مَمَرُّ الرّاجلينَ

مَمَرُّ الرّاجلينَ
صورة: و.م.ع
السبت 26 شتنبر 2026 - 11:49

تملك الحياة اليومية قدرة عجيبة على إنتاج مشاهد صغيرة في ظاهرها واسعة في دلالتها. قد يمرّ الإنسان بتجربة عابرة في الطريق، أو في السوق، أو أمام باب عمارة، ثم يكتشف بعد لحظات أن تلك التجربة تختزن معنى أخلاقيا يفوق حجمها الزمني؛ فالمدينة لا تقيس رقيّها بعدد إشارات المرور، ولا بجَودة الطرق وحْدها، وإنما تقيسُه أيضا بنوعية العلاقة التي تنشأ بين الناس داخل تلك الفضاءات المشتركة: كيف ينظر الواحد إلى الآخر، كيف يفسحُ له المجال، كيف يحترمُ حقَّه، وكيف يضيف إلى القانون شيئا من اللُّطْف والتهذيب.

سيدةٌ أعادت للطريق معنى الاحترام

ذات يوم، كنت أقود سيارتي في أحد شوارع المدينة، وسط حركة سير مألوفة لم يكن فيها ما يلفت الانتباه. ولأنني أرى في القيادة سلوكًا مسؤولًا لا مجرد مهارة في التحكم بالسيارة، انتبهت، وأنا أقترب من ممرّ الراجلين، إلى سيدة تقفُ على جانبه مترقبةً فرصة العبور. فهدّأت سرعتي وتوقفت أمام الممرّ، مُفسِحًا لها الطريق، احترامًا لحقها في العبور الآمن والتزامًا بقواعد السير.

كانت السيدة تبدو حذرة ورصينة؛ تعرف حقها، لكنها لا تمارسه بعجلة أو انفعال. انتظرتُ أن تعبر، غير أنها بقيت مكانها لحظة، كأنها تتأكد من صدق توقُّفي، ربما لأنها اعتادت أن ترى سيارات لا تحترم الممرّ، أو سائقين لا يمنحون الراجل حقه كاملًا. لذلك أشرت إليها بيدي إشارة هادئة تعني أن الطريق لها وأنها تستطيع العُبور بأمانٍ.

غير أن السيدة فاجأتني حين رفعت يدها بدورها، مشيرة إليّ أن أمرّ أنا أوّلًا. لم تكن إشارتها خوفًا أو ارتباكًا، فقدْ حملت لطفًا عميقًا، كأنها تقول إن احترامكَ وصلَني، وأنا أبادلُك احترامًا باحترام. أعدتُ الإشارة إليها مؤكدًا أن الأولوية لها، لكنها أصرَّت بأدب رفيع لا يُشبه العِناد بقدر ما يُشبه النُّبل الهادئ.

في تلك الثواني القصيرة، نشأ بيننا حوار صامت بالغُ الدّلالة: أنا أقول لها إن حقها محفوظ، وهي تقول إن الاحترام يُقابَلُ باحترام. وأمام إصرارها، تقدمتُ بسيارتي ببطء شديد، لا تجاهلًا لحقِّها، وإنّما استجابة للمَعنى الجميل الذي منحتْه للمشهد. لم أرَ فيما حدث مجرد سيدة رفضت العبور، رأيت إنسانة راقية حوّلت موقفًا يوميًا عابرًا إلى درس أخلاقي. فقد بيّنَت أن الرُّقي لا يكمن دائمًا في أخذ الحقّ، فقد يكمنُ أحيانًا في طريقة التَّعامل معه.

درْسٌ في النُّبل المدني

يكشف هذا المشهد أن القانون، مهما كان ضروريًا، يحتاج إلى روح إنسانية تمنحه معناه الأجمل. فقد توقفت السيارة احترامًا لممرّ الراجلين، غير أن السيدة لم ترَ في ذلك مجرد إجراء قانوني، رأتْ فيه موقفًا يستحقُّ التّقدير، فحوّلت القاعدة الجافّة إلى علاقة قائمة على التهذيب المتبادل.

ولم تمارس السيدة حقّ الأولوية بوصفه سُلطة أو وسيلة لإثبات الذّات، تعاملت معه بوعي أخلاقي رفيع. لم تندفع، ولم تفرض نفسها، ولم تنظر إلى السّائق بوصفه خَصما، بيدَ أنها قابلت احترامه بإشارة مؤدَّبة وامتناع هادئ، مؤكدة أن صاحب الحق يستطيع أن يحافظ على لطفه وأناقته الأخلاقية. من هذه الزاوية، يكشف موقف السّيدة إمكان قيام علاقة إنسانية راقية بين غرباء لا يجمعهم سوى لحظة عابرة.

