موجة "كوفيدات" 2021

موجة "كوفيدات" 2021
الأحد 18 أكتوبر 2020 - 13:11

كانت الانتخابات وستبقى المتنفس الوحيد الذي يشعر المواطن فيه بأنه يمارس ما عرف في قاموس الديمقراطيين بـ “الشعب يحكم نفسه بنفسه” من خلال ممارسة “حرية اختيار” من يدبر الشأن الوطني والإقليمي والمحلي، فهل تشكل الانتخابات بالمغرب تمرينا ديمقراطيا حقيقيا، أم هي فقط وسيلة لإلهاء الناس وإيهامهم بأنهم يمارسون حقهم في اختيار من يحكمهم ويدبر شأنهم؟

في بلدي المغرب، ما إن تصبح الانتخابات على الأبواب، حتى تجد نوافد الدكاكين السياسية الحزبية مشرعة تطل من خلالها كائنات سياسية حفظها المغاربة عن ظهر قلب، بفعل ما تجرعوا من ويلات سياساتهم التدبيرية للشأن المحلي والإقليمي والوطني، كائنات فقدت دم الوجه، وامتلكت من الجرأة والخبث ما يجعلها لا تجد حرجا في التواصل مع الناس، مرة أخرى، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال التواجد في المقاهي الشعبية أو في الأسواق الأسبوعية، كائنات باتت مباشرة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات السابقة مجهرية لا ترى بالعين المجردة، ولأن هذه الانتخابات تشكل فرصة سانحة ومواتية لتوظيف غير مباشر ومريح ولا يحتاج فيه الناجح لاجتياز اختبارات معقدة أو مقابلات يعرف من خلالها مدى كفاءة هذا الناجح للمنصب الجديد، وما دام هذا التوظيف يقتضي الحضور الفعلي للمرشحين فإن هذه الكائنات السياسية تجد نفسها مجبرة على التواصل مع المنتخبين “بكسر الخاء” وتزويد هم بمشاريع ضخمة مغرية على الورق طبعا، مرفقة بحلول لمعضلات اقتصادية واجتماعية، مسخرة وجوه جديدة من الشباب العاطل المهمش ليروج لخطابات ألفها المغاربة، خطابات “تبشر” بأن هذه الحلول والمشاريع ستحد من نزيف البطالة ومن وتيرة الهجرة السرية السريعة، وستنعش الاقتصاد لتوفر فرص العمل للشباب المغربي الحامل للشهادات العليا، وفرص عمل أخرى للشباب الذي لم يتمكن من متابعة دراسته من خلال إحداث مشاريع من قبيل المقاولات الصغرى، هي مشاريع وحلول تدرك هذه الكائنات أنها مجرد حيل جديدة قديمة ستنطلي على الشعب، وستمكنهم من العودة لاقتراف جرم اختلاس ونهب المال العام، وتحت مظلة القوانين المغربية طبعا.

إن الجزء الأكبر من المغاربة الذي حفظ واستوعب “قوانين” اللعبة الانتخابية، يشعر بحزن وقلق كبيرين على مستقبل البلد في ظل استمرار وجود الكائنات السياسية نفسها في دواليب تسيير الشأن المحلي والإقليمي والوطني، حزن وقلق مرفقين بأمل حذر جراء بزوغ بعض النور، في سواد الظلمة والعتمة، الذي أظهره بعض المنتخبين، بفتح الخاء، من كفاءة وغيرة وإبداع في مجال التسيير والتدبير طيلة ولايتهم، وإلا فاليأس والإحباط هما العملتان الصدئتان اللتان شكلتا إحدى مخلفات نسبة كبيرة جدا من المنتخبين الفاسدين المرتشين الجشعين، الذين وظفوا المال العام في نفخ رصيدهم البنكي و”بريستيجهم” المزيف من خلال اقتناء عقارات باهظة الثمن أو سيارات فارهة وظفت فقط لاستعراض عضلات هذه الكائنات السياسية أمام أنظار من انتخبوهم، موجهين بذلك رسائل رديئة للشباب المغربي العاطل واليائس، رسائل مفادها “أن الأمية والرشوة وشراء الذمم في الانتخابات تعبد لك طريقا سالكا نحو الغنى الفاحش والمكانة المرموقة والجاه والنفوذ، وبالمقابل فإن التعلم والتحصيل ونيل الشهادات العليا هو سبيل إلى البطالة والهشاشة والإحباط واليأس”.

لقد تبين، منذ الاستقلال، أن الانتخابات الجماعية والتشريعية هي مجرد وسيلة تمتطيها فئة من المغاربة “المحظوظين” للدخول إلى عالم المال والأعمال والثراء، وتبين أيضا أن الشعب المغربي لا يتقن أو على الأقل لا يحسن استعمال ورقتي المحاسبة والعقاب لإقصاء كل من لم يف بوعوده كاملة أو جزء منها، كما يجري عادة في الدول الديموقراطية، وسيظل تغييب توظيف هاتين الورقتين الهامتين جدا في أي تمرين ديموقراطي ما دامت عوامل سوسيوثقافية، وأخرى سياسية قائمة؛ الأولى تتمثل في تفشي الهشاشة الاجتماعية، والجهل والأمية، والثانية تتمثل في نمط الاقتراع، وطريقة التقطيع، التي تعتبر في نظر الخبراء من أبرز عيوب النظام الانتخابي بالمغرب، إضافة إلى تدخل الدولة خاصة في ما يتعلق بالجهة المخول لها الإشراف القانوني على سير العملية الانتخابية من ألفها إلى يائها، والتي لحد الآن لم يتم تحديدها وفق الأعراف والقوانين الانتخابية المعمول بها في الدول التي تحترم نفسها؛ تحديد من شأنه أن يساهم في أن تستوطن الديموقراطية، هذا الغائب الأكبر، بلدنا الحبيب إن المغرب، يعاني، شأنه شأن باقي دول العالم الثالث، من غياب حرية التعبير وعدالة في اقتسام الثروات وتكافؤ الفرص بين المغاربة، وحلول ناجعة وجدية لأزمتي البطالة والأمية، وإرادة سياسية واضحة وممنهجة لتفعيل حقيقي للاتمركز القرار وسيادة القانون على الجميع، وبالتالي ستظل هذه “الغيابات” عائقا حقيقيا أمام أي انتقال ديموقراطي بالمغرب، وأمام أي رغبة في اقتحام بوابة مصاف الدول الديموقراطية.

