موعد جديد مع التاريخ

موعد جديد مع التاريخ
صورة: أ.ف.ب
الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:33

ثمة لحظات نادرة في تاريخ الأمم يتغير فيها معنى الطموح، فتغادر الأحلام دائرة التمني إلى فضاء الاستحقاق، ويتحول ما كان يعد إنجازا استثنائيا إلى حد أدنى من التطلعات، وتلك هي اللحظة التي تقف عندها كرة القدم المغربية اليوم، بعدما نجحت في تغيير نظرة العالم إليها، والأهم أنها غيرت نظرة المغاربة إلى أنفسهم، فلم يعد الحلم بالمنافسة بين الكبار ترفا عاطفيا، بل أصبح واجبا تفرضه المكانة التي بلغها “أسود الأطلس”.

حين يدخل المنتخب المغربي مساء الغد إلى أرضية ملعب “نيويورك – نيوجيرسي” لمواجهة البرازيل في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026، فإنه لا يخوض مباراة عادية في دور المجموعات، ولا يفتتح مشاركة جديدة في سجل الحضور المونديالي، وإنما يضع قدميه على عتبة مرحلة جديدة من تاريخه الرياضي، مرحلة لم تعد فيها المشاركة هدفا، ولم يعد فيها العبور إلى الدور الثاني إنجازا كافيا للاحتفال، لأن ما تحقق في قطر قبل أربعة أعوام غيّر قواعد اللعبة إلى الأبد.

في الدوحة، لم يصل المغرب إلى نصف النهائي فقط، بل بلغ منطقة كانت تبدو لسنوات طويلة محرمة على منتخبات خارج الدائرة التقليدية للقوى الكروية، وحين غادر أسود الأطلس تلك البطولة لم يحملوا معهم النتائج وحدها، وإنما حملوا صورة جديدة للكرة المغربية، صورة منتخب قادر على هزم بلجيكا وإقصاء إسبانيا والتفوق على البرتغال والوقوف ندا لند أمام أكبر مدارس اللعبة، ومنذ تلك اللحظة لم يعد ممكنا العودة إلى لغة التبرير القديمة، ولا إلى ثقافة الاكتفاء بالمشاركة.

ذلك الإنجاز لم يكن ضربة حظ، ولم يكن وليد شهر استثنائي من المنافسة، وإنما كان ثمرة سنوات من التخطيط والعمل والاستثمار في الإنسان، فقد أدرك المغرب مبكرا أن كرة القدم الحديثة لا تبنى بالشعارات ولا بالصدف، وإنما بالمشاريع طويلة النفس، فاستثمر في التكوين، وطور البنية التحتية، ووسع دائرة اكتشاف المواهب، وربط المنتخب الأول بمنظومة كاملة من الفئات السنية، حتى أصبحت النجاحات تتوالد من داخل المشروع نفسه لا من خارجه.

ولهذا السبب بالتحديد، تبدو كأس العالم الحالية مختلفة عن كل ما سبقها، لأن المنتخب المغربي لا يدخلها وهو يحمل عبء إثبات الذات، بل يدخلها وهو يحمل عبء تأكيد الذات، والفارق بين الأمرين كبير، فإثبات الذات مهمة الباحثين عن الاعتراف، أما تأكيد الذات فهو مهمة الكبار الذين أصبحوا مطالبين بالدفاع عن مكانتهم في كل اختبار جديد.

في هذا السياق يأتي محمد وهبي إلى الواجهة، الرجل الذي صنع اسمه بعيدا عن الأضواء، والذي قاد منتخب الشباب إلى إنجاز عالمي غير مسبوق، ثم وجد نفسه فجأة في قلب أكبر تحد رياضي يمكن أن يواجهه مدرب مغربي، فالإرث الذي خلفه وليد الركراكي ليس مجرد نتائج وأرقام، بل حالة من الثقة الجماعية تشكلت داخل المنتخب وخارجه، وجماهير اعتادت أن ترى منتخبها بين الكبار، ولا تقبل العودة إلى الخلف.

