من يقود العالم..؟

من يقود العالم..؟
الإثنين 28 شتنبر 2026 - 10:56

كثيرا ما أشكك في اختزال قيادة العالم، وهو يرزح تحت نير الخوارزميات، متسائلا أهي مجرد أداة لتحسين القرار، أو أنها بوصلة للمشاركة في إنتاجه وترتيب أولوياته ومحاكاة احتمالاته، وربما تضييق مجال الخيارات التي يراها الإنسان ممكنة. إذا كان الأمر كذلك، فما مصير العقل السياسي، وماذا يبقى من السيادة حين تدخل الآلة إلى المنطقة التي كانت تُعدّ تاريخيا المجال الأكثر حساسية للسيادة؛ أي صناعة القرار الاستراتيجي؟
لنتفق مبدئيا أن هناك مؤشرات متزايدة على أن الذكاء الاصطناعي ينتقل من وظائف التحليل والمساعدة إلى قلب عمليات التخطيط الاستراتيجي، والاستخبارات وتقدير المخاطر واللوجستيك والمحاكاة وتوجيه العمليات العسكرية. ويشير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي العسكري اتسع خلال السنوات الأخيرة من الأسلحة ذاتية التشغيل إلى استخدامات تشمل الاستهداف والتخطيط وتحليل الاستخبارات وأنظمة دعم القرار.

فالمسألة في هذا السياق، لا تتعلق فقط بسرعة الآلة أو قدرتها على معالجة كميات هائلة من البيانات. الخطر الفلسفي يبدأ عندما تتحول السرعة إلى معيار للقرار، والقدرة الحسابية إلى بديل عن الحكم، والتنبؤ الاحتمالي إلى مرجعية للفعل السياسي. فالقرار البشري، مهما كان ناقصا يتأسس على التاريخ والخبرة والقانون والمسؤولية والذاكرة السياسية والتقدير الأخلاقي. أما النظام الخوارزمي فيتعامل مع العالم بوصفه شبكة من البيانات والأنماط والاحتمالات. وبين المنطقين تقع فجوة لا يمكن اختزالها في مسألة تقنية.

أشير إلى أن هانا أرندت طرحت سؤالا استراتيجيا حول معنى الفعل السياسي ودلالته الجديدة: هل يمكن أن يبقى الفعل فعلا سياسيا إذا جرى اختزاله إلى مخرجات حسابية؟ فالسياسة عند أرندت ليست مجرد إدارة للموارد والمخاطر، وإنما فضاء للفعل الإنساني المشترك، حيث يظهر الإنسان بوصفه كائناً قادرا على المبادرة وفتح ما لم يكن متوقعا. والخوارزمية في المقابل، تميل إلى تحويل المستقبل إلى فضاء قابل للنمذجة والتوقع. إنها لا تلغي المستقبل، لكنها تعيد تعريفه باعتباره سلسلة من الاحتمالات القابلة للحساب.

وإذن فالخطر الحقيقي، في اعتقادي، أقل ارتباطا بفكرة “تمرد الآلة” وأكثر اتصالا بما يمكن تسميته استقالة العقل من وظيفته السيادية. إذ الآلة لا تحتاج إلى أن تستولي على الحكم كي تصبح قوة حاكمة؛ يكفي أن يصبح صانع القرار عاجزا عن مخالفة توصياتها، أو أن تتحول مخرجاتها إلى معيار مسبق لما ينبغي فعله. وقد حذرت وثائق أممية من ظاهرة “انحياز الأتمتة”، أي الميل إلى قبول المخرجات التي تنتجها الأنظمة الحاسوبية دون مساءلة كافية، بما قد يضعف الخبرة والحكم البشريين. كما تناولت مخاطر إزاحة الحكم البشري، وغموض الخوارزميات، وتأثير الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في سلاسل القيادة وصناعة القرار الاستراتيجي. ويمكن استعادة فوكو بصورة مختلفة، في أن السلطة الحديثة لا تحتاج دائما إلى أن تأمر؛ يكفي أن تعيد تنظيم مجال الممكن. فإذا أصبحت الخوارزميات قادرة على تحديد السيناريوهات وفرز المخاطر وتقدير الخصوم واقتراح مسارات الفعل، فإنها لا تقدم قرارا فحسب، وإنما تعيد تشكيل الحقل الذي يظهر داخله القرار. إنها لا تقول للسياسي فقط: “افعل هذا”، وإنما قد تقول له، بصورة أكثر خفاءً: “هذه هي الخيارات التي تستحق أن تراها أصلا”.

ومن هذه الزاوية، يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من هندسة السلطة العالمية. فالتنافس الدولي لم يعد يجري فقط على الأرض أو في البحار أو الفضاء، وإنما على امتلاك البنية التحتية للحساب (الرقائق، ومراكز البيانات، والطاقة، والنماذج الأساسية، والبيانات، وسلاسل الإمداد، والكفاءات العلمية)، والقدرة على تحويل المعرفة إلى أنظمة قابلة للتوسع. وتؤكد منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي أن التنافس الجيوسياسي والتكنولوجيات المتقاربة أعادا السياسة الصناعية والاستراتيجية التكنولوجية إلى مركز اهتمام الدول، فيما أصبح تعزيز مرونة سلاسل القيمة وتطوير التقنيات المتقدمة جزءاً من الأولويات الاستراتيجية.

