من الصندوق إلى السلطة

من الصندوق إلى السلطة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 00:54

تفكيك المجتمع السياسي المغربي بعد انتخابات 2026

لا تكمن أهمية الانتخابات في أنها أخبرتنا من حصل على عدد أكبر من المقاعد. الأهم أنها تتيح، إذا قرئت خارج منطق الترتيب العددي، أن نرى شيئا من البنية العميقة التي تنتج السلطة السياسية في المجتمع المغربي: من يملك القدرة على الوصول إلى الناس؟ كيف تتحول المكانة الاجتماعية إلى رأسمال انتخابي؟ كيف تدخل الروابط المحلية والقرابة والمجال والرمز والقبيلة والمال والتنظيم الحزبي في عملية واحدة؟ كيف تتحول جماعة اجتماعية إلى كتلة انتخابية؟ وكيف يتحول المقعد، بعد ذلك، من نتيجة انتخابية إلى موقع داخل بنية السلطة؟

لا تبدو انتخابات 2026 قطيعة مع ما سبق، كما لا تبدو مجرد إعادة إنتاج ميكانيكية للماضي. إنها تكشف مفارقة أكثر تعقيدا: تغير في أشكال ممارسة السياسة داخل استمرار بعض شروط إنتاجها. الأحزاب تغيرت، والخطابات تغيرت، ووسائل التعبئة تغيرت، وتوسعت الوسائط الرقمية، وتبدلت مواقع القوى داخل البرلمان، لكن ذلك كله حدث داخل مجتمع لم تُمح منه علاقات الوساطة والمكانة والقرابة والانتماء المحلي والرمزي. لذلك فإن السؤال الأكثر جدوى ليس: من فاز؟ وإنما: ما الذي تغير في الطريقة التي يُنتج بها الفوز نفسه؟

هذه النقلة ضرورية، لأنها تنقلنا إلى الانتخابات باعتبارها مرآة لبنية اجتماعية وسياسية. والصندوق هنا يظهر آخر حلقة في سلسلة طويلة تبدأ قبل الحملة الانتخابية بسنوات، وربما قبل الحزب والمرشح نفسيهما. فالمرشح يدخل الانتخابات محملا بموقع اجتماعي سابق، والحزب يدخلها محملا بذاكرة تنظيمية ورمزية، والناخب يدخلها محملا بتجارب سابقة وتمثلات وانتماءات ومصالح وانتظارات. وما يحدث في يوم الاقتراع هو التقاطع المؤقت لكل هذه العناصر.

المجتمع السياسي اليوم، لا يتكون من مؤسسات مجردة، وإنما من علاقات اجتماعية تمنح المؤسسات معناها الفعلي. الدائرة الانتخابية ليست مجرد حدود هندسية، والحزب ليس مجرد لائحة انتخابية، والمرشح ليس اسما مطبوعا على ورقة، والناخب ليس رقما في سجل. خلف كل واحد من هذه العناصر تاريخ من العلاقات والتصنيفات والولاءات والرموز والموارد. ومن الخطأ المنهجي أن نأخذ الشكل القانوني باعتباره الحقيقة الاجتماعية الوحيدة.

هذه هي إحدى النقاط التي تجعل ريمي لوفو ضروريا في قراءة الحاضر. ففي “الفلاح المغربي المدافع عن العرش” لم يكن موضوعه مجرد الأعيان أو الفلاحين في مغرب ما بعد الاستقلال، وإنما العلاقة المعقدة بين التحديث السياسي واستمرار أنماط من التنظيم والوساطة المحلية داخل المؤسسات الحديثة. أهمية أطروحته بالنسبة إلى اللحظة الراهنة أنها تمنعنا من الوقوع في وهم أن دخول المجتمع إلى الدولة الحديثة يؤدي تلقائيا إلى اختفاء البنى الاجتماعية السابقة. ما يحدث غالبا أكثر تعقيدا البنية القديمة تتعرض لإعادة تركيب، والمؤسسة الحديثة تصبح أحيانا قناة جديدة لممارسة علاقات اجتماعية أقدم منها.