ومع ذلك، فإن ما يبعث على الاطمئنان أن هذا المنتخب لا يعيش على أمجاد الماضي، فداخل المجموعة الحالية مزيج نادر من الخبرة والطموح، هناك لاعبون عاشوا ملحمة قطر بكل تفاصيلها ويحملون ذاكرة المنافسات الكبرى، وهناك وجوه جديدة جاءت وهي تؤمن بأن ما تحقق لم يكن سقفا نهائيا للطموح، وإنما بداية طريق أطول، وهذه العقلية تحديدا هي ما يميز المنتخبات التي تملك القدرة على الاستمرار.

لقد تغير شيء عميق في الوعي الكروي المغربي، شيء يتجاوز النتائج والألقاب، فقبل سنوات كان الحديث عن المنافسة على كأس العالم يبدو أقرب إلى الأمنيات العاطفية، أما اليوم فإن الفكرة نفسها تناقش بهدوء وثقة، ليس لأن المهمة سهلة، بل لأن المغرب فرض لنفسه مكانة تجعل الحلم مشروعا، وتجعل الطموح الكبير امتدادا طبيعيا لما تحقق على أرض الواقع.

لهذا تكتسب مواجهة البرازيل كل هذه الرمزية، فالأمر لا يتعلق فقط بملاقاة المنتخب الأكثر تتويجا في تاريخ اللعبة، ولا بمواجهة أسماء صنعت أمجاد كرة القدم العالمية، بل يتعلق أيضا بقياس المسافة التي قطعها المغرب في رحلته نحو النضج الكروي، فقبل عقود كانت مثل هذه المواجهات تدار بعقلية الدفاع عن الكرامة الرياضية، أما اليوم فإنها تدار بعقلية البحث عن الفوز.

البرازيل تدخل البطولة وهي تحمل تاريخها وثقل ألقابها وطموح استعادة الكأس الغائبة منذ عام 2002، لكنها تواجه منتخبا مغربيا يدرك جيدا قيمة اللحظة، ويعرف أن الاحترام لا يعني الخضوع، وأن التاريخ لا يسجل الأهداف، وأن كرة القدم الحديثة لا تعترف إلا بما يقدمه اللاعبون فوق أرضية الملعب.

ثم إن للقدر أحيانا طريقته الخاصة في صناعة الرموز، فالمباراة الافتتاحية للمغرب ستقام على الملعب نفسه الذي سيحتضن النهائي بعد أسابيع قليلة، وقد يبدو الأمر تفصيلا عاديا في جدول المنافسة، لكنه يحمل دلالة عميقة، فمن يبدأ رحلته من أرض النهائي يحق له أن يتطلع إلى العودة إليها، لا كحلم بعيد، وإنما كغاية تستحق السعي والمغامرة.

صحيح أن الطريق طويل، وأن البطولة مليئة بالمنعطفات القاسية، وأن التفاصيل الصغيرة قد تصنع الفارق بين المجد وخيبة الأمل، لكن التاريخ لا يكتبه المترددون، وإنما أولئك الذين يملكون الجرأة على ملاحقة المستحيل، وهذا بالتحديد ما يميز المغرب اليوم.

غدا، عندما يقف اللاعبون المغاربة لأداء النشيد الوطني، لن يكونوا وحدهم في تلك اللحظة، ستكون معهم ذاكرة أجيال حلمت طويلا بمكان بين كبار العالم، وستكون معهم سنوات من العمل والتضحيات والرهانات التي وضعت على مشروع آمن بنفسه قبل أن يؤمن به الآخرون، وسيكون أمامهم موعد جديد مع التاريخ.

