مكانة الدين في التربية

مكانة الدين في التربية
الأحد 31 مارس 2019 - 19:15

جاء في الخطاب التاريخي الذي ألقاه جلالة الملك محمد السادس بمناسبة استقبال نيافة البابا فرانسيس بالرباط يوم 30 مارس 2019 حديث عن ضرورة إيلاء الدين الإسلامي المكانة التي يستحقها في مجال التربية، وذلك لأن ما يجمع الإرهابيين والمتطرفين ليس هو الدين وإنما الجهل به.

إذن نحن أمام دعوة إلى مقاربة لمحاربة التطرف والإرهاب بناء على تعميم تعاليم الدين وتضمينها بشكل كاف في مجال التربية والتعليم، وإن هذه الرؤية لتنم عن وعي حضاري كبير وعمق في التفكير وتبصر بجوهر ما يحققه الدين في النفوس والعقول والقلوب حين تشع تعاليمه وتعم قيمه وتنتشر مبادئه وأحكامه.

إن الوحي هو المصدر الأساس الأول الذي يرجع إليه ويلجأ في التشريع والأخلاق والعبادة والاجتماع… فهو يمثل ثروة عظيمة من مفاخر المصادر التربوية في تهذيب الأخلاق وتنظيم السلوك الإنساني وتربية الأمة جنودها وقادتها إلى مدارج الخير والصلاح والكمال، بل من الوحي قرآنا وسنة نستمد معالم شخصيتنا ومقومات تطورنا في المعرفة والسلوك. وحسبنا هنا أن نبين أن القرآن قد بدأ نزوله بآيات تربوية، فيها إشارة إلى أن أهم أهدافه تربية الإنسان بأسلوب حضاري راق، عن طريق الاطلاع والقراءة والتعلم والملاحظة العلمية لخلق الإنسان منذ كان علقة في رحم أمه.

وتعتبر السنة النبوية المصدر الثاني الذي تنهل منه التربية رؤية ومنهاجا، تفكيرا وسلوكا، ويظهر ذلك جليا حتى من خلال تعريفيها اللغوي والعلمي. ففي اللغوي تعني الطريقة والأسلوب والنهج. وفي العلمي تعني مجموعة ما نقل بالسند الصحيح من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأعماله وتركه ووصفه وإقراره ونهيه، وما أحب وما كره، وغزواته وأحواله، وحياته.

وللسنة في المجال التربوي فائدتان عظيمتان:

‌- إيضاح المنهج التربوي الإسلامي المتكامل الوارد في القرآن الكريم، وبيان التفاصيل التي لم ترد فيه.

– استنباط أسلوب تربوي من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه وزوجاته والشيوخ والأطفال وغرس الإيمان في نفوسهم.

ومن خلال استيعاب هاتين الفائدتين نتبين لماذا رفع الله تعالى رسوله أعلى الدرجات، وأقصى مراتب الكمال الإنساني، فجعله المثل الأعلى للكمال، والقدوة المثلى للبشرية قاطبة. فأدبه فأحسن تأديبه وعصمه من الخطايا والمعاصي، وحلاه بالخلال الحميدة التي جعلته عليه السلام يمثل التقويم الفعلي العملي لكل فرد نهج نهجه واتبع سنته. إذ تمثلت كل جوانب الحياة في شخصيته، فكان أبا وزوجا وتاجرا وراعيا وقائد جيش ورئيس دولة وعابدا وزاهدا وصابرا ورحيما، فجعله الله نموذجا لدينه. ماتت زوجته، ومات عمه، ومات أبناؤه، وأذي، واستهزئ به، واتهم في عرض أحب الناس إليه (الإفك) ومرض وجرح (أُحد والطائف) وهو عليه السلام دائما في كل المواقف كان المثل الأعلى للبشر، والقدوة العليا لهم، إذ له يرجع الكمال في كل شيء، بل لا كمال لفرد من الأمة إلا باتباعه وطاعته والاقتداء به، وإن الله لم يعط لإنسان من الكمال ما أعطاه لمحمد، ولم يجتمع لإنسان من الكمال ما اجتمع في شخصه العظيم. فهو النموذج البشري للمسلمين أفرادا وجماعات.