وعندما نضع هذا المنظور أمام الانتخابات المغربية، يتغير معنى الحديث عن “الأعيان”. فالسؤال ليس وجود الأعيان؟ لأن صياغة السؤال تفترض أن هناك أعيانا تقليدية ثابتة يمكن البحث. السؤال الحقيقي هو ما الذي حدث لوظيفة الأعيان عندما تغيرت المؤسسات؟

ربما لم يختف الوسيط؛ الذي تغير هو شكله. وقد يتحول الوسيط المحلي من صاحب وجاهة تقليدية إلى منتخب، أو رجل أعمال، أو فاعل جمعوي، أو صاحب شبكة اجتماعية واسعة، أو شخص قادر على الجمع بين أكثر من مجال. وعندما يدخل هذا الشخص الحزب، يدخل ومعه شيء من المجتمع الذي جاء منه. وفي المقابل، يمنحه الحزب اسما وطنيا، ورمزا، وتنظيما، وحماية قانونية، وإمكانا للوصول إلى المؤسسة.

وهنا لا تعود العلاقة بين الحزب والمرشح علاقة رأس بقاعدة، وإنما علاقة تبادل وإعادة تركيب. الحزب يستثمر في رصيد المرشح المحلي، والمرشح يستثمر في الرصيد التنظيمي للحزب. الحزب يحتاج إلى المجال، والمرشح يحتاج إلى المؤسسة. الحزب يريد أن يحول الانتشار إلى مقاعد، والمرشح يريد أن يحول المكانة الاجتماعية إلى سلطة سياسية. ومن هنا يصبح المرشح نقطة التقاء بين بنية اجتماعية محلية وبنية حزبية وطنية.

هذا النقاش يقودنا إلى ديل إيكلمان، الذي اهتم بكيفية تشكل المعرفة والمكانة والسلطة داخل المجال الاجتماعي، وكيف يمكن للمعرفة الدينية والسمعة والعلاقات المحلية أن تدخل في إنتاج المكانة. وهذا مهم جدا بالنسبة إلى الانتخابات، لأن السياسة لا تبدأ من الحزب. قبل الحزب توجد مواقع اجتماعية مختلفة، وبعضها يملك قدرة أكبر على تحويل حضوره الاجتماعي إلى فعل سياسي. هناك من يدخل الحملة الانتخابية وفي يده شبكة علاقات، وهناك من يدخلها وفي يده خطاب، وهناك من يدخلها وفي يده تاريخ حزبي، وهناك من لا يملك إلا الرغبة في المنافسة. وعندما تتساوى الأسماء قانونيا داخل اللائحة، لا تتساوى بالضرورة الموارد الاجتماعية التي تقف خلفها.

هنا تظهر إحدى التناقضات الكبرى في الديمقراطية الانتخابية المساواة القانونية للأصوات لا تعني المساواة الاجتماعية في القدرة على الوصول إلى الناخبين. وهذه ليست حجة ضد الانتخابات، فهي بالضبط ما يجعل الانتخابات موضوعا للبحث. فقبل أن يصل الصوت إلى الصندوق، توجد عملية طويلة من إنتاج الانتباه والثقة والتمثيل والتأثير.

هنا يصبح فقه الواقع أكثر أهمية من استيراد نموذج نظري جاهز. فقراءة المجتمع السياسي المغربي تقتضي ألا نضعه داخل نموذج مسبق ثم نبحث عن الوقائع التي تؤكده. المطلوب هو العودة إلى الواقع نفسه إلى المجال، والقبيلة، والمدينة، والهجرة، والقرابة، والذاكرة السياسية، ثم السؤال عن الطريقة التي تتفاعل بها هذه العناصر مع الحزب والدولة والانتخابات.

فالقبيلة ليست تنظيما اجتماعيا سابقا على الدولة إنها أيضا ذاكرة للانتماء، ونمط من التعرف إلى الآخر، وشبكة من العلاقات، وأحيانا لغة سياسية تستعاد بطرق جديدة. هنا تصبح الانتخابات مختبرا مثاليا لهذا التحول. فالمجال القبلي قد لا يظهر في الخطاب الحزبي الرسمي، وقد لا يرد في البرامج الانتخابية، لكنه يمكن أن يظهر في معرفة الناس ببعضهم، وفي شبكات القرابة، وفي تقسيمات المجال، وفي ذاكرة المنافسات، وفي صورة المرشح، وفي الطريقة التي يُستقبل بها، وفي قدرة بعض العائلات أو الشبكات على التأثير.