وعندما يصبح الحلم واجبا، وعندما يتحول الطموح إلى مسؤولية، وعندما يدخل منتخب إلى كأس العالم وهو مقتنع بأنه قادر على منافسة الجميع، فإن التحول يكون قد اكتمل بالفعل، أما النتائج فهي مجرد فصل جديد في حكاية بدأت منذ سنوات، وما زالت تكتب سطورها الكبرى حتى الآن.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

‫تعليقات الزوار

20
  • عبده
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:44

    إن شاءالله خير، العامل النفسي و الانضباط و الجاهزية و الرزانة، مفتاح الفوز ، يجب على المدرب والطاقم الفني العمل عليه بجدية والصبر عليه في المنديال، منتخب الأرجنتين فاز باللقب في 2022 لأنه عمل عليه، ديما مغرب، الله، الوطن، الملك.

  • مسافر
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:48

    الحكاية بدات فمكسيكو ، تورخناها في قطر و سنكتب التاريخ في أمريكا ببصمة مغربية خالصة
    1970-2026 انتهى الكلام

  • ملاحظة
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:51

    حذاري من البرازيل فهي ستلعب هذه المباراة كانها نهائي لانها سترغب في الانتقام و تريد الفوز على المغرب بشدة لذلك ربما ستحاول ما امكن اصطياد ضربات الخطأ و ضربات الجزاء و حذاري من الدقائق الأخيرة

  • بلبل
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:51

    المنتخب المغربي سوف يصل الى المباراة النهائية ..قولو قالها بلبل

  • Mohammed
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:52

    مضحك امرنا ، و حتى اذا افترضنا اننا فزنا بكأس العالم ماذا سيحدث .
    تذكر المرة الماضية فازت بها الارجنتين ماذا وقع هل اصبحت الارجنتين قوة اقتصادية هل اصحبت الارجنتين الرائدة في التعليم و الصحة ، هل انعكس ذالك على مدخول الشعب الارجنتيني
    اذا سألت الشعب الارجنتيني ماذا تغير فيهم بعد كاس العالم ستجد ان حالهم من سيء الى اسوء
    نفس الشيء ينطبق علينا المرة الماضية احتلنا المرتية الرابعة ماذا تغير في حال المغرب الجميع يعلم ان الشعب تم تفقيره و حتى خروف العيد لم يجد له طاقة لشراء

  • خبير
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 18:53

    المغرب و مصر سيصلان الى النصف النهائي و الجزائر و السعوديه و الاردن سيصلان الى الثمن

  • ع الجوهري
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:00

    المغرب يمتلك منتخب متكون من جميع المدارس الأوروبية +المدرسة المغربية هذا امتياز لن تجده في جميع المنتخبات المشاركة بكأس العالم ما كان ينقصنا هو مدرب ذو نظرة ثاقبة و خطط من فئة 3D وقد وجدناه إنه الجنرال وهبي وإن شاء الله يتنافس على الكأس في المرحلة الأخيرة

  • تفاوت .
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:00

    لا اعرف ولكن وضع منتخبين من ضمن الثمانية الكبار ومنتخب اوروبي يحتل راتبا متقدمة في تصنيف الفيفا يجعلنا نفكر في عدالة القرعة.

  • الحقيقة المرة
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:07

    تتبعنا للمنتخب الوطني لسنين طويلة و حبنها له جعلنا نعيش لحظات سعيدة كالتاهل للدور الثاني في مكسيكو 86 و نهائي كأس إفريقيا 2004 و عشنا لحظات إحباط كثيرة كالمشاركة المهينة في 1994 بأمريكا و أخرى بفرنسا 1998 أما في الكؤوس الإفريقية فحدث و لا حرج خصوصا كانت تسبقها الطبول و المزامير فحذاري من الطبول و المزامير يبدو أنهم كثر

  • مراقب من بعيد
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:08

    في الدوحة لعب المنتخب وكأنه يلعب في الرباط. كل العرب كانت إلى جانبه وحتى أمير قطر كان يحضر للملعب لتشجيع المغرب. أما في أمريكا العم ترامب. فالامور جد صعبة وخصوصا مع دولة مجاورة لأمريكا سوف يستحوذ جمهورها على معظم مقاعد الملعب

