من الإنسان إلى "نقطة بيانات"

من الإنسان إلى "نقطة بيانات"
الجمعة 1 ماي 2026 - 22:41

لم تعد المسافة بين الإنسان والعالم تُقاس بالخطوات، بل بدرجة انغماسه في شبكات من الصور والعلامات التي تعيد تشكيل وعيه دون أن يشعر. في هذا الفضاء الرقمي الكثيف، ينشأ أبناؤنا داخل تدفق لا ينقطع من الأيقونات والتمثلات، حيث لا يُمنح لهم الوقت الكافي لبناء معنى متماسك لذواتهم، بل يُدفعون دفعا إلى استهلاك رموز جاهزة تُنتجها خوارزميات لا ترى فيهم سوى نقاط بيانات.

إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد تحوّل تقني، بل هو انقلاب في بنية الإدراك نفسه. فكما أشار جون بودريار، لم تعد الصور تحاكي الواقع، بل صارت تستبدل به، حتى أصبحنا نعيش في “فرط واقع” تُنتج فيه العلامات عالما أكثر حضورا من الحقيقة ذاتها.

داخل هذا الفضاء الأزرق، لا يعود الطفل ذاتا تتشكل، بل يصبح موضوعا يُعاد تشكيله عبر خوارزميات خفية، تُحصي أنفاسه، وتعيد توجيه رغباته، وتُغريه بوهم الانتماء بينما تعمّق عزلته.

إنها عزلة من نوع جديد، لا تُقاس بالبعد الفيزيائي، بل بانفصال الذات عن معناها. وهنا يستحضرنا فكر شيري توركل، التي ترى أن التكنولوجيا، بدل أن تقرّبنا، قد تدفعنا إلى “الوحدة معا”؛

حيث نكون متصلين على الدوام، لكن دون عمق في العلاقة أو صدق في الحضور. فالأبناء اليوم لا يعيشون فقط تحت سطوة الشاشة، بل داخل بنية رمزية تُفرغ التجربة من أصالتها، وتحوّل الوجود إلى عرض دائم، والذات إلى ملف قابل للتحديث.

وإذا كان بونغ شول ـ هان قد تحدّث عن “مجتمع الشفافية” و”جحيم التماثل”، فإن ما نراه في سلوك أبنائنا هو امتداد لهذا المنطق: ضغط مستمر نحو الظهور، نحو التشابه، نحو إنتاج نسخة مقبولة اجتماعيا، ولو على حساب التفرّد والعمق. وهنا لا يعود الخطر في المحتوى فقط، بل في البنية التي تُنتج هذا المحتوى وتفرض إيقاعه على الزمن النفسي للطفل، فتُسرّع من مون.

لقد كانت الأسرة، في زمن قريب، فضاءً لإنتاج المعنى، حاضنة للقيم، ومجالا لتوارث الخبرة الإنسانية. أما اليوم، فقد تراجعت أمام سلطة خفية تمارسها المنصات الرقمية، حيث لم تعد التربية فعلا واعيا بقدر ما أصبحت رد فعل متأخرا على تدفقات لا يمكن السيطرة عليها. إننا أمام انتقال من “تربية الحضور” إلى “تربية الغياب”، حيث يغيب الكبار، ليس جسدا، بل دورا ووظيفة، ويُترك الأبناء ليتشكلوا داخل اقتصاد الانتباه الذي لا يعترف إلا بما يُستهلك بسرعة.

وإذا كان زيغموند باومان قد وصف عالمنا بـ”الحداثة السائلة”، فإن سيولة العلاقات والمعاني اليوم بلغت حدا جعل الهوية نفسها قابلة للتبدل المستمر، دون جذور أو ثوابت، حيث يغدو الطفل كائنا معلقا بين صور لا تستقر، ورغبات لا تنتهي، ومعايير لا يملك أدوات نقدها.

