مسيرة المكتبة والكتاب

مسيرة المكتبة والكتاب
الأربعاء 22 يونيو 2022 - 10:07

لطالما نعت الإنسان بذلك الكائن العاقل، الذي «يحتاج إلى الكتب، كما السيف بحاجة إلى الشحذ ليزداد حدة». هذه الكتب التي أصبح وجودها مهددا، فالمكتبات هُجرت وقد كانت أول ما ينبغي أن يسأل عنه عند دخول مدينة ما (أنشتاين)؛ وقد حرصت الأمم المتقدمة على تشييدها، كما عملت جحافل الجهل والاستغلال على تدميرها، وحرق أو سرقة محتوياتها.

المكتبة عامل تحرير وضبط للشعوب:

لا يمكن الحديث عن المكتبة دون الحديث عن الكتاب، الذي يرجع أول ظهور له في بلاد الرافدين في الألفية الرابعة قبل الميلاد. وتعد مكتبة الإسكندرية أقدم مكتبة بالمفهوم المتداول، إذ كانت تحوي ما يزيد عن 200 ألف مخطوط كما يذكر عابد الجابري، ويرجع الفضل في تأسيسها إلى الإسكندر في أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وقد ألحق بها معهد للفنون والعلوم، لتكامل فعلي التأليف والإبداع.

وإيمانا بدور المكتبة التنويري في نشر المعرفة، وقدرتها على التأثير الفعال في المواطنين، والمساهمة في تكوينهم وتنشئتهم على القيم والمثل العليا؛ كما تعد رافدا للثقافات والحضارات، وجسر تلاقح بينها، وقناة تواصل بين ماضيها وحاضرها… لكل هذا وذاك، عملت الأمم والدول على تأسيس المكتبات. وبالإضافة إلى مكتبة الإسكندرية، ذات التأثير الكوني والتاريخي، نجد مكتبة الكونغرس الأمريكي، التي يطلق عليها «القوة الناعمة» لأمريكا، ولا تقل قيمة عن باقي القوى التأثيرية التي تتمتع بها البلاد؛ فمكاتبها الست الموزعة على المعمورة مهمتها جمع وتخزين أحدث الإصدارات وأقدمها، لكل الحضارات والثقافات، وهي تحمل رسالة التأثير الوجداني والإقناع العقلي، ليغطي بشاعة فعل الآلة العسكرية، وإظهار الجانب المشرق والمتحضر للغرب. وهو الدور الذي نهضت به مكتبات خاصة وعامة على مر التاريخ، كالمكتبة اللورنسية، لشاعر فلورانسا وحاكمها لورونسو، التي أسست لقيم الحرية والاختيار، وتحرير العقل والوجدان الأوروبي على قاعدة التراثين الأدبي والفلسفي؛ وقد حوت ما يربو عن 11000 مخطوط، منها القرآن الكريم، وتعد «تحفة فنية وعملا عبقريا»، هندسة وتصميما، لا تقل قيمة عن غناها المعرفي.

المكتبة الإسلامية: إثبات هوية.. ورافد تنمية

وإذا يممنا وجهنا تجاه الشرق الإسلامي نجد الكتاب والمكتبة شكلا أساس نهضته، ومنارة حضارته؛ فقد اجتهد الحكام والأمراء في جذب العلماء والنساخ والمترجمين، واعتنوا أيما عناية بمعاهد العلم، ودور الكتب، فألحقوها بالقصور أحيانا، وبالمساجد أحيانا أخرى، دليلا على أهمية شأنها، وقداسة مهمتها. كان هذا منذ بيت الحكمة في العهد العباسي، مرورا بالمكتبة السلطانية المنشأة بإسطنبول، الحلقة الأولى في عقد المكتبات في العالم الإسلامي بمفهومها الحديث. وتم إلحاق «خان» أو فندق ومأوى للعلماء والباحثين بها، استضافة لهم، ومساعدة لهم في بحوثهم العلمية؛ وهي سابقة ونقطة ضوء قلما يجود الزمان بمثلها.

وقد شجع موقف الإسلام من العلم والعلماء المسلمين على خدمة الكتاب وأهله من الدارسين، وإكرام المدرسين، ورفع العلم إلى مقام العبادة التي لا تدانيها عبادة غيرها. وما إلحاق المكتبات والمدارس بالمساجد إلا دفع للناس إلى الإقبال عليها، كإقبالهم على الصلاة. وامتد هذا الزواج المبارك بين المكتبة والجامع والمدرسة إلى حدود القرن 17.

ومازالت المكتبات تشيد بالمغرب من طرف وزارة الأوقاف بجانب بعض المساجد الكبرى بالمملكة، تأسيا بالمسجد الأموي بالشرق، إلى مسجد قرطبة بالغرب، الذي ضمت مكتبته نحو 400 ألف مخطوط زمن المستنصر، حتى قال عنه ابن خلدون: «جمع من الكتب ما لم يجمعه غيره من الملوك». وغيرها من المكتبات، كالمكتبة العلمية بدمشق، ومكتبة بغداد. وقد أحيطت تبعا لهذا مهنة الكتابة والقراءة بالمهابة والاحترام، لنبل هدفها التنموي الفكري والوجداني؛ فهي جسر العبور نحو الماضي، وعامل تعزيز للهوية الثقافية، وإثراء للمعرفة الإنسانية. وهو ما تعزز مع استقلال الدول العربية، فسعت إلى إنشاء مكتبات وطنية لتكريس استقلالها، وتجذير تراثها وثرائها الفكري والثقافي، وإظهار الرغبة في التطوير المعرفي والارتقاء الاجتماعي.

مسيرة الكتاب من المخطوط إلى المطبوع

لا شك في تبوء الكتاب هذه المكانة والمهابة، لاعتباره «المنقذ من الضلال»، وواهب الحياة الأبدية، كما الماء للحياة الفانية، فـ «القراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة… لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق» (عباس محمود العقاد). وقد ساهم الكتاب بنصيب وافر في تخفيف الضغط على الذاكرة، التي اتكأ عليها الإنسان في حفظ المعرفة، أيام الرواية الشفهية فقط؛ ومن أجله طور الإنسان العديد من المهن، على صعيد الأسانيد الحاملة للمكتوب، أو طريقة كتابته وتداوله، من وسائل بدائية إلى أكثرها تكنولوجية.

وسادت في عالمنا الإسلامي مهنة الوراقين والنساخين، بأساليب الإملاء والمقابلة والرواية. تقاليد ستندثر مع ظهور الطباعة، التي شكلت فتحا علميا وتقنيا، كان ومازال علامة بارزة في مسار حياة الإنسان، وحولت مجرى تاريخه منذ القرن الخامس عشر؛ فبها انتقل الكتاب من المخطوط إلى المطبوع، الذي أسهم في التغيير الثقافي، نقلا للعلوم الحديثة، والكتب الأجنبية. فقد كانت الطباعة، بالإضافة إلى ظهور الورق، «قوة دافعة للأدب وفنون الكتاب» (جي ستوري). وتواجدت الطباعة من الألواح بالشرق الأوسط قبل أن تتواجد بأوروبا بوقت طويل، لكن الطباعة بالأحرف المتحركة تأخرت بنحو أربعة قرون عن ظهورها في أوروبا. وهكذا نجد أن أول كتاب عربي مطبوع ظهر في إيطاليا، وانتظرت البلاد العربية المطبعة إلى حدود 1860 بالنسبة للعراق، 1861 تونس، 1912 المغرب.

وشكلت المطبعة إنجازا علميا وتقنيا ألقى بظلاله على حركية الكتاب وإنشاء المكتبات؛ فلم يعد الأمر محصورا على الأمراء والكهنة والأعيان من المجتمع، الذين يسعون إلى الجمع بين الثروات المادية والرمزية، وتحسين مكانتهم الاجتماعية، بل سيخرج من شراك سطوتهم، وتحتضنه فئات جديدة من المؤلفين والمثقفين، الذين سيتحملون عبء كتابته وطباعته وتوزيعه على المتاجر العامة جنبا إلى جنب مع باقي البضائع، قبل أن تظهر المكتبات الخاصة به؛ فكانوا بحق جسرا للعبور من ظلمات الجهل والتخلف نحو آفاق موسومة بكل معاني اليقظة الشاملة، تنهض على تقاليد قرائية تعم كل أفراد المجتمع، وينال الجمهور حظه من بركتها، بإبداع أساليب جديدة للتعريف بالكتاب وتحبيبه للناشئة، بالعديد من الأنشطة الثقافية والفنية، التي تخلق أجواء احتفالية بالكتاب ومؤلفه وقارئه؛ تجمع بين الفائدة والمتعة، في فضاء بديع الهندسة والتأثيث، غني بالأجهزة والمعدات المساعدة على الانغماس في القراءة، تحت إشراف نخبة من المثقفين يذللون صعوبتها، ويرتقون بمستوياتها، وقدوة لمن خلفهم من الأجيال. وقد شكل المعرض أرقى الأساليب في الترويج للكتاب، والتقريب بين مختلف المنتجين، الجامع لما تفرق من الأنشطة المتعلقة بالقراءة، وتدارس المقروء.

الانتقال بالكتاب من الواقعي إلى الافتراضي:

كان الكتاب ومازال الأداة الرئيسية والوسيلة الأنجع للتنمية بكل أبعادها: المادية والرمزية؛ ولم تشوش على هذه المكانة الاعتبارية التي كانت له ومازالت، كما تؤكد الأرقام المسجلة في المعرض الدولي للكتاب بالرباط، وما ظهر من العناية والاحتماء به أيام الحجر الصحي، إلا الثورة التكنولوجية في عالم الاتصالات، فهو اليوم يصارع من أجل البقاء ورقيا، في ظل سطوة الرقمي، وارتهاننا لشبكات التواصل الاجتماعي.

ففي العالم الافتراضي يخوض الكتاب معركة إثبات الذات، منذ مشروع الكتاب الرقمي الذي أرسي من طرف غوغل بين العامين 2004/ 2005؛ بل مع بوب ستاين في بداية التسعينيات، فهو الآن يعمل على إزاحة الورق من التداول، ويعمل ببطء على «محو ثلاثة قرون من الكتاب المطبوع» (العربي اسليماني)، وأنصاره في تزايد، مستندين إلى دراسة لكريسيان فاندندروب، مفادها أن القراءة على الشاشات تطور كفاءات عقلية جديدة، تجعل صاحبها أكثر حيوية، بما تخلق من تفاعل بين القارئ والنص، من شأنه «أن يخلق نصا جديدا، بالتعليق والحوار، أو دحض المقروء». وبهذا يصبح المستهلك للنص منتجا لنص آخر، فيتداخل فعلا القراءة والكتابة، بتحول القارئ من مفعول به إلى فاعل في الآن نفسه. وهو الأمر الذي يضمن استمرارية فعل القراءة، التي لا تتراجع وإن تراجع الكتاب حسب روبيرتو كاستي، في مكتبة تعرف تحولا في طريقة الترويج للكتاب الورقي، وخلق أنشطة وتقاليد قرائية غير مألوفة، باللجوء إلى الأساليب الرقمية نفسها، ولاسيما بالنسبة للأطفال والشباب، وهي تجارب أصبحت تعرف انتشارا ونجاحا واسعين، إيمان بأن «القراءة على الورق تمكن من لفت الانتباه بشكل أفضل… وبأن الإبحار على الشاشات قد يؤدي إلى ارتباك في الذاكرة» (برنار كروازيل).

في ظل الانتشار الواسع للثقافة الإلكترونية، في مختلف المجالات، وخصوصا المجال المعرفي، مع نشوء المدونات والمواقع الإلكترونية، لا يستثنى الكتاب منها. فمنذ أول التسعينيات أخذ النشر الإلكتروني يحظى بإقبال كثيرين عليه، واحتجاج آخرين، وخصوصا المؤلفين، الذين أصبحت حقوقهم مهددة بفعل القرصنة وغيرها. وقد هيمن النشر الإلكتروني على سوق المبيعات: يشكل الثلث في الولايات المتحدة الأمريكية، والنصف في أوروبا. أما في وطننا العربي فالفوضى سيدة الموقف، وتضارب الأرقام يشوش على الحقيقة، وإن كان الأمر محسوما بمجرد التأمل في عدد المكتبات الخاصة التي تفلس، والغبار المتكدس على الكتب وهي نائمة في رفوفها بالمكتبات العمومية، وقد هجرها القراء إلى عوالم أٌخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:31

وزير الداخلية يعلن نتائج الانتخابات

صوت وصورة
النتائج  في دائرتي فاس
الخميس 24 شتنبر 2026 - 03:25

النتائج في دائرتي فاس

صوت وصورة
الفرز الانتخابي في الجديدة
الخميس 24 شتنبر 2026 - 02:27

الفرز الانتخابي في الجديدة

صوت وصورة
شوكي: النتائج تخلف الارتياح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:24

شوكي: النتائج تخلف الارتياح

صوت وصورة
النتائج المؤقتة في بني ملال
الخميس 24 شتنبر 2026 - 00:02

النتائج المؤقتة في بني ملال

صوت وصورة
مباشر | نتائج انتخابات المغرب
الأربعاء 23 شتنبر 2026 - 23:41

مباشر | نتائج انتخابات المغرب