وهذا ما يجعل قراءة لوفو أكثر راهنية مما يبدو. فهو لم يقل لنا ببساطة إن التقليدي يستمر، وإنما أتاح التفكير في الكيفية التي يمكن بها للحديث أن يغير التقليدي دون أن يلغي منطقه كله. التحديث لا يأتي دائما لكي يهدم البنية السابقة؛ قد يدخل إليها ويعيد توزيع عناصرها. وهنا تكمن المفارقة: قد يصبح الحزب الحديث حاملا لبعض الوظائف التي كانت تؤديها شبكات اجتماعية سابقة، وقد تصبح الانتخابات آلية لإعادة ترتيب هذه الشبكات، وقد تتحول الرموز الحديثة إلى أدوات جديدة لعمل علاقات اجتماعية أقدم.

هكذا تصبح نتائج الانتخابات أقل أهمية من السؤال الذي تطرحه: هل تغيرت النخبة أم تغيرت مواقعها؟ عندما يتقدم حزب ويتراجع آخر، لا يعني ذلك بالضرورة أن طبقة سياسية حلت محل أخرى. قد يكون ما حدث إعادة توزيع داخل المجال نفسه. وقد تدخل عناصر جديدة إلى هذا المجال، لكنها لا تعمل في فراغ؛ إنها تتفاوض مع شبكات قديمة، وتستفيد من موارد موجودة، وتعيد تركيب تحالفات سابقة، وتنتج بدورها أشكالا جديدة من النفوذ.

فالقول إن هناك استمرارية فقط خطأ، والقول إن هناك قطيعة فقط خطأ أيضا. الجديد لا يولد خارج القديم تماما، والقديم لا يبقى على صورته السابقة. إنهما يدخلان في علاقة صراع وتداخل وإعادة تركيب. وهذه الجدلية تظهر بوضوح في العلاقة بين الحزب والنخبة المحلية. الحزب قد يقدم نفسه باعتباره قوة تجديد، لكنه إذا اعتمد في توسعه على استقطاب أشخاص يمتلكون أصلا موارد اجتماعية وانتخابية، فإن التجديد يصبح قابلا لتفسير آخر: ربما نحن أمام إعادة تركيب للنخبة أكثر من إنتاج نخبة جديدة. الفرق هنا حاسم. استقطاب النخب القائمة يوسع قدرة الحزب على المنافسة؛ أما صناعة نخبة جديدة فتفترض تغيير مسارات الصعود السياسي نفسها.

ومن هنا يصبح السؤال الموجه إلى الأصالة والمعاصرة أكثر عمقا من سؤال عدد المقاعد. هل الحزب أنتج شروطا جديدة للصعود السياسي؟ أم أنه نجح أساسا في جمع قوى اجتماعية وانتخابية كانت موجودة قبله؟ وهل تحولت “الحداثة” من خطاب عن تغيير السياسة إلى آلية فعلية لتغيير مصادر النخبة؟ أم أن الحداثة السياسية في بعض صورها أصبحت طريقة جديدة لإدارة منافسة قديمة على المواقع والموارد؟

ومن هنا أيضا ينبغي فهم العلاقة بين الصدارة والأغلبية والحكومة. المرتبة الأولى ليست أغلبية، والأغلبية ليست مجرد جمع حسابي للمقاعد، وتشكيل الحكومة ليس امتدادا آليا للانتخابات. الصندوق ينتج ترتيبا، ثم تدخل السياسة مرة أخرى لإنتاج ائتلاف وتوازن وتفاوض. ولذلك فإن الحزب الذي يتصدر الانتخابات يواجه، بعد الصندوق، مشكلة مختلفة تماما عن المشكلة التي واجهها قبله: لم يعد السؤال كيف يربح، وإنما كيف يحول ربحه الانتخابي إلى قدرة على تركيب السلطة.

وهنا يظهر التناقض في صورة أكثر وضوحا الانتخابات تفرد حزبا، بينما الحكومة تجمع أحزابا. الصندوق يخلق مركزا، والمؤسسة تعيد فرض التعدد. ولذلك فإن منطق المنافسة الانتخابية لا يطابق منطق الحكم. الحزب يستطيع أن يكون الأول من دون أن يكون قادرا على الحكم منفردا، وقد يكون جزءا من أغلبية من دون أن يكون صاحب المبادرة الأولى في إنتاجها. وهذه ليست مفارقة عرضية، وإنما نتيجة طبيعية لبنية انتخابية وبرلمانية تقوم على تعدد القوى.