فقد رأيتُ في السيدة صاحبةَ حَقٍّ، ورأتْ هيَ فيَّ صاحبَ موقفٍ مُقدّرٍ. وهذا الاعتراف المتبادل هو أساس الحياة المدنية السليمة. بهذا السلوك الهادئ، أعادت السيدة تعريف معنى العبور. لم تعبر الطريق بجسدها، وإنما عبرت بالموقف إلى مستوى أرقى، حين جعلت من الإشارة لغةً، ومن التريّث لطفًا، ومن تلك اللحظة العابرة درسًا صامتًا في احترام الآخر وتقدير مبادرته وردّ الجميل بأبسط صور التعبير.

روعَة السَّيدة في عُمق المشهَد

تكمن روعة هذه السيدة في أنها مارست أدبًا نادرًا في زمن السرعة والاستعجال. فقد تعاملت مع الطريق بوصفه فضاءً للمشاركة والاحترام المتبادل. لم ترَ أمامها سيارةً توقَّفت لأن القانون يأمرها بالتّوقف، رأت إنسانًا أفسح لها الطريق احترامًا، فأفسحت له في المقابل مساحةً من التّقدير. كان العبور حقّها، ومع ذلك اختارت أن تُمارسه بذوْق؛ لأن الحقوق حين تسكنها الأخلاق لا تفقدُ قوَّتها، وإنما تكتسب جمالًا.

هكذا، في لحظة عابرة، لم يعد الطريق مجرّد مسافة تُقطع، وإنما صار مساحةً يلتقي فيها الإنسان بالإنسان. من هنا يحمل المشهد معنى تربويًا عميقًا، إذ يعلّمنا أن حقَّ العبور لا يُلغي حقَّ الشُّكر، وأن احترام القانون لا يلغي جمال المجاملة، وأن الطريق قد يتحول من مكان للتَّوتُّر إلى دَرس صامتٍ في النُّبل.

حين توقّف القانون وانحنى الذَّوق

غادرتُ ذلك الممرّ وفي داخلي دهشةٌ هادئة. كنت قد توقفت احترامًا للقانون، ظانًّا أن الموقف لن يتجاوز واجبًا عابرًا تفرضه قواعد الطريق، غير أن تلك الثواني القليلة منحت المشهد معنى آخر. لم يعد ممرّ الراجلين مجرد مساحة للعبور، ولم تعد السيارة مجرد مركبة تتوقف ثم تمضي؛ صار الطريق، للحظة، مكانًا للقاء صامت بين غريبين، لم يتبادلا كلمة ولم يعرف أحدهما اسم الآخر.

جمعتهما إشارة، ثم فرّقتهما حركة المدينة، وبقيَ منَ اللّقاء أثرٌ خفيف، من تلك الآثار التي تمرّ سريعًا في الزمن وتطول في الذاكرة. لذلك غادرت المكان وأنا أشعر أنني خرجتُ من مَوقفٍ يوميّ بسيط بِدَرْسٍ واسع في الذَّوق والرُّقي.

ومن تلك السيدة تعلّمت أن أجملَ ما في الإنسان قد يكشفُ عن نفسه في أصغر التّفاصيل؛ في يدٍ تُشير، وخطوةٍ تتريّث، وحقٍّ يُمارَس بِرُقيّ. كانت لحظةً عابرة في عُمر الطريق، لكنها تركت في نفسي معنى أبقى من العُبور نفسه: أنَّ التهذيب لا يحتاجُ إلى كلمات، وأن بعض المواقف الصغيرة تقول عنّا أكثر مما تقوله الخُطب الطّويلة.

لنتأمّل؛ وإلى حديث آخر.

أضف تعليقك

‫‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم‬.

صوت وصورة
مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"
السبت 26 شتنبر 2026 - 22:40 2

مطالب أمهات معتقلي "جيل زد"

صوت وصورة
ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي
السبت 26 شتنبر 2026 - 21:30 6

ما بعد انتخابات 23 شتنبر | ترقب التعيين الملكي

صوت وصورة
ساكنة سلا تتحسر
السبت 26 شتنبر 2026 - 17:49 10

ساكنة سلا تتحسر

صوت وصورة
مرافق مهملة بالدار البيضاء
السبت 26 شتنبر 2026 - 13:57 4

مرافق مهملة بالدار البيضاء

صوت وصورة
الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:49 9

الأزمي ينتقد القاسم الانتخابي

صوت وصورة
بنكيران: البيجيدي في المعارضة
السبت 26 شتنبر 2026 - 12:02 18

بنكيران: البيجيدي في المعارضة