إن الدين الإسلامي كان ومازال يوفر أهم المناهج في التربية التي تعد من أدق المسائل وألصقها بسلوك الإنسان لكونها تمثل التطبيق المباشر للمفاهيم والتجسيد العملي للقيم، وهي صمام الأمام الذي يحمي الفرد والأسرة والمجتمع والدولة من أي فكر متطرف دخيل.

وإن نجاح التربية الإسلامية مستمد من كون الإسلام رباني المصدر، أي إنه ليس اجتهادا بشريا وإنما مصدره الله الخبير العليم الذي خلق الإنسان وهو أعلم بما يصلحه ويصلح حاله، ويجعل عقله متنورا منفتحا لا يقبل المعلومة إلا بدليل ولا الفكرة إلا بحجة (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين)، يؤمن بالحوار كمسلك لحسم الإشكالات والاختلافات (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم).

لقد مثل الإسلام في، بداية بزوغه، دور التشكيل المنهجي للعقل وبناء التفكير وطرق المعرفة بهدي من الوحي الكريم الذي حماه الله من كل تحريف أو تزييف فقال: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فتكفل الله بحفظه حتى لا يعبث به العابثون، وحتى تكون مضامينه ونصوصه هي النصوص نفسها التي جعلت الأجيال الأولى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف قبل أن تنهى عن المنكر، ومن المعروف الذي ساد طيلة قرون مراعاة الجوار والتسامح مع غير المسلمين واعتبار اليهود والنصارى الذين يعيشون في كنف الإسلام ذوي حصانة لا يجوز لأي مسلم أن يأخذ منهم شيئا دون طيب نفس أو يرغمهم على شيء وهم كارهون، كما يؤتمنون على دينهم وتجارتهم وأبنائهم ونسائهم، ومن فعل غير ذلك تعدى حدود الله فلقي شر الجزاء وهو أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصيمه يوم القيامة.

إن بناء مناهج في التربية تأسيسا على الدين الإسلامي من شأنه أن يمنحها صفاته نفسه كالشمولية على اعتبار أن التربية يجب أن تشمل جميع مكونات الإنسان عقلا وجسدا وروحا ونزوات ورغبات داخلية حتى يتشكل في بعده الإنساني الكامل، حيث لا يمكن تغذية الجسد وحده فيتحول إلى آلة ولا تغذية الروح وحدها فيتحول إلى راهب، ولا تغذية عقله في معزل عن الوحي الموجه كمصدر للمعرفة والحكمة فينحرف به عن جادة الصواب، وإنما هي تربية شاملة تعالج في الإنسان جميع أبعاده وما يحتاجه ليكون سويا متكاملا، سواء في جانبه الروحي أو الصحي أو الاجتماعي أو المهني أو الشخصي. يقول محمد قطب في كتابه القيم “منهج التربية الإسلامية”: طرق الإسلام في التربية هي معالجة الكائن البشري كله معالجة شاملة لا تترك منه شيئا ولا تغفل عن شيء، جسمه وعقله وروحه… حياته المادية والمعنوية، وكل نشاطه على الأرض.”

كما لا بد أن تكون هذه التربية واقعية الإسلام، أي لا يمكن أن نربي الإنسان على قيم خاوية من مضمونها أو في معزل عن العالم الذي يتحرك ويعيش فيه حتى يتشبع بفكر التسامح مع الغير ويتعايش مع الجميع بكل تعاليم الرحمة التي هي أصل الدين كله.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

4
  • Peace
    الإثنين 1 أبريل 2019 - 08:52

    يقول الله تعالى:وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) الحج

    و في هذه الاية حكمة بالغة لرفع الحرج عن المسلمين في دينهم عند التحاور مع الكتاب مثلا. و المقصود بالدين هنا بمفهومه الشامل الكامل المتكامل سواءا في الاصول او الفروع او الممارسات الروحية و التعبدية او القيم الاخلاقية و المعاملات الفردية او االجماعية. لان كل ماهو موجود في الرسالات السماوية السبقة هو موجود في الاسلام ايضا.

  • عبد العليم الحليم
    الإثنين 1 أبريل 2019 - 10:27

    أحاديث ثابتة عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأخلاق

    – " إنما بعثت لأتمم مكارم ( و في رواية صالح ) الأخلاق " .