إنه من المفارقات العجيبة أن يدرك أصحاب القرار خطورة غياب أو تغييب هذه المؤشرات الدالة والمفسرة لاحتلال المغرب مراتب غير مشرفة وغير مطمئنة في مجال التنمية والدخل الفردي والاستقرار النفسي والاجتماعي… ولا يبذلون مجهودات معتبرة لتنظيم انتخابات حقيقية نزيهة وشفافة لتحيين المشهد السياسي واستبدال المسؤول الأمي والجاهل والمرتشي والفاشل بأطر وكفاءات شابة قادرة على تحمل المسؤولية وتسيير الشأن العام المحلي والإقليمي والوطني، قادرة على إبداع حلول وبدائل في مجال التربية والتكوين والشغل والاقتصاد والبحث العلمي، قادرة على التقييم والتشخيص وسن قوانين تساير التطور السريع لقضايا مستجدة عرفها المجتمع المغربي أخيرا ومع ذلك يتعامل معها بظهائر خمسينيات القرن الماضي.

إنه من البديهي أن يحتاط المغاربة من “كوفيدات” 2021، ولكن ليس بوضع “الكمامات” وتنظيف اليدين بالماء والصابون، بل بممارسة فعل العقاب والمحاسبة والتطويح بكل من خدع وغش المغاربة إلى مزبلة التاريخ، ولعل التطويح هو تدبير ناجع يدخل ضمن التدابير الاحترازية لمواجهة “كوفيدات 2021″ وفي انتظار الموجة القادمة نسأل الله تعالى أن يصرف عنا الوباءين كوفيد 19 و”كوفيدات 2021”.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

3
  • Hassan
    الأحد 18 أكتوبر 2020 - 14:24

    قيل عن الإنتخابات :_الإنتخاب هو سبعة أيام ديال الزرقة و المرقة ، نهار ديال الورقة ، و خمس سنين ديال السرقة . و و و . أما عن القسمة فقيل قسمة بني دغل شي ياخد البردعة وشي ياحد البغل

  • Lamya
    الأحد 18 أكتوبر 2020 - 15:29

    متى تطبق فعليا ربط المسؤولية بالمحاسبة بعد استقلال القضاء المغربي عن وزارة العدل?! التخلف راجع ليس لقلة في الكفاءات و انما وضع الشخص المناسب في المكان المناسب, و القطع مع الاغتناء بالانتخابات بالريع و الرشوة و التهرب الضريبي و اكل المال العام..النزاهة و تخليق الحياة العامة و السياسية شيء مهم جدا و بدون نزاهة و خدمة الوطن و المواطنين بتفان لا يوجد شيء على الاطلاق..

  • Lamya
    الأحد 18 أكتوبر 2020 - 16:04

    التربية على الاخلاق و النزاهة و العفة و خدمة الوطن مهمة جدا, في الدول المتقدمة يتم تربية الابناء او المواطنين على ان الاخلاق و النزاهة و خدمة مصالح الوطن هي من خدمة الفرد او المواطن نفسه في الحياة الدنيا, يعني ان الاستفادة تعمم الان و ليس في الاخرة فقط, يعني انه مبدا اعمل لدنياك مرتبط باعمل لاخرتك و ليس هناك تضاد بين الدنيا و الاخرة. مثلا تجد اسئلة من المغاربة: ماذا اعطاني الوطن? و هل ساكل الحب او الاخلاق? و ماذا ستفعل لي النزاهة و حب الوطن?
    اسئلة كلها تنم عن جهل بالربط بين الاخلاق و ماهو دنوي, يعني ان الاخلاق لا تنفع في الدنيا بل في الاخرة فقط. و هذا بطبيعة الحال مفهوم خاطئ لضرورة تخليق الحياة العامة, حيث انه ينظر للتحايل للنفع الشخصي على انه ذكاء دنوي.

صوت وصورة
ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 21:38

ميطا 3 | رباعي مغربي في مجموعات إفريقيا

صوت وصورة
نواب يعددون أعطاب التعليم العالي
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 19:41 1

نواب يعددون أعطاب التعليم العالي

صوت وصورة
خريطة جامعية جديدة
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 18:03 2

خريطة جامعية جديدة

صوت وصورة
الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:35

الأكاديمية تحتفي بالأمير تركي الفيصل

صوت وصورة
من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:30 3

من الزليج البلدي إلى ألعاب الذكاء

صوت وصورة
التأمين المهني مع ''ACAPS''
الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 10:31

التأمين المهني مع ''ACAPS''