إن السؤال لم يعد: كيف نحمي أبناءنا من التكنولوجيا؟ بل كيف نعيد إليهم القدرة على أن يكونوا ذواتا داخلها؟ كيف نُعيد بناء الحس النقدي في مواجهة طوفان العلامات؟ كيف نستعيد معنى التربية كفعل إنساني عميق، لا كإجراء تقني أو رقابة سطحية؟

ربما لا يكمن الحل في مقاومة هذا العالم بقدر ما يكمن في إعادة تأويله، وفي استعادة الإنسان كمرجعية. فالتكنولوجيا، في جوهرها، ليست قدرا، بل أداة؛ غير أن الخطر يبدأ حين تتحول الأداة إلى أفق، وحين يصبح الإنسان مجرد تابع داخل نظام لا يملك مفاتيح معناه.

ووفق هذا المنظور، تنكشف غربة أبنائنا، إنها ليست غربة مكان، بل غربة معنى… غربة كائن لم يعد يعرف أين ينتهي هو، وأين تبدأ الصور. لعل ما يحتاجه الإنسان اليوم ليس مزيداً من الإجابات، بل شجاعة طرح الأسئلة التي تُقلق يقينه وتُعيده إلى هشاشته الأولى. فالمعنى لا يُمنح جاهزاً، ولا يُستعاد بالحنين، بل يُبنى في تلك المسافة الدقيقة بين الوعي والقلق، بين الانتماء والاختيار. هناك فقط، حيث لا شيء محسوم، يبدأ الفكر في أن يكون فعلاً حراً، ويستعيد الإنسان قدرته على أن يصنع نفسه، لا كما يُراد له، بل كما يجرؤ أن يكون.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

1
  • MC
    السبت 2 ماي 2026 - 14:50

    “People are lonely. The network is seductive. But if we are always on, we may deny ourselves the rewards of solitude”

    ” الناس وحيدون. الشبكة مغرية. لكن إذا كنا متصلين دائماً، فقد نحرم أنفسنا من فوائد العزلة ”
    Sherry Turkle
    (American sociologist)

    “Technology proposes itself as the architect of our intimacies”
    ” تقدم التكنولوجيا نفسها كمهندسة حميمياتنا.”
    Sherry Turkle

    “لم تعد الحياة شيئاً نعيشه، بل شيئاً ننشره.”

    أستاذ مصطفى،
    أنت محق في تشخيصك، لكن المرض أعمق مما تتصور. لقد تغيرنا نحن البشر تغيراً جذرياً منذ ذلك اليوم الذي دخل فيه الإنترنت بيوتنا، ثم حل محل جدرانها، ثم صار هو البيت نفسه.
    تذكر كيف كنا قبل التسعينيات؟ كنا نعيش في زمن بيولوجي بطيء: ننتظر الرد لأسابيع، نلهو في الشارع دون كاميرات، نشعر بالملل فنبتكر ألعاباً جديدة، نقرأ كتاباً بتركيز لساعات، نتخيل وجه من نكلمه في الهاتف الثابت. كان للوعي مساحة كافية لينمو مثل شجرة بطيئة النمو، جذورها عميقة في الواقع الملموس. أما اليوم، فوعينا يشبه شاشة هاتف: سريعة، مسطحة، قابلة للسحب للإلغاء، وكل أخطائها تمحى بضغطة زر.

    ALHOCEIMA

صوت وصورة
ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 21:23 2

ميطا 3 | هل حسم المغرب لقب "الكان"؟

صوت وصورة
ليلة رعب في أولاد عياد
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:45 2

ليلة رعب في أولاد عياد

صوت وصورة
المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:30 2

المعارضة وتفعيل التوجيهات الملكية

صوت وصورة
إشادات بمضامين الخطاب الملكي
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 20:02 4

إشادات بمضامين الخطاب الملكي

صوت وصورة
الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 16:00 8

الملك محمد السادس يترأس افتتاح البرلمان

صوت وصورة
مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة
الجمعة 9 أكتوبر 2026 - 15:34 8

مغاربة ينتظرون الأفضل من الحكومة