    السلسلة الصحيحة

    – " أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس

    و أحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم

    أو يكشف عنه كربة أو يقضي عنه دينا

    أو تطرد عنه جوعا

    و لأن أمشي مع أخ في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد ، ( يعني مسجد المدينة ) شهرا

    و من كف غضبه ستر الله عورته

    و من كظم غيظه و لو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاء يوم القيامة

    و من مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام

    ( و إن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل ) "

    السلسلة الصحيحة 2 / 608

    و قال صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ من أحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة

    أحاسنكم أخلاقًا)) رواه الترمذي وحسنه الألباني.

    وقال ابن تيمية : " وجماع الخلق الحسن مع الناس :

    أن تصل من قطعك بالسلام والإكرام والدعاء له والاستغفار والثناء عليه والزيارةله.

    وتعطي من حرمك من التعليم والمنفعة والمال ،

    وتعفو عمن ظلمك في دم أو مال أو عرض " .

  • خبز و غيبيات
    الإثنين 1 أبريل 2019 - 10:37

    الدين بالنسبة للتربية كالحلاقة بالنسبة لطب الأسنان ؛
    «ما يجمع الإرهابيين والمتطرفين ليس هو الدين وإنما الجهل به» : بالعكس تطبيق "التعاليم السمحة" عن علم و دراية هو التطرف بعينه الذي يولد الإرهاب.
    إذا كان الهدف هو جباه تنطح الأرض، فعليك بالتربية الدينية و إذا كان الهدف هو أدمغة تفكر فعليك بالعلوم الحقيقية و تهميش الدين الذي لا مكان له خارج المعابد على غرار الدول المتحضرة. أمّا ربانية المصادر و الخزععبلات، ليس إلاّ تخميناً بشرياً لا يصمد أمام دراسة جدية لتاريخ الأديان الذي تحاربونه بكل قواكم مستعينين في ذلك بسذاجة الشعب و أميته.
    «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ» : التجار الحقيقيون يكدحون و يؤدّون الضرائب و تجار الدّين لا ينتجون شيئا من غير الوهم و الظلام و يقتاتون من ضرائب الكادحين بإغراء الأغبياء منهم بجنة لا علم لهم بها و تخويفهم بنار لا دليل لهم على وجودها.
    الشعب في حاجة للخبز لا للغيبيات كما هو في حاجة لمهندسين و تقنيين للخروج من المأزق لا لمشاييخ يذلونه على أي رجل يجب تقديمها لولوج المرحاض … هذا إذا توفر المرحاض !

  • Barbich
    الإثنين 1 أبريل 2019 - 21:43

    الدين بصفة عامة و الاسلام بصفة خاصة لا يمكن ان يكون منهاج تربية و أخلاق و قيم.
    الديانات و بخصوص الاسلام يدعو الى الكراهية و البغض في الله و محاربة و قتال الآخر حتى يكون الدين كله لله.
    الاسلام ينعت المخالفين بأقبح الأوصاف مثل الخنازير و الانعام و الحمير!!! هذه ليست إخلاق يمكن ان تفتخر بها.
    الاسلام يبيح الغزو و السبي و بيع الناس في أسواق النخاسة بعد وطئ النساء منهم كملك يمين!!! اتسمي هدا سمو الأخلاق؟
    الاسلام بقرانه و حديثه سبب الإرهاب لتشجيعه نشر الدين بالسيف و تشجيع محاربيه ان يثخنوا في الارض، يعني ان يسيلوا الدماء لنشر الاسلام.
    الاسلام يحث على قتل المرتد!!
    كل هذه التشريعات الصحراوية البدائية اللاانسانية و الأخلاقية، أصبحت اليوم تسمى ارهابا.
    ارجعوا الاسلام الى المسجد ،فأنتم بمقالاتكم التي تجانب الواقع، تساعدون على نشر قاعدة الإلحاد و اللادينية.
    و شكرًا

صوت وصورة
احتجاج يندد بالتطبيع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 23:50 14

احتجاج يندد بالتطبيع

صوت وصورة
مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 21:43 2

مباشر | ميطا 3 | فوز "الأسود" على الغابون

صوت وصورة
بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 20:19 5

بنعبد الله وعزوف "شعب اليسار"

صوت وصورة
نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54 8

نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 5

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 12

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع