من كبريات حواضر الصحراء المغربية، العيون والداخلة، تجدد صدى “المسيرة الخضراء” في ذكراها الثامنة والأربعين؛ في إطار فعاليات مسيرتيْن حاشدتيْن جابَتا أكبر شوارع المدينتيْن، في استلهام واضح لروح المسيرة.
ورفع المشاركون في المسيرتين الحاشدتين لافتات منددة بعمل الجبهة الانفصالية جاء في إحداها: “جبهة العجاج والتراب كافيك من الإرهاب”، مع شعارات تدعو إلى تصنيف جبهة البوليساريو كمنظمة إرهابية وتدين تفجيرات السمارة التي تهدد السلام والأمن الإقليميين؛ ما يعتبره المغرب خطا أحمر.
وفي العيون، خرجت جموع قُدرت بـ100 ألف مواطنة ومواطن في مظاهرات حاشدة انطلقت الأحد من “ساحة أم السعد”، وسط المدينة لتجوب أهم الشوارع الرئيسية للعيون (مرورا بساحة الدشيرة، ثم شارع مكة) وصولا إلى ساحة المشور، مؤكدة من جديد تلاحم كافة المنتخَبين بمختلف انتماءاتهم الحزبية وشيوخ وممثلي القبائل الصحراوية، فيما كان لافتا أيضا حمل الأعلام الوطنية وحضور الفعاليات المدنية والاقتصادية المحلية.

مدينة الداخلة لم تتخلف، بدورها، خلال اليوم نفسه، عشية احتفاء المغاربة بذكرى “المسيرة”، عن ركب “المسيرة” وروحها لتخرج ساكنتها وفعالياتها في تنظيم محكم ضمن مسيرة حشدت جموع المواطنين والمواطنين المغاربة تنديدا بالاعتداء الإرهابي الجبان الذي استهدف مدنيين أبرياء وعُزل بمدينة السمارة؛ العاصمة الروحية للصحراء المغربية. وخلال هذه المسيرة، شجب ممثلون عن شيوخ القبائل الصحراوية والأعيان والهيئات المنتخبة وجمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية هذه الاعتداءات “الإرهابية الدنيئة”، التي اقترفتها “الأيادي الآثمة” لأعداء الوحدة الترابية للمملكة واستهدفت أحياء سكنية بالسمارة.
اللافتُ في كل من مسيرتَي العيون والداخلة وغيرهما من مدن وأقاليم الصحراء المغربية هو استلهامُهما، بشكل لا تخطئه العين، لروح التضامن الوطني والسلمية التي طبعت المسيرة الخضراء في نونبر 1975.
على الرغم من الاستفزازات المتكررة للجبهة الانفصالية وداعميها في السنوات الأخيرة فإن تطور “مفهوم السلمية” في الرد على خصوم الوحدة الترابية للمملكة يُحيل على إيصال رسائل راقية تتعلق بالقضية الأولى للمملكة، التي جعلها الملك محمد السادس “النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم” كما أنها أيضا “المعيار الواضح والبسيط الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”.
“رسائل السلم” في زمن العنف
عبد الرحيم العلام، أستاذ القانون العام والعلوم السياسية بجامعة القاضي عياض-مراكش، قال إن “ما ميز المَسيرتين اللتين جابتا شوارع العيون والداخلة بالأقاليم الجنوبية للمملكة هو تأكيدهما، مجددا، توجه المغاربة نحو تفضيلهم العيش في منطقةٍ يسودها الأمن والاستقرار”.

