي جعل الحكومة تقوم بالزيادة في المحروقات و غيرها لم لا نتحدث عن مهرجان موازين و الاموال التي تصزف ام نحن شعب ااموسقى و الاغاني.
    مع العلم ان المهرجان يتم تنظيمه مع الفترة المزامنة للامتحانات

  • التربية على المواطنة
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 10:39

    في الحقيقة نحن نحتاج الى مسرح في كل حي يتربى فيه المواطنون الذين لم يسعفهم اللحظ لتلقي التربية على المواطنة في المدرسة . مابين اواسط الستنيات والسبعينيات كان المسرح ملازما للشباب في الحلقة وفي المدرسة وفي دار الشباب وفي قاعة السينما وفي قاعة السرح رغم قلتها . وكانت كل هذه المضاهر السلبية التي نشاهدها الان من عنف وانحراف وسلوك همجي وتشدد في الدين , تكاد منعدمة . اليوم اذا كنا غير راضين على حالنا فذلك مرده الى الفراغ اللتعليمي والثقافي والروحي(الحقييقي) الذي نشا فيه غالبية الاجيال المكونة لمجتمعنا اضافة الى التهميش الذى طال شريحة واسعة من موطنينا في قرانا ومدننا ماادى الى هذه الفوضى الهائلة اللتي اصبح من الصعب ضبطها عى جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والمدنية

  • salim
    الثلاثاء 27 ماي 2014 - 11:16

    مقال متعب وجميل القراءة …. من أروع المقالات التي قرأت…. قلم رائع تحية لصاحبة المقال

صوت وصورة
منتخب قصار القامة يستعد للمونديال
السبت 31 أكتوبر 2026 - 18:37

منتخب قصار القامة يستعد للمونديال

صوت وصورة
دار الشباب سوس العالمة
السبت 31 أكتوبر 2026 - 13:39

دار الشباب سوس العالمة

صوت وصورة
مشروع لتربية الأسماك بإفني
السبت 31 أكتوبر 2026 - 11:30 2

مشروع لتربية الأسماك بإفني

صوت وصورة
منازل تهدد المارة بالدار البيضاء
السبت 31 أكتوبر 2026 - 10:36 1

منازل تهدد المارة بالدار البيضاء

صوت وصورة
المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية
السبت 31 أكتوبر 2026 - 00:35

المهرجان الدولي للمعاهد المسرحية

صوت وصورة
شراكة مغربية إيطالية
الجمعة 30 أكتوبر 2026 - 23:54

شراكة مغربية إيطالية