  • تمني
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:10

    يظهر أننا نفخما في كرة القدم المغربية أكتر من اللازم و بقدر النفيخ تكون الخسارة لها وقع سيء . أتمنى أن أكون خاطئا

  • جمال
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 19:16

    كل الدعم والتشجيع لمنتخبنا الوطني جيل قادر ان يصل إلى النهائيات محترفون جيدون يمارسون في اعتد الفرق الأوروبية نجوم ستسطع في امريكا ان شاء الله

  • معلق
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 20:17

    إن كل من له ذاكرة قوية ، يتمنى ألا يعيد التاريخ نفسه ليلة غد لكن ، ما سجله التاريخ حديثا أن بعض منتخبات البرك و المستنقعات التي حاولت بقدر ما استطاعت ، النيل من تنظيم المغرب للكان 2025 ، تعامل حاليا هناك ، كأنها مجرد ضفادع و تماسيح من مستنقعات غابة الأمازون … إني أراهم كاتمون غيضهم على مضض فمتى يعقلون.

  • barbariabdellah11
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 20:40

    ان تنصروا الله ينصركم ويثبت اقدامكم

  • الى معلق
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 21:34

    راه المغرب براسو جالس في اقامة الطلبة الثانوية .
    تصور المغرب مولف الاقامات و المنتجعات الفخمة جالس في الداخلية ديال المدرسة
    واش قدر الوفد يقول لا .
    راه كلشي في الهوا سوى بلا ما تبقى تدور تلك الكلمات

  • 19999
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 21:36

    عند الامتحان يعز المرىء أو يهان نتمنى كل التوفيق للمنتخب لكن ما يحز ويقلقني في نفسي كترة الاعطاب

  • المهم التأهل
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 22:37

    يجب ان يكون الهدف هو التأهل من دور المجموعات و ليس الفوز على البرازيل فقط، المهم ان لا نهزم في المبارة الاولى و نركز على المبارتين الباقيتين، المهم التأهل كيف ما كانت النتائج، و حتى ان خسرنا امام البرازيل فستبقى فرصتنا في التأهل قائمة بقوة، لا نضع كل اهتمامنا بالبرازيل فهي ليست الا مبارة واحدة من ثلاث مباريات.

  • المختوم
    الجمعة 12 يونيو 2026 - 23:23

    أتوقع أن يخوض المنتخبان المغربي والبرازيلي مباراة النهاية. لكن هنا سأقف قليلا احتراما للموقف المهيب. إذا وقع هذا فسيكون التاريخ الكروي لهذه اللعبة قد بدأ فصلا جديدا أتوقع فيه فوز البرازيل في ضربات الترجيح.

  • محمد احمدي
    السبت 13 يونيو 2026 - 09:21

    اذا فازت البرازيل ،فويل لاصحاب المقاهي ، و اذا فاز المغرب فويل لمن له نوافذ بمنزله تطل على الشوارع

  • دوجي
    السبت 13 يونيو 2026 - 19:34

    النتيجة النهائية هي 2 # 1 لصالح البرازيل كونو منطقيين وعقلانيين بدون عاطفة

صوت وصورة
وفرة الأسماك في الأسواق
الأحد 1 نونبر 2026 - 19:39 5

وفرة الأسماك في الأسواق

صوت وصورة
أسعار الطماطم تغضب المغاربة
الأحد 1 نونبر 2026 - 17:58 9

أسعار الطماطم تغضب المغاربة

صوت وصورة
وقفة ضد "رسوم الجامعة"
الأحد 1 نونبر 2026 - 15:34 5

وقفة ضد "رسوم الجامعة"

صوت وصورة
طانطان تحتفي بالتراث الحساني
الأحد 1 نونبر 2026 - 13:45 2

طانطان تحتفي بالتراث الحساني

صوت وصورة
مبادرة "رفاه الحيوان"
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:57 2

مبادرة "رفاه الحيوان"

صوت وصورة
الصحراء والدبلوماسية الملكية
الأحد 1 نونبر 2026 - 11:07 2

الصحراء والدبلوماسية الملكية