وزاد المحلل السياسي ذاته، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، بأن “المغرب حينما سَمَح بتنظيم هاتين المسيرتين فهُوَ أراد أن يبعث رسالة ‘كظم الغيظ’ مجددا وبأنه ليس هو الطرف البادئ ولا يُحبذ رد العنف بالعنف”، مسجلا “تعامل المغرب مع قضية الصحراء دوما بخيارات السلم أولا” في منطقة وعالم مشتعلين بالحروب “التي صارت طريقة لتسوية النزاعات كثُر اللجوء إليها في العقد الأخير”.
ولفت العلام في حديثه إلى أنه “مقابل الطرف الانفصالي الذي يريد استغلال رمزية ذكرى المسيرة الخضراء لجعلها عنيفة ودامية ويجر المنطقة بذلك إلى أَتون العنف والإرهاب، فإن المغرب يفضل منطق الحكمة والتريث”.
الحِلْم والسلم
“يأمل الشعب المغربي أن يُحل النزاع الإقليمي المفتعل بطريقة سلمية وفيها تفاوض وتسوية أممية في ظل قبول متزايد بمقترح الحكم الذاتي عند أطراف دولية مؤثرة عديدة، وتأكيد أممي على أن الجزائر طرف أساسي في النزاع”، قال العلام الذي أشار إلى أن “تبعات الحروب لها تكلفة الباهظة على الجميع؛ وهو ما يسعى المغرب جاهدا إلى تجنبه”.
ولفت أستاذ علوم السياسة والقانون الدستوري الانتباه إلى أن “مسيرتي العيون والداخلة رد راقٍ ورسالة للعالم مفادها أن المغرب يفضل أن يُسَجل على جبهة البوليساريو بدل أن تُسجل عليه”، موردا دلالة أنه “قابَل انتهاك سيادته وضرب المدنيين الأبرياء بالحِلْم والسلم”؛ خالصا إلى أنها “رسالة إحراج وتنبيه وتحذير في الآن نفسه”.
“المسيرة الخضراء تمتد”
من جانبه، أشار الموساوي العجلاوي، الخبير والأكاديمي المغربي في قضايا الصحراء وإفريقيا، إلى أن المغرب “بلد مؤسساتٍ يؤمن بالأمن والسلم”، مستحضرا جذور ذلك تاريخيا في عضويته في لجنة الستة الأممية حينما كان يمثل العالم العربي والقارة الإفريقية وصدر عنها القراران 1514 و1541 باعتبارهما المَرجع في حل النزاعات الإقليمية بين الدول بناء على الفصل 6 من ميثاق الأمم المتحدة”، وكذا في “وضْع المغرب أول طلب في خريف 1963 لاستعادة الصحراء”.

وسجل العجلاوي، في إفادات تحليلية لـ هسبريس، أن “مسيرات العيون والداخلة والسمارة يوم 5 نونبر 2023 كلها تؤكد على التوجه السلمي في فض النزاعات، وامتداد للمسيرة الخضراء وخلاصات كل مشاركات المملكة في اللجنة الأممية الرابعة”.
“الاعتداء الإرهابي على السمارة لا يمكن أن يَصدُر عن أي صحراوي مومن برمزية المدينة روحانيا وثقافيا” (تضم ضريح أحمد الركيبي)”، لفت الانتباه الخبير المغربي إلى هذه الدلالات، معتبرا أن الاستهداف طال المدنيين العزل بقدر ما استهدف أيضا “العاصمة الروحية” للصحراء المغربية.
ولم ينسَ الإشارة إلى أن “تقرير أنطونيو غوتيريش، الأمين العام الأممي الحالي، رسَم صورة جميلة زاهرة بالتنمية لغرب الجدار مقابل نقيضها في مخيمات تندوف التي لا تُحترم فيها أدنى شروط الحياة الكريمة”.
رسوخ النهج السلمي
الأستاذ المختص في معهد الدراسات الإفريقية بالرباط أبرز أن “الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الصحراء المغربية الصادر قبيل المسيرة الخضراء سجل، منذ ذلك الحين، أن علاقات بيعة قوية ربطت تاريخيا بين السلاطين وشيوخ وأعيان القبائل الصحراوية”.
كما استذكر العجلاوي، في حديثه مع هسبريس، “المسار الأممي والمؤسساتي السلمي” الذي يحِدْ عنه المغرب في مسار استكمال وحدته الترابية؛ وهو ما أرسلت مسيرات العيون والداخلة والسمارة رسائل واضحة بشأنه، مذكرة بالتمسك بالنهج السلمي رغم توالي الاستفزازات منذ أحداث معبر الكركرات.
أضف تعليقك
من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.