لكن الخطأ المقابل هو اختزال الناخب في الحشود بالمعنى الذي يجعل منه كائنا بلا عقل أو حتى ربطه بالجمهور. هنا ينبغي تجاوز القراءة السطحية. الناخب ليس فردا يفقد عقله بمجرد دخوله الجماعة. الأدق هو أن نفهم كيف تعمل الهوية الاجتماعية، والتماهي، والتأثير المتبادل، والرمز، والذاكرة، والانتماء في تشكيل الاختيار. الجماعة لا تلغي الفرد؛ إنها تعيد تشكيل شروط قراره.

وفي هذا المستوى تحديدا يتقاطع لوفو مع إيكلمان. الأول يساعدنا على رؤية وظيفة الوسيط والنخبة المحلية داخل الدولة السياسية، والثاني يساعدنا على رؤية البنية الاجتماعية والثقافية التي تمنح بعض الوسطاء قدرتهم على التأثير. وهنا نخلص إلى أن النخبة ليست كتلة واحدة، فهي مجال من التنافس والتوازن وإعادة توزيع المواقع.

من هنا يصبح ما جرى في 2026 قابلا لقراءة مختلفة تماما. صعود حزب وتراجع آخر ليس فقط حركة أرقام؛ إنه إعادة توزيع لقنوات الوصول إلى البرلمان. وصول وجوه جديدة لا يعني بالضرورة ولادة نخبة جديدة؛ فقد تكون الوجوه الجديدة حاملة لشبكات قديمة. تراجع حزب لا يعني اختفاء قاعدته الاجتماعية؛ فقد يكون التراجع مؤقتا أو مرتبطا بقدرة تنظيمية أو سياق انتخابي محدد. وصعود تيار سياسي لا يعني بالضرورة أن المجتمع كله تحرك في اتجاهه؛ فقد يكون قد نجح في تنظيم قطاع معين من المجتمع أكثر من غيره.

لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحا بعد انتخابات 2026 هو هل تغيرت بنية النخبة السياسية المغربية، أم تغيرت آليات توزيع المواقع داخلها؟ وعند هاته الإشكالية تصبح انتخابات 2026 لحظة كاشفة أكثر منها لحظة فاصلة. إنها تكشف أن المجتمع السياسي المغربي لا يتحرك في خط مستقيم من التقليد إلى الحداثة، ولا من القبيلة إلى الحزب. لهذا فإن أصعب ما يمكن أن تقوله لنا انتخابات 2026 ليس من احتل المرتبة الأولى، وإنما أنها أعادت طرح السؤال القديم بصيغة جديدة من ينتج السلطة السياسية في المغرب؟

هنا لا يعود الصندوق نقطة نهاية. إنه مجرد لحظة تظهر فيها نتيجة صراع اجتماعي وسياسي طويل. وما نراه في البرلمان هو الشكل الأخير لعملية بدأت قبل ذلك بكثير: في المجال، وفي الذاكرة، وفي القبيلة، وفي المدينة، وفي الحزب، وفي العلاقات الشخصية، وفي الرموز، وفي المصالح، وفي القدرة على التعبئة.

ومن ثم فإن الرهان الحقيقي في قراءة انتخابات 2026 لا ينبغي أن يكون معرفة من جلس في مقدمة المشهد، وإنما تفكيك الآليات التي جعلت بعضهم يصل إلى تلك المقدمة، ومعرفة ما إذا كانت تلك الآليات نفسها قد تغيرت.

فقد تتغير المقاعد دون أن تتغير قواعد إنتاجها، وقد تتغير الأحزاب دون أن تتغير وظيفة الوساطة، وقد تتغير لغة السياسة دون أن تتغير علاقات القوة التي تتحرك تحتها. وقد يحدث العكس أيضا: قد تبدو التحولات سطحية، بينما تكون بعض القواعد العميقة قد بدأت فعلا في التحول.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مباشر | نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 17:54

مباشر | نتائج الانتخابات ومرشحو رئاسة الحكومة

صوت وصورة
البطالة تُهجّر شباب تيفلت
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 14:42 3

البطالة تُهجّر شباب تيفلت

صوت وصورة
أسعار اللحوم تواصل الارتفاع
الجمعة 25 شتنبر 2026 - 10:48 11

أسعار اللحوم تواصل الارتفاع

صوت وصورة
خصاص الكتب يرهق الأسر
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:48

خصاص الكتب يرهق الأسر

صوت وصورة
احتفالية في بيت المنصوري
الخميس 24 شتنبر 2026 - 23:42 24

احتفالية في بيت المنصوري

صوت وصورة
شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح
الخميس 24 شتنبر 2026 - 18:46 7

شوكي: تراجع النتائج رسالة للتصحيح