وهذا يعني أن سؤال “من يقود العالم؟” لم يعد قابلا للإجابة من خلال أسماء الدول وحدها. فهناك الدولة والشركة التكنولوجية ومركز البيانات ومختبر الذكاء الاصطناعي وشبكة الرقائق والمنصة الرقمية والمؤسسة العسكرية والخوارزمية نفسها، بوصفها جميعا حلقات في بنية جديدة لإنتاج القوة. لقد بدأت الجغرافيا السياسية تتحول تدريجياً إلى جغرافيا للقدرة الحسابية.

وفي الاقتصاد، تتغير المسألة كذلك. فالدولة التي كانت تقيس قوتها بالناتج الصناعي والموارد الطبيعية وحجم السوق، تجد نفسها أمام مؤشرات جديدة للقوة، من حيث القدرة على إنتاج النماذج وامتلاك البيانات والتحكم في البنية السحابية وتصنيع الرقائق واستقطاب العلماء، وربط الذكاء الاصطناعي بالتصنيع والبحث العلمي والدفاع. ولذلك لم يعد الذكاء الاصطناعي قطاعاً اقتصادياً منفصلا؛ إنه يتحول إلى بنية تحتية عابرة للقطاعات تعيد ترتيب الصناعة والعمل والمال والتجارة.

أما القانون، فإنه يواجه مأزقا أكثر تنعقيدا، من يتحمل المسؤولية عن قرار لا يستطيع أحد أن يفسر تماما كيف وُلد؟ إذا أوصت منظومة ذكية بتصعيد عسكري أو رفضت معاملة أو أعادت ترتيب أولويات اقتصادية أو صنفت شخصاً أو مؤسسة باعتبارها عالية المخاطر، فإن السؤال القانوني لا يتعلق فقط بصحة النتيجة، وإنما بسلسلة المسؤولية التي أنتجتها. ولذلك فإن قضية الشفافية والتفسير والمساءلة ليست مسائل تقنية ثانوية؛ إنها تمس جوهر الدولة القانونية نفسها. وقد أشارت منظمة التعاون والتنمية إلى أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي، إلى جانب ضعف الشفافية وانحياز البيانات، يمكن أن يضر بجودة القرار والمساءلة والثقة العامة.

لكن المجال الأكثر حساسية يظل مجال الحرب. فكلما اندمج الذكاء الاصطناعي في الاستطلاع والاستهداف والتخطيط والقيادة، انكمش الزمن المتاح للإنسان كي يتردد ويشك ويتحقق ويتراجع. وقد حذرت دراسات SIPRI من أن إدماج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية يمكن أن يضغط الجداول الزمنية لاتخاذ القرار، ويرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد، بما في ذلك في السياق النووي. (SIPRI)

ووفق ذلك تظهر مفارقة العصر، في أنه كلما ازدادت الآلة قدرةً على تسريع القرار، ازدادت الحاجة إلى الإنسان كي يبطئه. فالحكمة السياسية ليست في أن تعرف الآلة ما يمكن أن يحدث فقط، وإنما في أن يملك الإنسان القدرة على السؤال: هل ينبغي أن يحدث؟ وما الثمن الأخلاقي والقانوني والإنساني لذلك؟

لهذا فإن المعركة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، كما تصورها المخيلة الشعبية، وإنما بين نموذجين للسيادة، سيادة سياسية تجعل التكنولوجيا خاضعة للحكم البشري والقانون، وسيادة خوارزمية تنشأ تدريجيا من اعتماد المؤسسات على أنظمة لا تملك شرعية سياسية، لكنها تمتلك قدرة هائلة على تشكيل ما نراه، وما نتوقعه، وما نعدّه ممكناً

ولعل هذا هو المعنى الأعمق للتحذيرات الدولية الراهنة. فالأمم المتحدة نفسها دفعت خلال 2025 و2026 نحو نقاش عالمي حول الذكاء الاصطناعي والسلام والأمن، فيما حذر فريقها العلمي الدولي المستقل من أن الضمانات الحالية لا تواكب سرعة تطور قدرات الذكاء الاصطناعي. (ONU)

إنه حين تصبح الاستراتيجية السياسية والعسكرية والاقتصادية والقانونية رهينة لنظم قادرة على إنتاج خرائط الاحتمال قبل أن ينتج العقل البشري حكمه، فإننا نكون أمام لحظة تاريخية جديدة. لحظة انتقال مركز الثقل من سلطة امتلاك القوة إلى سلطة امتلاك القدرة على تعريف الممكن.

هذه الصياغة تجعل فرضية “من يقود العالم؟” مدخلا إلى سؤال أعمق عن السيادة على القرار، لا مجرد سؤال عن تفوق الذكاء الاصطناعي. ويمكن أيضا دفع النص في اتجاه أكثر فلسفية، باستحضار هايدغر، أرندت، فوكو، هابرماس، برونو لاتور، وشوشانا زوبوف، وبناء مفهوم مركزي مثل، “الاستلاب الخوارزمي للقرار” أو “نهاية السيادة البشرية على الممكن”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
تعليقات على النتائج الانتخابية
الأحد 27 شتنبر 2026 - 19:33 7

تعليقات على النتائج الانتخابية

صوت وصورة
شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين
الأحد 27 شتنبر 2026 - 18:08

شكاوى "فضاء السعادة" بالهراويين

صوت وصورة
أزمة الكراء في سلا
الأحد 27 شتنبر 2026 - 13:17 9

أزمة الكراء في سلا

صوت وصورة
مدرسة عتيقة بحلة جديدة
الأحد 27 شتنبر 2026 - 10:27 4

مدرسة عتيقة بحلة جديدة

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 8

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 7

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي